البحث العلمي والمنهجية العلمية > البحث العلمي

عوامل التشويش (Confounders) تعريفها وكيفية ضبطها

نُشِرت إحدى الدراسات (1) في مجلة (Nature) عام 1999، وحظيت بانتشارٍ واسعٍ في وسائل الإعلام، وأفادت بتوصل مجموعة من الباحثين لسببِ إصابة بعض الأطفال بحسر البصر المحوري Axial myopia، وشملت هذه الدراسة 479 طفلًا، تراوحت أعمارهم بين (2-16) سنة، وُلِدوا جميعًا ضمن فترة الولادة الطبيعية ولا يعانون أيّة اضطرابات عينية أخرى، وقد طُلِب من آبائهم تعبئة استبانة تقيس مدى تعرُّض أطفالهم للضوء خلال فترة الدراسة وخلال طفولتهم المبكرة؛ فأفضت النتائج إلى أن تعرُّض الطفل للضوء في أثناء النوم قبل عمر السنتين؛ يزيد من فرصة الإصابة بحسر البصر؛ إذ أصيب 31% من الأطفال ممّن تعرضوا في أثناء نومهم لإضاءةٍ كاملة للغرفة بحسر البصر، وأُوصِي ذويهم بوجوب نوم الرضَّع والأطفال الصغار في غرفٍ خالية من الإضاءة الاصطناعية.

ولكنّ المفاجئ أنه بعد قرابة عامٍ من صدور هذا البحث، نُشِر بحثان عن الموضوع ذاته لمجموعتين مختلفتين من الباحثين (2) (3)، ولكن بنتائج مغايرة تمامًا عن نتائجه؛ إذ نفى الباحثون وجود أية علاقة بين احتمال إصابة الأطفال بحسر البصر والتعرّض للضوء الاصطناعي في أثناء النوم قبل عمر السنتين. ومن جهةٍ أخرى؛ توصلوا إلى أن الآباء المصابين بحسر البصر غالبًا ما يحتاجون إلى  الإنارة المستمرة لتساعدهم على الرؤية مساءً، ومن المعروف أن للعوامل الوراثية  دور أساسي في احتمال إصابة الأبناء بحسر البصر، لذا فإنّ ما وُصِف عاملًا مسببًا في البحث الأساسي (التعرُّض للضوء في أثناء النوم) كان مجرد عامل تشويش confounder (4).

يُعرَّف عامل التشويش (أو عامل الإرباك) Confounding factor  بأنه متغيِّر خارجي Extraneous variable يؤثر وجوده في صحة نتائج البحث؛ فلا يعكس العلاقة الفعلية ما بين المتغيرات المدروسة والنتيجة outcome (5). ومن الضروري أن يكون عامل التشويش على ارتباط بكل من التعرُّض المدروس exposure (قد يكون تدخل دوائي أو غير ذلك) والنتيجة outcome (كالإصابة بمرض معين أو الموت)، وليس جزءًا من الطريق الواصل ما بين التعرّض والنتيجة. 

على سبيل المثال؛ إذا أردنا دراسة تأثير ارتفاع الضغط وخطورة الإصابة بالسكتة الدماغية، فلا يمكننا مقارنة مرضى الضغط بذوي الضغط الطبيعي فقط، بل هناك مجموعة من عوامل التشويش التي يجب أخذها بالحسبان لكي لا نحصل على نتائج تدّعي السببية ادعاءً زائفًا؛ مثل التدخين، والسكري، وتناول الكحول، وغيرها من العوامل ذات الصلة بكل من ارتفاع الضغط (exposure) والسكتة الدماغية (outcome) (أي أنها قد تزيد من فرصة الإصابة بكليهما)، وليست خطوة وسطية في طريق ارتفاع الضغط المؤدي للسكتة (6).

ولحُسن الحظ؛ وُجدَت عدة طرائق ممكنة لضبط عوامل التشويش وتجنّب تشويشها للنتائج، يُطبَّقُ عددٌ منها في مرحلة تصميم الدراسة Design phase قبل جمع المعطيات عن المشاركين، ويُطبَّق بعضها الآخر في مرحلة تحليل النتائج Analysis phase بالاعتماد على مبادئ إحصائية بعد جمع المعطيات عن المشاركين (5).

وتشمل الإجراءات المتبعة لضبط عوامل التشويش واستبعادها خلال مرحلة تصميم الدراسة ثلاث طرائق رئيسة هي:

1- التعشية Randomization (العشوائية) : ولها أهمية خاصة في الدراسات التجريبية، وهي التوزيع العشوائي للمشاركين على كلا طرفي الدراسة (مجموعة التداخل المدروس ومجموعة التحكّم) للتخلّص من أي روابط بين التداخل المدروس وعوامل التشويش. وتتميّز التعشية أنها تساعد في ضبط عوامل التشويش المعروفة وغير المعروفة.

2- التقييد (أو الحصر) Restriction: ويعني أنّ جميع  المشاركين في العيّنة معرّضين لعامل تشويشٍ معيّن  محتمَل (فئة عمرية محددة، أو جنس محدد)، ولكن من سلبيات التقييد؛ اقتصار الدراسة غالبًا على عينة صغيرة، ممّا يفقِد هذه الطريقة الدقة أو إمكانية تعميم نتائج البحث.

3- المطابقة Matching: يشيع استخدامها في دراسات الحالات والشواهد Case-control studies، إذ يجري اختيار المجموعة الشاهدة لتكون مطابقةً لمجموعة التداخل المدروس، مما يحدّ من تأثير عوامل التشويش نظرًا لتطابق المجموعتين، ولكن تظهر في هذه الطريقة صعوبة إيجاد شاهدٍ مطابقٍ لمثيله في مجموعة التداخل المدروس.

تطبَّق جميع تلك الطرائق في أثناء تصميم الدراسة، ولكن في بعض الأحيان قد تكون تصاميم الدراسات غير عملية أو يصعبُ تنفيذها بدقّة، ممّا يحتِّم على الباحثين التوجُّه للطرائق الإحصائية لضبط تأثيرات عوامل التشويش (5,6). 

فعلى نقيض أنواع الانحيازات الأخرى؛ مثل انحياز اختيار العينة Selection bias وانحياز المعلومات Information bias، تُعدّ عوامل التشويش انحيازًا يمكن التحكم به في مرحلة تحليل النتائج بالاعتماد على النماذج الإحصائية، وهي على نوعين أساسيين:

1- التقسيم الطبقي Stratification: عند محاولة دراسة مقطعية لإيجاد علاقة بين الإصابة بجرثومة الملوية البوابية وظهور أعراض عسر الهضم؛ بيّنت النتائج وجود ارتباط عكسي (علاقة عكسية) بين كلا المتغيرين (وكانت قيمة احتمال ظهور الأعراض عند وجود عدوى بالملوية البوابية odds ratio-OR=0.60)، وبافتراض أن الوزن عامل تشويش، لذا تُقسّم معطيات عينة المشاركين إلى طبقتين بناءً على الوزن (وزن طبيعي، ووزن زائد)، وبعد حساب odds ratio لكليهما؛ كان كالتالي؛ OR=0.80 عند ذوي الوزن الطبيعي، و OR=1.60 عند ذوي الوزن الزائد. 

نلاحظ اختلاف قيم احتمال ظهور الأعراض عند الإصابة بالملوية البوابية لدى كلا الطبقتين، واختلافها عن القيمة قبل التقسيم أيضًا (مما يدلّ أن الوزن هو عامل تشويش في هذه الدراسة)، لذا لتصحيح هذه القيمة وإزالة تشويش عامل الوزن نحسب قيمة تدعى  Mantel-Haenszel (M-H) estimator تحليلًا إحصائيًّا بديلًا يعالج الإرباك في الدراسة؛ إذا يمكن القول؛ أنّ التقسيم الطبقي في الدراسات يهدف إلى ضبط عامل التشويش في كل طبقة، ويُستخدم غالبًا مع وسائل أخرى لتعزيز صحة النتائج (5,6). 

2- النماذج متعددة المتغيرات Multivariable Models: يتميز هذا النمط الإحصائي بأنه يساعد الباحثين في ضبط عددٍ كبير من عوامل التشويش في الوقت ذاته، وليس عاملًا أو عاملين كما في التقسيم الطبقي. 

وعلى سبيل المثال؛ في دراسة تهدف إلى قياس العلاقة بين مؤشر كتلة الجسم (BMI) واحتمال الإصابة بعسر الهضم، هناك عدد كبير من المتغيرات وعوامل التشويش التي يجب ضبطها؛ مثل العمر، والجنس، والتدخين، وتناول الكحول، والعرق،  لذا قد تتيح بعض النماذج الإحصائية إمكانية لذلك. ومن أشهرها:

1- Logistic regression
2- Linear regression
3- Anlysis of covariance (ANCOVA) (5)

على الرغم من التطور اللافت في وسائل التحكم وضبط عوامل التشويش في الدراسات، فإنها ما زالت عقبة في طريق الباحثين؛ إذ تفشل العديد من الدراسات في جمع مصادر عوامل التشويش وضبطها، إما  بسبب عدم القدرة على معرفة مصدر التشويش، وإما لأنّ مصدر التشويش كان معروفًا لكن لم يتمكّن الباحثون من قياسه كما يجب، وفي كلتا الحالتين لن تصلح نتائج الدراسة للتطبيق؛ لذا من المهم جدًّا التعاون بين كل من الأطباء المشرفين على الدراسة ومحللي الإحصاء لضمان صحة تحليل النتائج (4,6). 

المصادر:

1. Quinn G, Shin C, Maguire M, Stone R. Myopia and ambient lighting at night. Nature [Internet]. 1999 [cited 30 June 2020];399(6732):113-114. Available from: هنا
 
2. Zadnik K, Jones L, Irvin B, Kleinstein R, Manny R, Shin J et al. Myopia and ambient night-time lighting. Nature [Internet]. 2000 [cited 30 June 2020];404(6774):143-144. Available from: هنا
 
3. Gwiazda J, Ong E, Held R, Thorn F. Myopia and ambient night-time lighting. Nature [Internet]. 2000 [cited 30 June 2020];404(6774):144-144. Available from: هنا
 
4. Andrade C. Confounding. Indian Journal of Psychiatry [Internet]. 2007 [cited 30 June 2020];49(2):129. Available from: هنا
 
5. Mohamad Amin Pourhoseingholi M. How to control confounding effects by statistical analysis [Internet]. PubMed Central (PMC). 2020 [cited 21 May 2020]. Available from: هنا
 
6. Kahlert J, Gribsholt S, Gammelager H, Dekkers O, Luta G. Control of confounding in the analysis phase – an overview for clinicians. Clinical Epidemiology. 2017;Volume 9:195-204. هنا