هل تعلم والإنفوغرافيك > منوعـات

20000 مادة علمية

"إنَّ هناك سرًّا غامضًا في ما يحدث اليوم، فأَنْ يصل عدد أعمالنا إلى عشرين ألف عمل في التاسع والعشرين من نيسان (أبريل) عام 2020 ليس أمرًا عاديًّا، بل هذا يشير حتمًا إلى أمر عجائبي وخارق يتكرر فيه رقم 20، ويمكنكم أن تلحظوه؛ أليس كذلك؟! انظروا: (20) ألف عمل في اليوم التاسع والـ (20) من نيسان (أبريل) عام (2020)".

اعذروني أعزائي فإنه لا سرَّ غامضًا في هذا وليست هناك أمور عجائبية أو خارقة تخامره، ولكن هذه التصورات هي ما يحيل إليه الفكر الأسطوري ويبني حججه عليه عادةً، إنّه يبني على توافق أو تشابه حقيقي أو متوهَّم أشياءَ غير حقيقية أو منطقية دون أي معيار أو قانون موحَّد أو فرضية صالحة للتجريب والتحقق والتكرار، بل يُطلق العنان لخياله المجنح ليشيّدَ بلغةٍ عجائبية رمزية -قد تكون مستغلقة أحيانًا- واقعًا لغويًّا محضًا يستوطن ذاته ولا علاقة له بالواقع إلا باحتوائه عناصرَ قد ألفناها مسبقًا فيه، لكنّ هذا الفكر نثر بأصابعه فوقها رذاذ السحر وحجب مسألة النقاش فيها بأبخرة التشتيت والإلهاء.

ويواجه مَن يتبع هذا الواقع اللغوي-الرمزي الخيالي صراعًا عظيمًا بين التباس الخطاب المُرقَّى باللامعقولية والتعمية وأساليب العرافة وانفتاح دلالاته وتأويلاته وبين جلاء الواقع نسبيًّا أو انسجامه العلائقي أو تباينه وتمايزه الواضح من الخطاب المؤسطر. وهذا الزيف الكبير هو ما يعيق تقدّم البشر الفعلي في الواقع دون أن ننكر دوره البسيط جدًّا في تحفيز الخيال وتنشيط هواجس المعرفة وضبط الجماعات إلى حدٍّ ما (وليس دائمًا)، وما يقدّمه من إلماحات قد تقارب الصحة لأنّها تعود إلى الخبرة الحسية البشرية المكتسبة لا غير.

إنَّ الحركة البشرية القائمة على شبكة من علاقات الحضور والغياب دفعتنا في خلال هذه السنوات إلى استحضار النص العلمي المرجعي الموثوق الذي يغيّب حضورُه كلَّ النصوص والخطابات الزائفة واللاعلمية أو يقف بحزمٍ وصرامة في مواجهتها، وعلى الرغم من أنّنا نسعى إلى سقاية هذه التربة المشرقية بأسس العلم الصحيح دون أي انحياز فإنَّ بعض ما نشرناه قد خلخل اطمئنان كثيرٍ من المخادعين والجهلة الذين يقدمون الوهم في لباس العلم، وأسكنهم في غياهب القلق والتوتر، فتعرّضنا للهجوم والاستسخاف والانتقاص دون أن يتحّول بصرنا عن أهدافنا النبيلة.

وقد مضى بعض الذين ضيّق عليهم العلمُ دوائرَ المناورة إلى استنساخ شكل التجربة بمضامين تستثير العواطف الإنسانية التي لا مكان لها في البحوث الأصيلة؛ فكانوا -من حيث لم يشاؤوا- عونًا لنا بعجز أساليبهم ومراوغاتهم ومثَّلوا بيانًا آخرَ لصوابية عملنا بقصور رؤيتهم واجتراراتها المملة؛ أي كما يقول المتنبي: "وبِضدّها تتبيّنُ الأشياءُ"، ولتكونَ المقاربة أوضح؛ نستعير من مؤرّخ العلم جون غريبين John Gribbin قوله في كتابه تاريخ العلم (1543- 2001): "وعلى الرغم من أنَّ عملية إنجازِ العلم هي نشاطٌ شخصي، فإنَّ العلمَ ذاتَه في جوهره إنجازٌ لاشخصي. إنّه يتضمن حقائقَ مطلقة وموضوعية. وحريٌّ أن ندركَ أن الخلط بين عملية إنجاز العلم وبين العلم ذاتِه أدّى إلى أسطورة شائقة عن أنَّ العالِمَ آلةٌ منطقية ذات دمٍ بارد، لكنَّ العلماء بوسعهم أن يكونوا ذوي دمٍ حار، غير منطقيين، بل ومجانين في إصرارهم على مواصلة البحث وصولًا إلى الحقيقة النهائية".

عشرون ألف عمل في المجالات العلمية والإنسانية والأدبية والفنية كافة أنجزها الفعل الجاد وحده؛ نحمل فيها آلاف آلاف كلمات الشكر والتقدير لكلِّ من أسهم فيها ولو بالنزر اليسير؛ أعضاء منظمة الباحثون السوريون القدماء والحاضرين الذين لا يدّخرون أدنى وسيلة لإيصال العلوم والمعارف لكم طوعًا دون كلل أو تعب أو مقابل، فهل يجب أن نشعر بالفخر هنا؟! وهل نعمل لنفخر بأعمالنا ولو حقَّ الفخر بها؟!

قد يكون الشعور الأعظم الذي يتملّكنا جميعًا هنا هو الفرح، نعم؛ فالفرح لا يأتي من الانتظار والتسويف، بل له أدواتٌ جادّة تصنعه وترسّخه من بينها التطوع والمبادرة للعمل، والشغف باكتشاف الحقائق ومتعة إخبارها للآخرين، ونحن اليوم مسكونون بالفرح لأنَّ منصتنا أوّلًا تحوّلت من منصة تطوّعية لنقل العلوم والمعارف باللغة العربية إلى منصة تشارك في إنتاجها، ولأنّنا ثانيًا لن نقف هنا، بل ستبقى حركتنا مستمرّة تجادل ذاتها وتجدد كينونتها وتثقف نفسها وتقوّم أخطاءها وهفواتها وتنظر بكل اهتمام في آرائكم وهواجسكم وتطلعاتكم حتى تغدوَ أكثر إتقانًا وأعظم أثرًا وفعلًا..

عشرون ألف عمل.. قرأها وعاينها ملايين الناس وربّما أغنت عقولًا راقية وحفّزت خيالاتٍ كثيرة وحثّت هممًا عظيمة وقوّمت مفهومات خاطئة لا تُعدّ ولا تُحصى، وربَّما قرّبت ذهنيَّاتٍ إحداها من الأُخرى وأفرحت نفوسًا وأمتعتها بجماليات العلم والمعرفة، وقد نجرؤ على القول: إنَّ الجمال لا يفارق العلم حتى في أكثر أشكاله تجريدًا وغموضًا، وإنَّ تعلُّم العلم هو سيرٌ وئيد على دروب الجمال والجلال نحو مقاصد الفرح، وإنَّ نشر العلم وتبنيّه نهجَ حياة وتفكير لَهو في أخص خصائصه: صناعة الفرح.  

ولكل متابعينا الأعزاء كل المحبة والتقدير والشكر الجزيل..