الكيمياء والصيدلة > كيمياء حيوية

تاريخ اختبارات كشف الحمل: الجزء الثاني، اختبارات كشف الحمل الحديثة وآلية عملها

تُستخدمُ اختبارات كشف الحمل اليوم على نحو واسع من العامة والأطباء. وقد تعرَّفنا في مقالنا السابق (يمكنك الوصول إليه من هنا) إلى التاريخ المبكر من الاختبارات، وتطور التقنيات التي ساعدت في كشف الحمل حتى منتصف القرن العشرين، وسنُكمل في مقالنا هذا الاطلاع على التقدم المتسارع الذي طرأ على اختبارات كشف الحمل، وصولًا إلى الأشكال الأحدث التي تجدونها في الصيدليات اليوم (3).

بداية التغيير:

بدأت الأمور تتغيَّر لتأخذ منحى آخر في ستينات القرن العشرين، حين بدأ العلماء بتطوير اختبارات لا تتطلَّب تسخير الحيوانات الحية، وبذلك؛ يمكن استخدامها في عيادة الطبيب.

في البداية، امتلكت الاختبارات جميعها حساسية متماثلة تجاه hCG، ولكن؛ بحلول سبعينيات القرن العشرين طُوِّر اختبار يمكنه تحديد الحمل بعد الإخصاب بأسبوعين أو ثلاثة، أي في أوَّل يوم من غياب الدورة الشهرية، واعتمدت هذه الاختبارات الجديدة على الأضداد(1).

والأضداد جزيئات لها القدرة على التعرُّف إلى جزيئات أخرى والارتباط بها.

وفي عملها اليوميّ المعتاد، تلتصق الأضداد بجزيئات البكتريا والفيروسات لتحرِّض استجابة الجهاز المناعي تجاه هذه الجزيئات الغازية، واعتمادًا على ذلك المبدأ، استخدَم العلماء أضدادًا يمكنها التعرُّف إلى هرمون hCG والارتباط به، وشكَّلت -جنبًا إلى جنب- مع بول المرأة الحامل ودم خروف "على  الرغم غرابة ذلك" ثلاثيةً من العناصر التي اعتمد عليها اختبار كشف الحمل(1).

يجري الاختبار على النحو الآتي: يربط العلماء جزيئات hCG بالسطح الخارجي لكريات الدم الحمراء المستخلصة من الخروف ثم تُمزَج الكريات الحمراء الناتجة مع مكونات الاختبار الأخرى: أضداد hCG والبول؛ إذ نكون عندها أمام احتمالين اثنين:

1.      إذا كانت المرأة غير حامل، ستلتصق الأضداد مع كريات الدم الحمراء المعدَّلة ومع بعضها البعض؛ مما يؤدي إلى تجمُّع كريات الدم الحمراء (يسار الشكل).

2.      إذا كانت المرأة حاملًا: سترتبط جزيئات هرمون hCG مع الأضداد؛ مما يمنع هذه الأضداد من الالتصاق بكريات الدم الحمراء (تذكَّر: إنَّ بول المرأة الحامل يحتوي على مستويات عالية من هرمون hCG)، وبذلك لن يحدث تجمُّع لكريات الدم الحمراء (يمين الشكل).

ثم يتقصى الشخص الذي يُجري الاختبار عن وجود تجمُّع لكريات الدم من عدمه عند قراءة النتائج؛ مما سيُعلمه بإيجابية الحمل من عدمه (1).

سمحت هذه الاختبارات المُعتمدة على الأضداد للأطباء بالحصول على النتائج في بضع دقائق إلى ساعات، وبفضلها أصبحت اختبارات كشف الحمل شائعة أخيرًا.

 في البداية، كان لزامًا على النساء أن يتوجهن إلى عيادة الطبيب لإجراء الاختبار؛ ولكنَّ الأمر لم يطل حتى بدأ بالتغيُّر(1).

وقد طُوِّرت أولى اختبارات كشف الحمل المنزلية في سبعينيات القرن المنصرم باستخدام تقنية الدم والأضداد ذاتها (دخلت الأسواق عام 1971 في كندا، وعام 1977 في الولايات المتحدة الأمريكية). 

وجاء الاختبار على شكل عدَّة تتكوَّن من أنابيب الاختبار (تشبه معدَّات الكيمياء الموجهة ليلعب بها الأطفال)؛ ماصَّات وكبسولات مجففة من دم الخروف ومصل لأضداد hCG. 

وتطَّلب إجراء الاختبار اتباعُ 10 خطوات بعناية، وتجنُّب تعريض أنابيب الاختبار لأية اهتزازات. 

وعند استخدام الاختبار على نحو صحيح، كانت النتائج دقيقة بنسبة 97% للنتيجة الإيجابية، وبنسبة 80% للنتيجة السلبية. وعندها أصبح بمقدور النساء -لأول مرة على الإطلاق- التأكُّد من حدوث الحمل دون الحاجة إلى التواصل مع الطبيب(1).

تقطير البول على رقاقة: مولد اختبارات كشف الحمل الحديثة

أصبحت اختبارات كشف الحمل المنزلية أمرًا معتادًا منذ سبعينيات القرن العشرين، وحققت مبيعات بقرابة 20 مليون وحدة سنويًّا في الولايات المتحدة الأمريكية. 

وطُوِّرت اختبارات الرقائق التي نعرفها اليوم في عام 1988، وهي تتميَّز بسهولة استخدامها وعدم احتوائها على أنابيب اختبار أو أية معدات أخرى، بالإضافة إلى دقتها التي تصل إلى 99% للنتيجة الإيجابية. 

ومع ذلك، تعتمد هذه الاختبارات الأمر نفسه الذي اتبعناه مدة آلاف السنين: كشف الهرمونات في بول المرأة الحامل.

وتستخدم اختبارات كشف الحمل الحديثة أضداد  hCG، ولكن؛ بدلًا من التفاعل مع كريات الدم الحمراء المغلَّفة بـ hCG، فإنَّ الأضداد تتفاعل مع جزيئات أصباغ تفاعلية، وهذه الجزيئات هي التي تكوِّن الخط الأزرق أو الرمز الذي يظهر عندما تكون نتيجة الاختبار إيجابية(1).

كيفية عمل اختبارات كشف الحمل الحديثة:

يُطرح هرمون hCG في بول المرأة الحامل كما أسلفنا الذكر سابقًا، وهو بالضبط ما يعتمده الاختبار لتحديد الحمل، فتوضع قطرات البول على صفيحة العينة في نهاية شريحة الاختبار، وأوَّل منطقة تصلها العيّنة هي منطقة التفاعل. 

وإذا كان hCG موجودًا في البول، فإنَّه يرتبط مع الأضداد المتحركة، ولهذه الأضداد إنزيمات مرتبطة بها يمكنها أن تدخل في تفاعلات لاحقة ضمن الشريحة (تفاعلات مع جزيئات الأصباغ)، والمنطقة الآتية هي منقطة الاختبار(1).

تحتوي منطقة الاختبار على أضداد مرتبطة بالشريحة وغير قادرة على الحركة، وترتبط هذه الأضداد أيضًا بهرمون hCG، وتشكِّل ما يشبه الشطيرة من جزيئة hCG متوضِّعة بين الضدين المختلفين، وتحفِّز الإنزيماتُ الموجودة على الأضداد المتحركة حدوثَ تغيُّر لوني في جزيئات الصبغة على شريحة الاختبار، ثم تظهر جزيئات الصبغة (ظهورًا خطًّا) في حال احتواء البول على hCG فحسب؛ أي في حال كون المرأة حاملًا. أما في حال غياب hCG، فإنَّ الأضداد المتحركة تتابع طريقها وحسب(1).

وهناك منطقة ثالثة في الشريحة تُدعى منطقة الضبط، يظهر فيها خطٌّ  في أثناء الاختبار سواء أكانت المرأة حاملًا أم لا؛ إذ ترتبط الأضداد غير المتحركة مع الأضداد المتحركة الزائدة التي لم تلتَقِط هرمون hCG وأكملت طريقها على الشريحة.

ومجددًا، يحفِّز هذا الارتباط تغيُّرًا لونيًّا آخر، ويُعدُّ هذا التفاعل ضروريًّا لإثبات أنَّ الاختبار يعمل على نحو صحيح، وسواء أكانت المرأة حاملًا أم لا، يجب أن يظهر الخط في منطقة الضبط (تظهر إيجابية التفاعل على شكل خطين وسلبيته بخط واحد)(1).

وأخيرًا، أصبحت اختبارات كشف الحمل الرقمية أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة، وهي تعمل الطريقة نفسها تمامًا، ولكن؛ بدلًا من الاعتماد على إظهار الخطوط، فإنَّها تستخدم حساسًا يعمل على تحديد التغيرات اللونية، وبناء عليه إمَّا أن تعرض النتيجة بـ«حامل» أو «غير حامل» على شاشتها الرقمية(1, 3).

المصادر:

1- Science in the News. 2020. Pee Is For Pregnant: The History And Science Of Urine-Based Pregnancy Tests - Science In The News. [online] Available at: هنا [Accessed 9 April 2020].
2- T, C., 2020. Pregnancy Tests: A Review. - Pubmed - NCBI. [online] Ncbi.nlm.nih.gov. Available at: هنا [Accessed 9 April 2020].
3- Compound Interest. 2020. How Do Pregnancy Tests Work?. [online] Available at: هنا [Accessed 9 April 2020].