الرياضيات > الرياضيات

التباعد الاجتماعي والرياضيات في زمن كورونا

إلغاء الاحتفالات وتجمعات المقربين، إغلاق المدارس والجامعات، حظر الزيارات للمرافق العامة والخاصة، والأهم من ذلك كله: إجراء فحوصات كشف المرض وعزل المصابين، كل هذه التدابير(1) اتخذت أملًا في إيقاف سيل انتشار فيروس كورونا.

كورونا، هذا الوباء المتأجج، والذي تكمن خطورته في الإصابة دونما أعراض، الأمر الذي أنهك دولًا عظمى نظرًا للتضخم غير المسبوق في أعداد المصابين، والذي أرغمها على الخضوع للإجراءات الصارمة والمستعجلة التي وضعت من قبل أخصائيي الأوبئة. كل ما ذكر آنفًا عرفته إيطاليا والصين، ولكن بالطريقة الصعبة باختبارها زيادات مهولة في الإصابات بين ليلة وضحاها، وسنشرح رياضيًّا سبب التفشي هذا.

تتبع معظم البلدان التي تشهد نموًا في أعداد الإصابات مسار النمو الأسي، إذ إن معدل انتشار العدوى يتناسب مع عدد الأشخاص المصابين بها، وقد ظهر ما يعرف بـ"عدد التكاثر-Reproduction Number" أي إن الشخص الواحد سينقل العدوى إلى عدد محدد من الناس (ما يعادل 2.5  شخص) ، والذين بدورهم سينقلونها إلى 2.5 آخرين لكل واحد منهم، وهكذا دواليك، ما لم تتخذ تدابير العزل وتقليل الاختلاط على محمل الجدية.

فإن جربت العد بالمضاعفة – 1، 2، 4، 8، 16، وهكذا، فكم مضاعفًا يتطلبك لتجاوز المليون؟ 20 مثلًا. ماذا عن 16 مليونًا؟ 24 مضاعفًا على سبيل المثال! فلهذا ينتشر وباء "كورونا Covid-19" ببطء شديد بداية، بعدها تتفجر الأعداد بشكل يصعب التنبؤ به.

للتصرفات الفردية أثر دامغ، فكما عُرِفَ  باسم "المريضة 31"  في جنوب كوريا، والتي كان لها اتصال مباشر مع 1160 شخصًا مختلقة نوعًا جديدًا من العدوى، والعبرة المستفادة من هذا: لا تكن "المريضة 31"!

ولكن بالطبع، لا يمكن لهذا الوباء الانتشار أسيًّا إلى الأبد، فهناك حدود عليا لأعداد السكان وبمرور الوقت، تُبنى مناعة ضد المرض ويبدأ المصابون بالتعافي منه تدريجيًّا. وكما هو الحال نسبةً للأمراض الأخرى، من المحتمل وجود ذروة يليها انخفاض في عدد الحالات المصابة. 

ورغم ذلك، يجب خفض تلك الذروة وتوزيع معدل انتشار العدوى حولها بالقدر المستطاع، الأمر الذي يوفر وقتًا إضافيًّا لمقدمي الخدمات الصحية ممكنًا إياهم من توفير مستلزمات الرعاية للمرضى دون ضغط أو نقص. لذا، فإن بسطَ المنحنى يسهم في إنقاذ أرواحٍ عديدة، خصوصًا في الأماكن التي تشهد مقاربة لسِعَةِ أنظمتها الصحية مسبقًا.

يأخذ منحنى الإصابة بفيروس كورونا أشكالًا مختلفة(2)؛ نظرًا لاختلاف معدلات الإصابة بالفيروس، فقد يكون منحنى حادًا، حيث ينتشر الفيروس على نحو كبير (أي إن أعداد الحالات تتضاعف على نحو ثابت)، ويبلغ العدد الإجمالي للحالات ذروته في غضون أسابيع قليلة. لكن منحنيات العدوى ذات الارتفاع الحاد تواجه انخفاضًا حادًا أيضًا، فبعد أن يصيب الفيروس كل شخص محتمل، تبدأ الأعداد في الانخفاض بصورة كبيرة أيضًا.

من ناحية أخرى، فإن منحنىً أكثر استواءً يمثل ذات العدد من الأشخاص المصابين في نهاية المطاف، ولكن على مدى فترة زمنية أطول، فمعدل الإصابة البطيء يعني نظام رعاية صحية أقل إجهادًا، وزيارات أقل للمستشفيات انتهاء بعدد أقل من المرضى المعزولين.

اعتمادًا على ما سبق، فلنفترض محاكاة(3) لتحديد حجم وتوقيت التباعد الاجتماعي منعًا لانتشار الجائحة، لمجتمع بتعداد 300000 شخص برقم تكاثر يعادل (2.5)، إذ يمثل مصطلح "معدل التأثير النهائي للمرض" نسبةً معينة من الأشخاص الذين سيصابون بالمرض في نهاية المطاف.

أظهرت النتائج أنه عندما لم يُتّخذ أي إجراء، أصيب 65% من السكان بالمرض، في حين تباينت معدلات التأثر بالتدرج تطبيقًا للإجراءات المفروضة، وكانت النسب كما يأتي:

* 45 % بتأخر التطبيق 4 أسابيع.

* 21 % بالبدء بعد 3 أسابيع.

* 7 % بالتأخر أسبوعان.

من الواضح جليًّا ثبوت فاعلية التباعد الاجتماعي عند تنفيذه بأقل قدر من التأخير، إذ يرتفع المعدل النهائي للإصابة بالمرض بعد الأسبوع الثالث على نحو أسرع موضحًا مدى سرعة انتشار المرض. نصل إلى استنتاج مماثل عندما يتعلق الأمر بأنواع التدابير البعيدة المنفذة، إذ لم يكن لأي منها مفردًا القدرة على التأثير كما تحقق بدمجها معًا.

قد يجد بعض الناس أن عددًا من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول عديدة، مبالغ فيها قليلًا عند إصابة عدد قليل من الناس في مدينة أو ولاية ما، ومع ذلك، فإن هذه التدابير تكون أكثر فاعلية في مراحل مبكرة من التفشي.

قد تطرأ بعض الحالات التي تضطر المرء مغادرة منزله، وفي ذلك أوصت(4)  "منظمة الصحة العالمية-WHO" بالحفاظ على مسافة متر واحد إلى متر ونصف المتر على الأقل (ما يعادل طول ذراعين) بينك وبين أي شخص يسعل أو يعطس؛ بسبب انتشار قطرات صغيرة من الأنف أو الفم حين العطس أو السعال، قد تدخل جهازك التنفسي في حال كنت قريبًا.

وإن لم نجد لقاحًا بعد، فما زلنا نملك سلاحًا أشد تأثيرًا، متمثلًا بالتزامنا التباعد الاجتماعي، وحرصنا البالغ على تطبيق إجراءات السلامة العامة، كل منا بادئًا بنفسه، أملًا في إنقاذ العالم أجمع.

المصادر:

1-  The math behind why we need social distancing, starting right now [Internet]. Vox 2020 [cited 15 March 2020]. Available from: هنا

2- Coronavirus: What is 'flattening the curve,' and will it work? [Internet]. Live Science 2020 [cited 16 March 2020]. Available from: هنا

3- The Math Behind Social Distancing [Internet]. Visual Capitalist 2020 [cited 28 March 2020]. Available from: هنا

4- Coronavirus disease (COVID-19) advice for the public [Internet]. World Health Organization 2020 [cited 31 March 2020]. Available from: هنا