العمارة والتشييد > من أعلام العمارة

مسجد أبو ستيت

منذ 300 عام ومسجد أبو ستيت هو المسجد الرئيسي في باسونا؛ إذ أُعيد بناؤه مرَّاتٍ عدة، وكان آخرها قبل 70 عامًا، ويُعَدُّ مسجد الجمعة الرئيسي والمسجد الجنائزي الوحيد في القرية بأكملها، وقد تسبَّب فيضانٌ مفاجئٌ وهبوط التربة بسبب بناء مبنىً مجاور بإلحاق أضرار هيكلية كبيرة، ممَّا جعل المسجد غير آمن وكان لابُدَّ من هدمه (2).

نتجت العمارة التي نراها اليوم عن إعادةِ البناء للمرَّة الثالثة لمسجد أبو ستيت على تلك الأرض التي تقع في وسط القرية بجوار المقبرة، والذي صمَّمته شركة دار عرفة للهندسة المعمارية ليكون مَعلمًا تذكاريًّا ودينيًّا مهمًّا لقرية باسونا الريفية في صعيد مصر (3).

كان هدف وليد عرفة  من تصميم المسجد الجديد إلى جانب موقع المشروع زيادة قدرته على استيعاب المزيد من المصلِّين في أوقاتٍ مختلفة من السنة -من الرجال والنساء- وتحسين جودة المساحات والخدمات المقدَّمة، وأن يُصبِح المسجد أداةً للاندماج الاجتماعي، وإعادة تَصوُّره بوصفه وحدةً مستقلةً ذات وظائف مبتكرة (3).

المنطقة التي يقع فيها المسجد صاخبةٌ ومليئةٌ بالغبار مع زحفٍ كثيفٍ للمباني السكنية، و تتحرَّكُ الماشية ذهابًا وإيَّابًا على الطريق أمامه أيضًا، ويتشكَّل سوقٌ صغيرٌ مؤقَّتٌ أسبوعيٌّ أمام المدخل الرئيسي، وهذا ما شكَّل تحديًّا كبيرًا للعملية التصميمية؛ إذ يجب أن يوفِّر المبنى الجديد السلام والهدوء لمستخدميه عن طريق متطلَّباتٍ عدَّة (2):

إنَّ التعامل مع كلِّ تحدٍ على حدة جعل الوصول إلى حلٍّ مُرضٍ مستحيلًا، فعلى سبيل المثال؛ يؤدِّي استعمال النوافذ في الجدران الخارجية إلى السماح بالتهوية المتقاطعة ولكنَّه سيؤدي إلى أداء ضعيف بالنسبة للضوضاء والغبار والتحكم بالرائحة، فكان القرار باقتصار الفتحات على مستوى الشارع أو بالقرب منه على المدخل الرئيسي فقط، مع معالجة كل هذه التحديات في مستوى السقف الأعلى، ومن جهةٍ أخرى كانت قيود الميزانية وقلة إمكانية وصول آليات البناء أو عدم وجودها تعني أنَّ أي حل يجب أن يعتمد على نحوٍ أساسي على القوى العاملة والأدوات البسيطة (3).

كان الحل باعتماد تصميم المسجد على الجدران المجوَّفة مع نافذةٍ واحدةٍ فقط تطلُّ على المقبرة الهادئة، وتتَّصل الجدران عن طريق نظام السقف الهجين المُكوَّن من شبكة جوائز خرسانية مصبوبة في الموقع مشكلةً مربَّعًا مركزيًّا (6×6 م) مُغطَّىً بقبَّةٍ رئيسية، و108 فتحات مربَّعة أصغر (0.82 × 0.82 م) مُغطَّاة جزئيًّا باستعمال القباب المعلَّقة، تُكملها ألواح زجاجية أفقية وشاقولية ثابتة تسمح للنسيم الشمالي على مستوى ارتفاعها بالدخول إلى المسجد، ويضيء ضوء الشمس غير المباشر والخالي من الوهج الداخل طبيعيًّا، وتُجمع مياه الأمطار  وتُستَعمل لتنظيف النباتات وسقايتها (1).

بُنيَت القبة الرئيسية باستعمال كتل خفيفة مصرية الصنع من الرمل والجير والهواء، بكثافة 0.5 طن / م3، وناقلية حرارية 0.136- 0.132  واط / م 2. ° ك، وتصنيف النار أي (مقاومة الحرائق نسبة إلى السماكة) 4-7 ساعات، وعزل صوتي (dB) (ديسبل) 37-48 (1).

قلَّلت خفَّة وزن الكتل التي استُعمِلت في المبنى كاملًا من وزن المبنى؛ ممَّا قلَّل بدوره الأبعاد المطلوبة لجميع العناصر الخرسانية المسلحة، وكانت أبعادها (100 ×  200×  600 مم)  مثاليةً أيضًا لاستعمالها في تقديم منظرٍ جماليٍّ مُبتَكر يخدم تنفيذ الفكرة التصميمة للقبَّة، وذلك عن طريق استعمال مجموعة من القطع الخاصة ووضعها بشكل فسيفساء متداخلة بسيطة، واضطر المصمِّمون إلى ابتكار بوصلةٍ فولاذيةٍ خاصة لضمان التوضع المكاني الدقيق لكلِّ كتلةٍ في القبة بغض النظر عن مهارات البناء ودقته (1).

وفقًا للمخطط التصميمي الجديد؛ تقع غرفة صلاة الرجال شمال الموقع وتبلغ مساحتها قرابة 170 م2، في حين استُعمِلت بقية أرض المشروع في الجنوب الغربي للسلالم بهدف الوصول الثانوي من كلا الجانبين والوصول إلى الطابق السفلي، ولإضافة منطقةٍ مخصَّصةٍ للسيدات للصلاة أُضيفَ في الواجهة الرئيسية طابقٌ متوسِّط (mezzanine: طابق إضافي صغير بين أحد طوابق المبنى والطابق الأعلى الذي يليه) فوق منطقة المدخل، وأُرفِقَ بمدخل منفصل من الشرق يغطي مساحة 42 م2، ويمكن ملاحظة المدخل المُنفصل عن طريق جدار متعرِّج (zig-zag wall) أقل ارتفاعًا من مدخل الرجال، ويتميز برمزيته وفتحاته المتوضِّعة على نحوٍ إيقاعي ممَّا يعطيه إيحاءً شبيهًا بالستار، ويمتد باب المدخل الخشبي الداكن الطويل والمزين بالأرابيسك من الطابق الأرضي إلى الطابق المتوسط، وهو يحتضن رمزيًّا مساحات الذكور والإناث (2).

صُمِّمت القاعة متعددة الاستعمالات لاستيعاب الزيادات الموسمية في أعداد المصلَّين من الجنسين في أيام الجمعة وشهر رمضان، ولخدمة مجموعةٍ من الفعاليات على مدار السنة؛ مثل العيادات الطبية المؤقتة ودروس ما بعد المدرسة ودروس محو الأمية (3).

ويضمُّ المسجد 4 مداخل للمبنى؛ اثنان منها يمكن أن تكون متاحةً لذوي الاحتياجات الخاصة بمجرد أن تسمح الطرق والبنية التحتية للقرية بالحركة الحرة والمستقلة لهم (3).

ولم تُبنَ قمَّة المئذنة بسبب قضايا الميزانية، ويجري إعداد حملةٍ لجمع التبرُّعات للسماح بإكمال المئذنة وفق التصميم الأصلي، إذ مُوِّلَ المسجد عن طريق تبرُّعاتٍ سخيةٍ من خارج القرية إضافةً إلى مساهمات المهنيين المعنيين (2).

يُمثِّل المسجد تذكيرًا بالإمكانات الغنية للهندسة المعمارية في كلٍّ من التصميم المعماري وابتكارات البناء، والتي تهدف إلى تقديم حلولٍ مبتكرةٍ وفعالةٍ لمعالجة التحديات وتلبية الاحتياجات، فهو محاولةٌ نحو أنموذجٍ معماريٍّ جديدٍ ومرنٍ وهادف يسعى إلى التعلم من الماضي من أجل خلق ابتكاراتٍ ذات صلةٍ بالمستقبل.

المصادر:

1. Basuna Mosque / Dar Arafa Architecture [Internet]. ArchDaily. 2020 [cited 30 June 2020]. Available from: هنا

2. [Internet]. 2020 [cited 30 June 2020]. Available from: هنا

3. Dar Arafa Architecture: Al Abu Stait Mosque in Basuna Egypt | Floornature [Internet]. Floornature.com. 2020 [cited 26 July 2020]. Available from: هنا