العمارة والتشييد > التصميم العمراني وتخطيط المدن

العشوائيات.. عندما يلتهم البناء المحيط الطبيعي للمدن السورية

لطالما كانت المدن "مركز كل شيء"، وقد عزَّزت هذه الفكرة الزيادة السكانية السريعة الناتجة عن الهجرة من الأرياف نحو المدينة، وذلك بحثًا عن فرص العمل وظروف الحياة الأفضل. أدَّى هذا النمو المتزايد ونقص السكن المناسب لذوي الدخل المحدود إلى لجوء الأفراد إلى المناطق العشوائية حول المدن؛ إذ يجد الأفراد ذوو الدخل المتوسط والمنخفض صعوبةً في إيجاد المساكن ضمن المناطق المنظَّمة للمدينة (1).

شكَّلت المساكن العشوائية في سورية في ستينيات القرن العشرين تحدِّيًا واضحًا لقوانين الإسكان، وبدأت منذ السبعينيات بالنمو والتوسع نتيجة موجات الهجرة الوطنية والدولية بسبب الهجرة الريفية والنزاعات الإقليمية، وأصبح امتداد وتوسع المناطق المخالفة بدءًا من الثمانينيات أكبر وأكثر قوة نتيجة ضعف قوانين التخطيط العمراني والنمو الديموغرافي المستمر وتسارع الهجرة الريفية (2).

إذ شكَّلت نسبة المهاجرين إلى مدينة دمشق 65.74% من الزيادة السكانية في المدينة مقابل 34.26% من الزيادة الطبيعية حتى العام 2010، وشكَّل المهاجرون 64.20% من سكان مدينة دوما التي تُعَدُّ مركز محافظة ريف دمشق بسبب أهمية هذه المدينة وقربها من العاصمة دمشق مع وجود مساحاتٍ كبيرةٍ من الأراضي حولها (3).

ﺘُﻌﺭَّﻑ ﻤﻨﺎﻁﻕ ﺍﻟﺴﻜﻥ ﺍﻟﻌﺸﻭﺍﺌﻲ ﻭﻤﻨﺎﻁﻕ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺎﺕ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ في سورية -وفق تقرير معاون المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان لشؤون التخطيط والدراسات السكانية للعام 2007-  ﺒﺄﻨﻬﺎ ﺘﺠﻤُّﻌﺎﺕٌ ﻨﺸﺄﺕ ﻓﻲ ﺃﻤﺎﻜﻥ ﻏﻴﺭ ﻤﻌﺩَّﺓٍ ﻟﻠﺒﻨﺎﺀ أصلًا، ﻭﺫﻟﻙ ﺨﺭﻭﺠًا ﻋﻥ ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻥ ﻭﺘﻌﺩِّيًا ﻋﻠﻰ ﺃﻤﻼﻙ ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﻭﺍﻷﺭﺍﻀﻲ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﻴﺔ مع ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺘﺨﻁﻴﻁ ﺃﺤﻴﺎنًا، ﺜﻡَّ ﺘﻭﺴﻌﺕ ﻭﺍﻨﺘﺸﺭﺕ ﻭﺃﺼﺒﺤﺕ ﺃﻤﺭًا ﻭﺍقعًا ﻭﺤﻘﻴﻘﺔً ﻗﺎﺌﻤﺔ (4).

من أهمِّ أسباب نشوء مناطق السكن العشوائي في سورية:

● أسباب سياسية:

النزوح الكبير لأعداد كبيرة من سكان المناطق المنكوبة إلى المدن السورية بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان، وتحوُّل أماكن السكن المؤقَّت لهم إلى سكنٍ دائم شكَّل مناطق عشوائية ومخالفات على الأراضي غير المنظَّمة مثل مخيَّم اليرموك ومخيم فلسطين (4).

● أسباب اقتصادية واجتماعية:

ناجمة عن الفروقات الكبيرة في التنمية بين الريف والمدينة؛ أي تنمية المدينة وإهمال الأرياف، ممَّا أدَّى إلى الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة بسبب:

- الطرد الريفي بسبب قلَّة فرص العمل نتيجةَ عدم وجود مشاريع تنموية، وزيادة الولادات وعدد السكان ومتطلباتهم إضافةً إلى تدنِّي مستوى الخدمات العامة والمؤسسات التعليمية والصحية وغيرها مقارنةً مع المدينة.

- الجذب الحضري نتيجة توفُّر عوامل الجذب في المدينة؛ كارتفاع مستوى الخدمات المختلفة وفرص العمل ومستوى المعيشة (4).

وقد نشأت حول دمشق مثلًا مجموعةٌ من معامل النسيج والغزل والصناعات الخفيفة، ممَّا أدى إلى قدوم المهاجرين من أنحاء الريف السوري إلى العاصمة دمشق بسبب الحاجة إلى العمل وتدني الإنتاج الزراعي في المناطق الريفية (5).

ويُضافُ إلى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية السابقة إهمال المتطلبات الاجتماعية للسكان عند تخطيط وتنفيذ مناطقهم السكنية واتخاذ القرار وفقًا للوضع الراهن دون الرجوع إلى بيئة الأفراد واحتياجاتهم (4).

● أسباب تنظيمية:

التأخُّر بإنجاز المخططات التنظيمية للمناطق السكنية من أجل استيعاب الأعداد السكانية المتزايدة ممَّا أدَّى إلى استمرار السكان في بناء المخالفات والتوسع فيها، إضافةً إلى بطء الحراك الحكومي بإصدار قانون منع المخالفات وبناء ضواحٍ جديدةٍ خارج الحدود الإدارية للمدينة، ومعالجة الوضع الراهن للسكن العشوائي واحتواء الإشكال (4).

إذ ضمَّت مناطق السكن العشوائي في دمشق على سبيل المثال عدَّة أحياء في مناطق الحماية والتوسع للمخطط التنظيمي بمساحة 2000 هكتار حتى العام 2010 مقابل 3000 هكتار للسكن المنظم، مثل حي المزة 86 وقسم من أراضي داريا وأطراف صحنايا والسبينة وحجيرة وناحية السيدة زينب ونهر عيشة وجرمانا وأطراف القابون وعش الورور وأطراف برزة وقسم من حي ركن الدين على سفوح جبل قاسيون (3).

أدَّت جميع الأسباب السابقة إلى النمو السريع للمناطق العشوائية ضمن المدينة وحولها، إذ اضَّطر الأفراد إلى التعدي على الأراضي الزراعية أو المحمية لتأمين حاجتهم للسكن دون خضوع تلك المساكن لأي اعتباراتٍ تخطيطيةٍ أو تنظيميةٍ أو معماريةٍ أو صحية، وأصبحت أمرًا واقعًا تحت الضغط السكاني الكبير (4).

ويمكن تلخيص السمات العامة للمخالفات في سورية وفق التقرير نفسه؛ تقرير معاون المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان لشؤون التخطيط والدراسات السكانية للعام 2007 بما يأتي:

- نشأت وتطورت دون وجود مخطَّطٍ تنظيمي ودون مراعاة أسس التخطيط العمراني أو أنظمة ضوابط البناء.

- نشأت دون إشراف الجهات المعنية التي تضمن سلامة المباني والمنشآت وتخديمها.

- بُنيت الخدمات والمرافق العامة لتلبية احتياجاتها على نحوٍ إسعافي وفق وضعها الراهن دون أن تحقِّق تلك المرافق الأسس السليمة لتوضُّعها.

- الكثافة السكانية المرتفعة فيها (4).

وأدى امتداد السكن العشوائي في سورية إلى ما يأتي:

- الزحف نحو الأراضي الزراعية الخصبة.

- التعدّي على الأملاك العامة للدولة وإعاقة تنفيذ المشاريع.

- تدهور البيئة العمرانية لتلك المناطق.

- تلوُّث البيئة نتيجة عشوائية الخدمات في تلك المناطق وعدم تنظيم الصرف الصحي على نحوٍ ملائم.

- التعدِّي على شبكات الكهرباء والمياه نتيجة الاستجرار غير الشرعي.

- انخفاض عوامل الأمان والسكن الصحي السليم (4).

وُجٍد بدراسةٍ إحصائيةٍ وفق بيانات وإحصائيات عام 2004 أنَّ مناطق السكن العشوائي تشكِّل على مستوى سورية نسبة 15% إلى 18% من إجمالي أعداد السكان والمساكن والأسر، ويلاحظ توضُّعها على نحوٍ أساسي في المدن الرئيسية وتوسعاتها، فتشكِّل 26% إلى 30% وسطيًّا من إجمالي مساحة المدن الرئيسية على مستوى سورية، ولا تقل عن 30 إلى 35% في دمشق وحلب، وعن 35% إلى 40% في حمص (4).

ووفق البيانات للعام 2004 أنشئ قرابة 63% من السكن المخالف قبل عام 1990، في حين أنَّ 37% من هذا السكن أنشئ بعد عام 1990 على الرغم من القوانين والإجراءات الحكومية الساعية إلى الحد من الظاهرة ومنعها؛ ممَّا يعطي مؤشِّرًا سلبيًّا على استمرار أسباب نشوئها، ويمكن تمييز جيلين من الأسر:

- الجيل الأول: الأسر القادمة من مدن أخرى، والتي لجأت إلى السكن المخالف حلًّا مؤقَّتًا؛ إذ أسَّستها بسبب عدم وجود مكانٍ آخر يضمُّها.

- الجيل الثاني: الأسر التي لجأت إلى هذه المناطق القائمة أساسًا من المدينة نفسها أو من مدنٍ أخرى، والأسر التي نشأت وتكوَّنت ضمن هذه المناطق العشوائية.

أي تحوَّلت مناطق السكن العشوائي من سكنٍ مؤقَّتٍ لأسرٍ لا تنتمي إليها وتحمل خصائص المجتمعات التي وفدت منها، إلى مناطق استقرارٍ اجتماعيٍّ لأسرٍ تكوَّنت فيها وتنتمي إليها بكافة خصائصها، ليتكوَّن موروثٌ ثقافيٌّ واجتماعيٌّ خاصٌّ بكلِّ منطقةٍ من هذه المناطق (4).

فما السبيل الأفضل لحلِّ المشكلات الناجمةِ عن هذه العشوائيات، وإعادةِ تنظيم هذه المناطق بما يحقِّق ارتباطها مع المدينة ويحسِّن مستوى المعيشة ضمنها؟

شاركونا بآرائكم.

مصادر المقال

1.

Khadour Y, Kafa M. Discussion of random and informal settlements in Damascus. Geo-spatial Information Science. 2009;12(4):289-295.

هنا

2.

Clerc V. “Mixity” in Urban Policies directed towards Informal Settlement Areas in Damascus, a Concept for Public Decision?. Enhr Conference. 2011.

هنا

3.

الربداوي ق. النمو السكاني ومشكلة السكن العشوائي في مدن مراكز المحافظات السورية بين أعوام 1981-2010. مجلة جامعة دمشق. 2015;31(3):375-420.

هنا

4.

المؤسسة العامة للإسكان. مناطق السكن العشوائي في سورية وربطها مع خصائص الأسر والسكان. دمشق: أياس الدايري; 2007.

هنا

5.

الربدواي ق. مشكلة السكن العشوائي في المدن العربية الكبرى. مجلة جامعة دمشق. 2012;28(1):439-473.

هنا