الاقتصاد والعلوم الإدارية > سلسلة أساسيات الاقتصاد

ماهي أسباب صعوبة التنبؤ بسعر الصرف؟ -الخصائص المميزة للسلاسل الزمنية المالية

عادةً ما يرتبط سعر الصرف بعديد من المحددات الموجودة في الاقتصاد؛ مثل حجم التبادل التجاري، وعجز ميزان المدفوعات، وأسعار النفط، والعوامل السياسية والأمنية، والأخبار والإشاعات والتوقعات وغيرها الكثير من أساسيات الاقتصاد؛ إذ يتجه المحللون لتوقع أسعار الصرف بناءً على تلك المحددات.

وقد يتجه بعض المحللين والأكاديميين إلى الاعتماد على التحركات الماضية لأسعار الصرف (السلاسل الزمنية لأسعار الصرف) من أجل التنبؤ بالتحركات والتقلبات المستقبلية.

تعدُّ نمذجة السلاسل الزمنية المالية والتنبؤ بالقِيَم المُستقبلية أمرًا مُعقدًا، ويعود هذا التعقيد إلى وجود بعض الخصائص المُمَيزة لتلك السلاسل. سنعرض ثلاثًا منها على نحوٍ مُبسَّط؛ إذ يُمكن ملاحظتها عند تتبع تقلبات أسعار الأسهم وأسعار الصرف وغيرها من المؤشرات.

وقبل عرض تلك الخصائص، يجب التعرف إلى المصطلحات الآتية:

  1. عدم الاستقرار "Nonstationarity"؛ إذ تميل السلاسل المالية غالبًا لتكون عبارةً عن سياقات سيرٍ عشوائية "random walk process"؛ أي إنها باختصار لا تميلُ إلى السيرِ حول متوسط حسابي واحد، وبناء على ذلك فالتباين غير ثابت مع تقدم الزمن، إضافةً إلى أن الاتجاه العام غير ثابت وعشوائي، وقد تسلك السلسلة سلوكًا انفجاريًّا، أي نظريًّا؛ استمرار تزايد التباين عبر الزمن إلى ما لانهاية. وتوضح السلسلة الزمنية الآتية لسعر صرف الدولار أمام اليورو في الفترة ما بين العام 1999 و 2018 مشكلة عدم الاستقرار:

  2. تأثير الرافعة "Leverage Effect"، تحدثَ عنه "فيشر بلاك" أول مرة في عام 1976؛ إذ لاحظ "بلاك" عدم تماثل أثر "asymmetric effect" التغيُّرات الموجبة والسالبة في التقلبات الحالية للعديد من السلاسل. بمعنى أن التغيُّرات السلبية (انخفاض الأسعار) يميل إلى أن يزيد من التقلبات على نحوٍ أكبر من التغيُّرات الموجبة (ارتفاع الأسعار)؛ أي إن التغيُّرات السالبة تتبعها تقلبات عالية، التغيُّرات الموجبة تتبعها تقلبات أقل.
  3.  تجمع التقلبات "Volatility Clustering"، تحدّث عن هذه الظاهرة "بينواه مانديلبروت" أول مرة عام 1963؛ فقد لاحظ أن التغيُّرات الكبيرة سلبًا أو إيجابًا تميل إلى أن تتجمع مع بعضها البعض وكذلك التقلبات الصغيرة. بمعنى أن التغيرات الكبيرة عادةً ما يتبعها تغيُّرات كبيرة أُخرى، والتغيُّرات الصغيرة تتبعها تغيُّرات صغيرة أُخرى.

    وتوضح السلسلة الآتية للتغيُّرات اليومية في سعر الصرف لليرة السورية في الفترة مابين العام 2000 و 2011 تلك الظاهرة [1]:

  4. الموسمية "Seasonality"، لاحظها "ماندلبروت" أيضًا، ووجد أنَّ المناسبات والأعطال تستحق المشاهدة أيضًا لما لها من أثر في تقلبات الأسعار؛ إذ إنّه في اليوم التالي لنهاية الإسبوع، أو بعد أيام العطلة؛ تميل التقلبات إلى أن تكون عاليةً مقارنة بالأيام العادية، ويُفسر هذا الأثر بتراكم المعلومات والأخبار على مدى العطلة لدى المتعاملين، فتنعكس جميعها دفعةً واحدةً في اليوم التالي للعطلة في السعر، أما في الأيام العادية ينعكس أثر كل خبر أو معلومة على حدة، فتكون التقلبات أقل. [2]

استُفيدَ من تلك الخصائص المميزة في نمذجة تحركات أسعار الصرف وتقلباتها، على الرغم من ملاحظتها في أسواق رأس المال والاقتصاد الكلي منذ البداية، إضافة إلى الاستعانة بنماذج مثل نماذج التباين الشرطي "conditional variance" للتعرُّف إليها؛ إذ يعرض (Suliman، 2012) بأنه يمكن استخدام أحد تلك النماذج لنمذجة تقلبات أسعار الصرف للعملات العربية، فقد استطاع التعرف إلى خصائص مميزة لسلاسل أسعار الصرف للعملات العربية في الفترة مابين العام 2000 و 2011. وكانت النتيجة أنَّ جميع العملات العربية تميزت بوجود تأثير الرافعة (عدا الدينار الأردني)، وقد وجد أيضًا أنَّ التقلبات في سلاسل أسعار الصرف لعشر عملات عربية (من بينها الليرة السورية) غير ثابتة وتتجه للانفجار مع الزمن "explosive process"، ووجد أيضًا أنَّ الصدمات الناتجة عن التقلبات عالية جدًّا، وستبقى عاليةً طالما بقيت التقلبات (أو التباين) غير مُستقرة [1].

ماهي أهم تأثيرات التقلبات العالية لسعر الصرف في الاقتصاد؟

  1. على مستوى تدفق الاستثمارات وأسواق المال

    تؤثر التقلبات العالية سلبًا في شهية المستثمرين تجاه المخاطر بسبب حالة عدم اليقين تجاه استثماراتهم، فيعزفون عن الاستثمار والتعامل في العملات أو الأصول المُقيمة بعملاتٍ تتسم بتقلباتٍ عالية، ومن ثم انخفاض معدلات النمو بسبب انخفاضِ حجم الاستثمارات. إضافةً إلى أنَّ التقلبات العالية قد تتسبب بأزماتٍ خارج نطاق البلدان التي يُتعامَل بها؛ وذلك بسبب الترابطات وتأثير العدوى ما بين الأسواق المالية والاقتصادات (Ozcelebi، Oguzhan، 2018).

  2. على مستوى التبادل التجاري

    للتقلبات أثرٌ سلبي في التبادل التجاري بين الدول على المدى الطويل والقصير (Verheuvel، N.H. (Nils) ،2016)، وخصوصًا السريعة والعنيفة منها؛ إذ إنها قد تؤثر -على المدى القصير- سلبًا في الأرباح الحقيقة لأطراف التجارة المتعاملين بأكثر من عملة، مما يدفع إلى انخفاض التجارة ما بين الدول، ويتعمق الأثر إلى النمو الاقتصادي في حال اعتماد بلدين على بعضهما على نحوٍ كبير في التجارة، وكان لأحدهما عملة وطنية وسيطًا للتداول (ذات تقلبات عالية). مثال ذلك؛ حين يستورد أحدهم سلعة ما بقيمة 1$ عند سعر صرف 500 ليرة سورية للدولار الواحد، وعملة البيع هي الليرة السورية وبسعر 550 للوحدة أي 1.1$، في حال انخفض سعر الصرف على نحوٍ عنيف ومفاجئ وأصبح 600، وفي حال بقي سعر البيع عند 550 أي 0.9$؛ في هذه الحالة يتلاشى ربح المستورد ويتحول إلى خسارة نتيجة الانخفاض العنيف في سعر الصرف.

يتضح مما سبق أهمية استقرار سعر الصرف بصفته عاملًا دافعًا للنمو بنحوٍ يمكن التنبؤ به مستقبلًا، ومن هنا يأتي دور الدولة في صياغة سياساتٍ للمحافظة على هذا الاستقرار (Barguellil، Achouak & Ben Salha، Ousama & Zmami، Mourad ،2018)، حتى وإن كان نظام سعر الصرف عائمًا (أي يُحدَّد السعر في السوق دون تدخل الدولة مباشرةً)، نجد أنَّ الحكوماتَ تتدخلُ للحدِّ من التقلبات والمحافظة على الاستقرار مهما كان السعر السائد في السوق.

المصادر:

1- Abdalla، Suliman. (2012). Modelling Exchange Rate Volatility using GARCH Models: Empirical Evidence from Arab Countries. International Journal of Economics and Finance. 4. 216-229. 10.5539/ijef.v4n3p216.

هنا

2- Francq، Christian & Zakoian، Jean-michel. (2019). GARCH Models. 10.1002/9781119313472.

هنا

3- Ozcelebi، Oguzhan. (2018). Impacts of Exchange Rate Volatility on Macroeconomic and Financial Variables: Empirical Evidence from PVAR Modeling. 10.5772/intechopen.74406. 

هنا

4- Verheuvel، N.H. (Nils) (2016). The Effect of Exchange Rate Volatility on Economic Growth in South Korea.

هنا

5- Barguellil، Achouak & Ben Salha، Ousama & Zmami، Mourad. (2018). Exchange Rate Volatility and Economic Growth. Journal of Economic Integration. 33. 1302-1336. 10.11130/jei.2018.33.2.1302. 

هنا