العمارة والتشييد > عمارة سورية التاريخية

محطة الحجاز.. ذاكرةُ سَفَر

أدَّى تطور أنظمة النقل في القرن التاسع عشر دورًا كبيرًا في تغير شكل المدن وتوسُّعها (1)، وقد نتج عن التطور السريع للسكك الحديدية تغيرٌ كبير في التفاعل بين المناطق المختلفة بسبب السرعة الكبيرة التي أمَّنتها القطارات متجاوزةً حاجز الزمن لتساهم في تقريب المسافات واختصار الوقت (2).

وبسبب الأهمية الكبيرة لارتباط بلاد الشام مع المدينة المنورة ومكة المكرمة في الفترة العثمانية، وصعوبة السفر بواسطة الجمال، وطول المسافة؛ كان من الضروري إنشاء خطٍّ حديديٍّ يربط بينهما ويختصر المسافة والوقت ويجنِّب المسافرين عناء السفر.

سكة الحجاز:

استغرق سفر الحجَّاج من بلاد الشام إلى المدينة المنورة 40 يومًا و10 أيام من المدينة المنورة إلى مكة المكرَّمة، وقد تخلَّلت هذه الرحلة سابقًا العديد من الصعوبات ومشقَّات السفر، ممَّا دفع الحكومة العثمانية إلى تسهيل هذه الرحلة؛ فقرَّر السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1900 م مدَّ خطٍّ حديديٍّ يصل بلاد الشام مع الحجاز (3)، وكان الهدف من إنشائه خدمة الحرمين الشريفين وتوفير وسائل نقل حديثة للحجَّاج القادمين من أوروبا وآسيا إلى مكة والمدينة المنورة، إضافةً إلى تعزيز العلاقات في العالم الإسلامي المجزَّأ (4)، وبدأ بناء السكة الحديدية في شهر أيلول من العام 1900 م، وافتُتِح القسم الأول من الخط الحديدي بين دمشق ودرعا في العام 1903 م، ثمَّ افتُتِح قسم درعا – عمَّان بعد شهرٍ واحدٍ فقط (3).

جلب بناء السكة الحديدية العديد من الفوائد للإمبراطورية العثمانية؛ منها تخفيف الحج عن طريق قوافل الجمال وتسهيل نقل المسافرين والبضائع بين الحجاز واليمن، ولكن لا بُدَّ من الذكر أنَّ بناء هذه السكة الحديدية تضمَّن العديد من الصعوبات، وقد عانى العمال من نقص الغذاء وقساوة الطقس، ودُفِن المئات منهم على طول هذا المسار (4).

كان المُنطلَق الأساسي لسكَّة الحجاز في دمشق هو محطة القدم حتى بناء محطة الحجاز (5, 6)، التي أصبحت محطةً كبيرةً لأعمال الشحن والصيانة وحركة المسافرين (5).  

محطة القدم

محطة الحجاز:

عُرِفت محطة الحجاز باسم محطة القنوات، ويقع مبنى المحطة في نهاية محور شارع سعد الله الجابري (شارع الجنرال غواييه سابقًا) في الجزء الجنوبي من ساحة الحجاز (7).

انتهى بناء المحطة عام 1917 م، وبنيت من قبل المهندس الإسباني فرناندو دي أرنادا (Fernando de Aranda) الذي حضر إلى دمشق في الفترة الأخيرة من الحكم العثماني وشيد عددًا من الأبنية كمحطة الحجاز وبناء العابد وفندق أمية (6, 7).

وقد كان المعماري فرناندو دي أرنادا من المعماريين الغربيين الذين حذوا حذو أسلافهم في منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ أثَّرت العمارة الغربية في العمارة في العالم العربي، ووقع المعماريون الذين عملوا في المدن العربية أمام خيارين؛ إمَّا النسخ من نماذج العمارة الغربية لتأكيد عصريتها وحداثتها في ذلك الوقت -وهنا تفوَّقت كل من أنماط الكلاسيكية الجديدة والآرت نوفو (Art Nouveau) والآرت ديكو (Art Nouveau) وعمارة الحداثة وما بعد الحداثة في مدن مثل القاهرة والإسكندرية وبيروت ودمشق وحلب وبغداد وتونس وعمان والقدس- أو إعادة خلق نماذج تستند إلى العمارة التاريخية للتأكيد على تاريخ المكان وثقافته. وكان عليهم تصفية هذه الاستعارات المستخدمة عن طريق إعادة إحياء أنماط العمارة الغربية مع عدِّهم العمارة العربية في الماضي مصدرًا فنيًّا وتراثيًّا توقف مع ظهور الحداثة والفترة الاستعمارية (8)، فجاء بناء المحطة مزيجاً بين العمارة المشرقية والعمارة الغربية بتصميم مليء بالزخرفة (9).

خُصِّصت الجهة الجنوبية من البناء لأرصفة المحطة، أمَّا الجهة الشمالية فقد خُصِّصت للمدخل الرئيسي الذي تتقدمه ساحة الحجاز حيث تتوقف عربات المسافرين (7)، وهو بناءٌ متناظر مؤلَّفٌ من طابقين وجناحين متناظرين، ويتقدَّم المدخل الرئيسي في الطابق الأرضي رواق ذو ثلاثة أقواس محمولة على أربعة أعمدة تعلوها شرفة في الطابق الأول مع وجود ساعة في أعلى الواجهة، ولوحة تحت الساعة مباشرةً تحمل اسم المحطة (غير موجودة اليوم). نوافذ الطابق الأرضي مستطيلة ذات سواكف أفقية، أمَّا نوافذ الطابق الأول فهي ذات أقواس مدبَّبة وفق الطراز الأندلسي (7). 

يدخل المسافرون إلى المبنى عن طريق الأبواب الثلاثة الرئيسية في الواجهة الشمالية والتي تفضي إلى البهو المركزي الذي يرتفع بارتفاع طابقين، ووظيفته استقبال واستيعاب حركة المسافرين وقطع التذاكر والانتظار، ويؤدي الدرجان في الزاويتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية إلى الطابق الأول المخصَّص للموظفين عبر ممرٍّ مركزي يؤدي في نهايته إلى الشرفة الداخلية التي تطل على الفراغ الداخلي لبهو المحطة (5, 7).

مسقط الطابق الأرضي

مسقط الطابق الأول

غُطِّي بهو المحطة بسقفٍ خشبي مليء بالزخارف (العجمي) (6, 7)، إضافةً إلى العديد من الأعمال الخشبية المستخدمة في إنشاء الشرفة التي تعلو البهو والأطناف التي تحملها وتحمل السقف.

الأسطح الأخيرة لبناء المحطة التي تغطي البهو المركزي والجناحين الشرقي والغربي وبيت الدرج المؤدي إلى السطح الأخير هي أسطح جملونية، أمَّا باقي الأسطح فهي مستوية (5).  

في النهاية لا بُدَّ من الإشارة إلى وجود بعض التضارب بين المراجع التاريخية في التاريخ المحدد لبدء إنشاء المحطة وتاريخ انتهاء البناء، وهي متوقِّفة عن العمل بوظيفة محطة تسيير الركاب حاليَّا، ولكنها تُعَدُّ معلمًا معماريًّا مهمًّا من معالم مدينة دمشق.

فما رأيكم بهذا المبنى؟ وهل يعجبكم هذا النمط من المباني الذي يدمج بين عناصر العمارة الغربية والشرقية والذي كان رائجًا في في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؟

المصادر:

1. Abdullahi S, Pradhan B, Al-sharif A. Introduction to Urban Growth and Expansion. In: Pradhan B, ed. by. Spatial Modeling and Assessment of Urban Form - Analysis of Urban Growth: From Sprawl to Compact Using Geospatial Data [Internet]. Serdang: Springer; 2017 [cited 25 May 2020]. p. 3-15. Available from: هنا

2. Shaw J, Docherty C. Railways. International Encyclopedia of Human Geography (vol. 9). Oxford: Elsevier; 2009. p. 91-99.

3. علي م. خطط الشام - ج5. ط3. دمشق: مكتبة النوري; 1983.

4. Centre U. Hejaz Railway - UNESCO World Heritage Centre [Internet]. Whc.unesco.org. 2015 [cited 25 May 2020]. Available from: هنا

5. Hijaz [Internet]. Hijazerailway.gov.sy. 2015 [cited 25 May 2020]. Available from: هنا

6. Weber S. Damascus: Ottoman Modernity and Urban Transformation (1808-1918). Aarhus: Aarhus University Press; 2009.

7. لطفي ل. التاريخ العمراني لدمشق. دمشق: وزارة الثقافة; 2011.

8. Rabbat N. Architecture. In: Reynolds D, ed. by. The Cambridge Companion to Modern Arab Culture [Internet]. Cambridge: Cambridge University Press; 2015 [cited 25 May 2020]. p. 209-233. Available from: هنا

9. Burns R. Damascus: A History [Internet]. 2nd ed. New York: Routledge; 2019 [cited 25 May 2020]. Available from: هنا