البيولوجيا والتطوّر > بيولوجي

المشاكل الصحيّة التي سببها الإنتقاء الصنعي للكلاب!

خلال فترة حوالي 30 ألف سنة، قام الإنسان بتهجين الذئاب للاستفادة منها في العديد من الوظائف كالحراسة والصيد، وبظهور السلالات العديدة من الكلاب أصبح (ذوق) الإنسان يؤثر على تهجين السلالات معاً والحصول على كلابٍ ذات صفاتٍ مميزة بعضها غريبة وعجيبة، فهل كان هذا في مصلحة الكلاب؟ وكيف أضرّ بهم انتقاؤنا الصنعيّ؟

كلنا نعلم أن زواج الأقرباء عند البشر يؤدّي إلى تشوهاتٍ وأمراضٍ وراثية نادرة لدى الأطفال. يحدث ذلك بسبب أنّ الأقارب يحتمل أن يمتلك كلٌّ منهم على حدة نسخاً متطابقة من المورثات بسبب قرابتهم، بعض تلك المورثات تسبّب حالاتٍ وراثية مرضية، ولكنها تكون ذات تأثيرٍ متنحّي، بمعنى أنّ وجود نسخةٍ واحدةٍ من تلك المورثات لدى الفرد لا تؤدّي لظهور المرض بل يكون الفرد "حاملاً" للمورثة فقط، وحين تجتمع نسختان معاً من تلك المورثة يظهر تأثيرها المرضيّ. هذا ما يحدث لدى بعض الأطفال غير المحظوظين حين تكون هناك قرابةٌ بين الأب والأم ويزداد احتمال تلقي الطفل تلك المورثة المتنحية من كليهما.

ولذلك لا ينصح الأطباء بالزواج بين الأقارب لتجنب هذه الحالات المؤسفة التي يكون الأهل قد جنوا على أطفالهم بها.

ولكن، دعونا نفكّر بكائناتٍ أخرى قد جنينا عليها بنفس الطريقة: إنها الكلاب!

تنتج الكلاب (الأصيلة) من قيام البشر بتهجين أبٍ وأمٍّ من نفس السلالة، وكثيراً من الأحيان يتمّ اختيار كلابٍ متقاربةٍ وراثياً لحدٍّ كبير لتهجينها بهدف الحفاظ على صفاتها المرغوبة، وبذلك فما يفعله الإنسان بتلك الكلاب هو رفع احتمالات ولادتها مع العديد من التشوهات الوراثية التي تسبّب حالاتٍ مظهريّةً وسلوكية مضطربة، تتراوح بين الحساسيّة لبعض المواد إلى القابليّة للإصابة بالعديد من الأورام الخبيثة.

عدا عن الطفرات المتنحية التي كثيراً ما تظهر لدى الكلاب، فإنّ مبدأ الإنتقاء الصنعيّ الذي يفعله الإنسان يقوم على تعزيز صفاتٍ معينةٍ مرغوبةٍ لدى الكلب عن طريق اختيار الحيوانات التي تملك هذه الصفات وتهجينها معاً، وهنا سينتج نسلٌ حاملٌ للصّفة الظاهرية المميزة التي يرغبها الإنسان. ولكن لنتذكّر معاً أنّه بينما يمنح التطوّر (الإنتقاء الطبيعي) الكائنات ما تحتاجه تماماً للتأقلم مع بيئتها، فالإنتقاء الصنعي الذي يقدّمه الإنسان لا يفعل ذلك بالضرورة، ولا يهتم بسؤال: هل تلك الصّفة جيدةٌ لصحة الكلب نفسه أم لا؟

الحقيقة أنّ الإجابة في كثيرٍ من الأحيان لسوء حظ الكلاب هي: لا! فمربو الكلاب يقومون بشكلٍ دائمٍ بانتقاء صفاتٍ جمالية للكلب بغضّ النظر عن كونها صحيّة ومفيدة له بل على العكس قد تسبّب له إعاقة حقيقية، لدرجة أنّ معظم سلالات الكلاب اليوم لم تعد قادرةً على الحياة في الطبيعة بدون عنايةٍ طبية من الإنسان. ولنأخذ بعض الأمثلة:

كلاب Sahr-Pei الصينية تمتلك طبقاتٍ مجعدة ومساحاتٍ زائدة متثنية من الجلد ليمنحها مظهراً يعتبره البعض (جميلاً) ومنه تكتسب سعرها المرتفع، ولكنّ هذه الطيّات في جلدها تسبّب لها كثيراً من الالتهابات الجلدية!

كلاب البولدوغ Bulldog وغيرها من الكلاب مسطحة الوجه كالبيكينغيز Pekingese كثيراً ما تعاني من مشاكل تنفسيّة بسبب تراجع أنفها وانضغاط ممرّاتها الهوائية!

كلاب البلودهاوند Bloodhound التي تكلّمنا عن أجفانها المترهّلة والتي تمنحها نظراتٍ بريئةً حزينة تعجب البعض، تسبّب لها هذه الأجفان التهاباتٍ وإصاباتٍ عينية مزمنة.

بعض السلالات من الكلاب تمّ تهجينها لتتحوّل إلى أحجامٍ ضخمةٍ أو قزمة، كثيراً ما تعاني تلك الصغيرة جداً من خلوعٍ في المفاصل ومشاكل في القلب، أمّا تلك الضخمة فتعاني بالمقابل من مشاكل عظميةً بسبب الوزن الكبير الذي على عظامها أن تتحمّله، فتكون عرضةُ للأورام العظميّة الخبيثة وخلل التنسّج العظمي للورك.

بالنسبة لبعض سلالات البولدوغ Bulldog، والتي يفضّل مربوها أن تمتلك وركاً ضيقاً وفي نفس الوقت صدراً عريضاً، فقد أصبحت بنتيجة هذا الشكل غير قادرةٍ على إنجاب جرائها بولادةٍ طبيعية، بل تجبر على الاستعانة ببيطري لولادتهم قيصرياً!

كذلك فمن أهمّ الحالات المرضيّة التي تواجهها الكلاب:

- الأمراض الجلدية، فحوالي 15% من الكلاب تصاب بالحكة والالتهابات والحساسيّة، وتجعلها طيّات الجلد أرضاً خصبة للبكتيريا المسبّبة للالتهابات، أما التجاعيد الزائدة على الوجه فهي تسبّب الآفات وقد تحتكّ بالعينين أو تغطيهما فتسبّب للكلب العمى.

- أمراض المناعة الذاتية التي تجعل نظام مناعة الجسم يهاجم نسجه وخلاياه نفسها.

- اضطرابات الدم كالحالة الوراثية التي تجعل الدم لا يتجلّط بسهولةٍ وبذلك يزداد نزف الجروح ولا تلتئم بسرعةٍ طبيعية.

- اضطرابات عصبية سلوكية وحسية: هل رأيت من قبل كلباً عصبياً يبدو مضحكاً وهو يطارد ذيله؟ أرجوك لا تضحك فليس هذا طبيعياً، وقد يدلّ على حالةٍ مرضية عصبية لدى دماغ الكلب. بعض الكلاب تفقد سيطرتها على عضلاتها، وبعضها ترث اعتلال النخاع الذي يؤدي إلى الشلل.

- الرؤية والسمع: فقدان السمع الوراثي شائعٌ لدى بعض الكلاب، وهناك أكثر من 60 سلالةً من الكلاب الأصيلة تعاني من إعتام عدسة العين وضمور الشبكية.

- أمراض القلب: الموت المفاجئ بنتيجة أمراض القلب شائع لدى العديد من السلالات، وكذلك ارتفاع ضغط الدم.

- السرطان: العديد من الأورام الخبيثة منتشرةٌ بين سلالات الكلاب بشكلٍ غير طبيعي مثل سرطان العظام الذي تحدثنا عنه سابقاً، سرطان الأوعية الدموية وسرطان المثانة وأورام الدماغ.

- أمراض العظام: النمو الشاذ للورك، التهاب المفاصل، الضغط على الحبل الشوكي وفقرات الرقبة بسبب عدم تناسب حجم الرأس مع الجسم، انحناء الساقين وانقراص الفقرات، إضافةً إلى هشاشة عظام الكلاب الصغيرة وقابليّتها للخلع والانزلاق بسهولة.

- حالاتٌ أخرى: ضعف وظيفة الغدة الدرقية، التواء المعدة، أمراض وحصوات الكلى، تلف الكبد وغيرها.

وفي نهاية هذا المقال، أتمنى أن تكون هذه المعلومات قد رفعت من وعينا ومسؤليتنا تجاه الكلاب التي نربيها ونقتنيها، أنا شخصياً أشجّع على اقتناء الأصناف المختلطة Mixed breeds وليس الأصيلة، ومن المهم أن نعرف أنّ حيواناتنا الأليفة تحتاج منا إلى رعايةٍ خاصة وعناية طبية دائمة.

الأهمّ من ذلك، هذا المقال مثالٌ واضحٌ عن قوة الانتقاء الصنعيّ وما يمكن أن يصنعه خلال فترة قصيرةٍ نسبياً، وكذلك يعلّمنا الفرق الكبير بين الإنتقاء الطبيعيّ الذي تقوم به الطبيعة لصالح تكيّف الكائن وبقائه وازدهاره، وبين الانتقاء الصنعيّ الذي يقوم به الإنسان لأغراضه الشخصيّة.

المصادر

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا