الفلسفة وعلم الاجتماع > علم المنطق والأبستمولوجيا

الأصل «اللامنطقي» للمنطق - "فريدريك نيتشه"

قبل أن نتطرَّقَ إلى شرح تصوِّر "فريدريك نيتشه - Friedrich Nietzsche 1844-1900" لـ(أصل المنطق)، لا بدَّ أن نسأل أنفسنا أولًا عن ماهيَّته، ولماذا يُشكِّل الحجر الأساس لفروع المعرفة المختلفة. إذ نعرف أنَّ للمنطق استخداماتٍ متنوعةً في الفلسفة والرياضيات وعلوم الحاسوب، ولكن ما يهمنا في هذا المقال؛ هو إلقاء الضوء على استخداماته الفلسفية فقط. ((كنا قد ناقشنا سابقًا تعريف (المنطق) وماهيته بتفصيلٍ أكبر؛ للاطِّلاع؛ تُرجى زيارة المقالين التاليين: هنا هنا))

يكفينا الآن أن نشير إلى أنَّ (المنطق) -باختصارٍ وبالعموم- يتكون من دراسة أسس التفكير والاستدلال السليم وتوظيفها في سبيل الحصول على المعرفة والوصول إلى الحقائق (1)، فيما يلي سنناقش مبدأين أساسيَّين في (علم المنطق) هما: ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة - principle of identity))، و((مبدأ عدم التناقض - principle of non-contradiction))، وبعد ذلك سنعرض لكم نقد "نيتشه" لهذين المبدأين.

((مبدأ تطابق الهُوِيَّة)) وتاريخه في سياق التطور الإنساني:

يتناول "نيتشه" ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة)) في مراجعته النقدية للمنطق. وينصُّ هذا المبدأ على أن الشيء (هو هو)؛ أي: (أ = أ)، وأن أيَّةَ خاصِّيَّةٍ حقيقيةٍ لشيءٍ ما (س) تنطبق على كل ما هو يحمل (س). أي أن كل الأشياء التي تحمل (س) تتطابق وتحمل الصفة نفسها. على سبيل المثال: يمتلك الصقر خاصِّيَّة الطيران، وبناءً على ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة))؛ لا بدَّ لكل الصقور أن تتطابق بامتلاكها لهذه الخاصِّيَّة أيضًا: (كل الصقور تطير) (2).

ويُعدُّ هذا المبدأ من أهم أساسيِّات (علم  المنطق) ومُسلَّماته؛ إذ يُوصَفُ بأنه يساعدنا على تجنُّب الأخطاء الإدراكية والفكرية، وبذلك منحنا إمكانيةَ التفكير بصورةٍ صحيحةٍ. لكن لـ"نيتشه" رأيٌ مخالفٌ تمامًا؛ فهو يرى أن ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة)) ينحدر من حاجة الإنسان القديم إلى تبسيط البيئة المحيطة به كي يستطيعَ التأقلمَ معها في سبيل البقاء وتجنُّب الموت. أي أن ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة)) لم يُوجد بالأساس كي نصلَ لحقيقة أمرٍ ما، بل كان سبيلًا لنا في بداية تطورنا البشري لمواجهة الأخطار المحدِقة بنا وتجنُّبها (3).

يبني "نيتشه" حجَّتَه هذه على أساس رفضه للتطابق أو المساواة بين أيِّ شيءٍ؛ فهو يرى أن حكْمنا الذي يفيد بتطابق الأشياء هو حكمٌ خاطئٌ لا يعدو كونَه مُبسِّطًا للوجود الذي يتَّصف بالتعقيد الشديد. ويفضِّل "نيتشه" فهمَ الوجود والأشياء من منظور (الاختلاف لا التطابق)؛ لأنه يرى أن لكلّ شيءٍ درجة اختلافٍ خاصةٍ به. ويمكننا توضيح وجهة نظر "نيتشه" بالقول إنَّ (س) لا تتساوى مع أيَّةِ (س) أخرى أو تتطابق معها حتّى لو خُيِّل إلينا ظاهريًا أن هناك تماثلٌ بينهما أو شِبْهٌ. أي أنه من الأدق أن نفهم هذا الشِّبْهَ بوصفه تعبيرًا عن تقارب درجاتٍ بين (س) الأولى والثانية ليس إلَّا. علاوةّ على ذلك؛ يجب أن نعيَ أن (س) نفسها هي مجرد تسميةٍ أطلقناها على كل ما يبدو لنا (مطابقًا) لما نراه على أنه (س). أي أن (س) ليست جوهر الشيء الذي نراه، بل هي تسميةٌ تساعدنا على فهم الأشياء وتنظيمها ضمن خاناتٍ مفهوميِّةٍ وإدراكيِّةٍ. لذلك يرى "نيتشه" أنه لا يمكننا الحكم بتساوي الأشياء المتشابهة أو تطابقها، لأنَّ لكل شيءٍ درجة اختلافٍ خاصَّةٌ به (3-5).

إذن؛ نستنتج مما سبق أن ((مبدأ تطابق الهُوِيَّة)) عند "نيتشه" يشير إلى قصور التفكير البشري وحاجته لتبسيط تعقيدات البيئة المحيطة به. فمن الأسهل لنا أن نساوي بين الأشياء المتماثلة ظاهريًا على أن ننظر إلى كل شيءٍ على حِدَةٍ كي ندرس خصائصه ونتفحَّصها بتأنٍّ وبدقَّةٍ. أي أن "نيتشه" يخالف تمامًا التصورَ الذي يصنِّف هذا المبدأ على أنه حقيقةٌ مطلقةٌ، أو بوصفه أداةً لجني المعرفة. إضافةً إلى ذلك؛ يقول "نيتشه" إنَّ الكائنات التي تصرَّفتْ باختلافٍ (أي لم تبسِّط بيئتها ولم تحكم بالتطابق على الأشياء المحيطة بها)، وأطلقت أحكامًا بتعقُّلٍ وتروٍّ أكثر؛ كان مصيرها الموت والانقراض؛ لأنَّ التأقلم والنجاة يتتطلَّبان الحكمَ السريع (وإن كان خاطئًا)؛ خصوصًا في الحالات التي تشكل خطرًا  أو تهديدًا للحياة (3,4).

((مبدأ عدم التناقض)) وأصله الميتافيزيقي:

ينص ((مبدأ عدم التناقض)) على استحالة تزامن خاصِّيَّتين متناقضتين؛ إذ لا يمكننا أن نقول إنَّ (س) موجودةٌ وغير موجودةٍ، أو أن نقول إنَّ (س) تتحرك ولا تتحرك في الوقت نفسه؛ وذلك بسبب وجود تناقضٍ بين خاصِّيَّتيِّ الوجود وعدم الوجود، وخاصِّيَّتيِّ الحركة وعدم الحركة (2).

ينظر "نيتشه" إلى هذا المبدأ بعين الرِّيبة أيضًا؛ فهو يرى أنه لا يوجد أيُّ دليلٍ على صحة الادِّعاء الذي يفيد باستحالة وجود التناقض. ويطرح "نيتشه" احتمالين لنشأة ((مبدأ عدم التناقض)): إمَّا أن المدَّعين بصحة هذا المبدأ يعرفون مسبقًا -أي قبل وجودهم- ماهيَّة الأشياء وعدم قدرتها على التناقض، وإما أنهم ينحازون لهذا المبدأ إيمانيًا؛ أي بوصفه مجرد اعتقادٍ أو إيمانٍ ميتافيزيقي غير مدعومٍ بأيِّ إثباتٍ (4).

يستبعد "نيتشه" الاحتمال الأول (أي أن مناصري هذا المبدأ يعرفون مسبقًا ماهية الأشياء)؛ لأن هذا الاحتمال يعني أن المدَّعين بحقيقة عدم التناقض يملكون مفاتيح المعرفة المطلقة؛ أي أن لديهم صفة التفوِّق على الطبيعة البشرية محدودة الفهم والمعرفة. يبقى لدينا إذن احتمالٌ وحيدٌ؛ وهو أن هذا الاعتقاد يعبِّر عن إيمانٍ غير مُثْبَتٍ. ويضيف "نيتشه" أن أصل الإيمان بـ((مبدأ عدم التناقض)) يكمن فقط في عدم قدرتنا على رؤية خاصِّيَّتين متناقضتين، ولذلك يرفض الفيلسوف الألماني عدَّهُ مبدًأ ينُمُّ عن حقيقةٍ مطلقةٍ. أي أنه يعزو هذا المبدأَ على نحوٍ حصريٍّ لمحدودية العقل البشري وقصوره (4).

موقف "نيتشه" النهائي من (المنطق):

لا يرفض "نيتشه" المنطقَ على نحوٍ مُطلَقٍ؛ على الرغم من اعتقاده بـ«لامنطقيِّة» أصوله كما رأينا مسبقًا.  فهو يؤكد على أهمية المنطق ومبادئه لنا بوصفهم وسيلةً تسهِّل تعقيداتِ الحياة وتبسِّطُها في سبيل النجاة؛ ومن ثمَّ مساعدتنا على التأقلم مع الظروف المختلفة. لكنَّه يرفض في الوقت ذاته إعطاءَ (المنطق) صفةَ الحقيقة المُطلقَة، لأنه يرى أن (المنطق) يشير إلى عكس الحقيقة تمامًا؛ فبناءً عليه؛ يرسم الإنسان صورةً مبسَّطةً عن واقعٍ يتَّصف بالتعقيد الشديد، ويرى "نيتشه" أن على الباحث عن الحقيقة أن يفهم الوجود بوصفه صيرورةً لا تحتوي إلَّا على الاختلاف والتغيُّر المستمر واللَّامنقطع (3-5).

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- Nietzsche, Friedrich Wilhelm, The Gay Science. Edited by Bernard Williams. Translated by Josefine Nauchoff. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.

(The Origin of the Logical [111]., pp. 112-113) 

4- Nietzsche, Friedrich Wilhelm, Writings from the Late Notebooks. Edited by Rüdiger Bittner. Translated by Kate Sturge. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. 

(Note no.: 9[97], pp. 157-158)

5- Muller Lauter, Wolfgang, Nietzsche: His Philosophy of Contradictions and the Contradictions of his Philosophy. Translated by David J. Parent. New York: University of Illinois Press, 1999.

(Apparent Contradictions and Real Contradictions of the Will to Power., pp. 7-22)