الطبيعة والعلوم البيئية > عمارة وأرض

مدننا تُهدِّد التنوُّع الحيوي

يُعَدُّ قطاع البناء أقلَّ الصناعات استدامةً على مستوى العالم؛ إذ يستهلك قرابة نصف الموارد غير المتجدِّدة. وتؤثر البيئة العمرانية تأثيراً خطيراً في النظم البيئية الطبيعية بسبب الكمية الكبيرة من الطاقة والمواد اللازمة للحفاظ على هذا القطاع، إضافةً إلى الأثر السلبي للنشاط البشري ضمن البيئة العمرانية الذي لا يمكن إهمالُه لكونه متسبِّباً في خسارة التنوع الحيوي.

إذ تترابط البيئة الطبيعية والبيئة العمرانية، ولتقاطعهما تأثيرٌ كبيرٌ في الحفاظ على الحياة على كوكبنا؛ ممَّا يُحتِّم وجود نظام بيئي سليم وتنوُّعٍ حيويٍّ وافرٍ لتحقيق هذه المعادلة. 

ولكن المفارقة التي نشهدها هي أنه من النادر للبيئة العمرانية أن تأخذ بالحسبان العلاقة الوثيقة بين التنوع الحيوي وجودة حياة الإنسان عند تنفيذ بنيتها التحتية ومشاريعها الإسكانية وامتدادها العمراني.  

ويُعدُّ الطلب المتزايد للموارد الطبيعية (مثل الأخشاب والوقود الأحفوري) اللازمة لأعمال البناء من أسباب هذا التأثير السلبي للبيئة العمرانية في التنوع الحيوي؛ مما يدمر جزءاً كبيراً من البيئات الطبيعية، إضافةً إلى عمليات استخراج المعادن اللازمة للبناء، لذلك يجب التعامل بحذر مع مصادر مواد البناء. 

وقد يُشكِّل الحفاظُ على المنشآت الموجودة وتأهيلها بدل تدميرها وبناء مشاريع جديدة جزءاً من الحل. 

ويجب الانتباه إلى أنَّ خسارة التنوع الحيوي بفعل نشاطات الإعمار لا تؤثر سلباً في النباتات والحيوانات فقط؛ بل تشمل أيضاً قدرة النظام البيئي على حماية المنشآت البشرية من الفيضانات والانهيارات الأرضية والحرائق الناجمة عن التغير المناخي. 

كذلك يؤثِّر التلوث الضوئي والصوتي -الناجمان عن التمدد الحضري- في وظائف عديد من الحيوانات وسلوكها وتكاثرها. 

ونظراً إلى دور البيئة العمرانية الأساسي في المساهمة في خسارة التنوع الحيوي والتسبُّب في التغيُّر المناخي؛ فيُفترَض أنه من الممكن التحكُّم بها لإيجاد حلول لهذه المشكلات، فإذا لم تُبذَل الجهود وتُطبَّق سياسات طارئة نحو بيئة مبنية أكثر استدامةً عالمياً؛ سنستمر في خسارة التنوع الحيوي.

ويمكن للبيئة العمرانية أن تكون أكثر استدامةً عند دمجها مع الطبيعة والاعتماد على نشر العناصر الخضراء من أشجار وجدران وأسقف مزروعة. مما قد يرفع القيمة الاقتصادية والتسويقية للأراضي والمشاريع التي تُقام عليها، والأهم من ذلك؛ قد يُحسِّن جودة حياة القاطنين والمستخدِمين (1).

كذلك تكتسب الحدائق في المدن (الحدائق الحضرية) أهميةً كبيرةً بما تُشكِّله من ملجأ للتنوع الحيوي المحلي، وتخفِّف من الأثر السلبي لتمدُّد المدن. فعلى سبيل المثال؛ يتوفَّر النحل بنسبة أعلى في المتنزهات الحضرية في سان فرانسيسكو عن نسبته الموجودة في المتنزَّهَين الواقعَين خارج حدود المدينة. وقد شهدت المناطق الريفية في بريطانيا انخفاضاً بتعداد الضفادع مقارنةً بتعدادها المرتفع في المتنزَّهات والحدائق الحضرية. لكن في الوقت ذاته؛ قد تُشكِّل المفترسات في الحدائق الحضرية خطراً يُهدِّد بعض الأنواع.

وأيضاً يمكن للحدائق الخاصة أن تُحافظ على التنوع الحيوي على مستوى المدينة عن طريق تشكيلها ممرات عبور أو موائل لبعض الأنواع (2). 

إذاً يمكن القول أنه يجب مراعاة التنوع الحيوي في مناطق التوسع الحضري عبر توفير البيئة الملائمة لعيش الأنواع الحيوانية والنباتية المحلية والمهددة بالانقراض، وإنشاء ممرات حيوية مثل المتنزهات والممرات المائية بوصفها جزءاً متكاملاً من مشاريع التطوير الحضري؛ وهو الأمر الذي يشجع الأنواع الحيوية على استيطان هذه المناطق (1).

في النهاية، تعدُّ البيئة العمرانية مسؤولةً عن عديد من المشكلات البيئية والاجتماعية، وأصبح من الواضح ضرورة تغيير بنيتها، ربما ليس عبر إعادة بنائها من جديد أو استخدام تقنيات جديدة، وإنما عبر تكييفها مع سياسات وأهداف جديدة من شأنها إعادة حياة النظم البيئية (3).

المصادر: 

1. Opoku A. Biodiversity and the built environment: Implications for the Sustainable Development Goals (SDGs). Resources, Conservation and Recycling. 2019;141:1-7.

هنا

2. Goddard M, Dougill A, Benton T. Scaling up from gardens: biodiversity conservation in urban environments. Trends in Ecology & Evolution. 2010;25(2):90-98.

هنا

3. Zari M. Ecosystem services analysis for the design of regenerative built environments. Building Research & Information. 2012;40(1):54-64.

هنا