الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة الغربية

الاغتراب عند كارل ماركس (تشويه إنسانية الإنسان في المجتمع الصناعي)

اكتسب مفهوم الاستلاب (الاغتراب) وجودًا راسخًا في الفكر منذ أواخر القرن الثامن عشر، وما زال إلى يومنا الحاضر محط جدلٍ في الأوساط الفكرية والمفاهيم البارزة في الفلسفات الحديثة والمعاصرة، وتشعّبت وتنوعّت استخداماته على مدى تطوّر الفكر الفلسفي ورواده (1)، وبات مفهوم الاستلاب/الاغتراب (Alienation) يخدم توصيف أشد الظاهرات تباينًا وتنوعًا في ميدان الوعي وميدان السياسية وميدان الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، إلى جانب الفلسفة واللاهوت، وكذلك يشكل جزءًا جوهريًَا من منظومات فلسفية ومذاهب اجتماعية متنافرة، ويكتسي مضامين بالغة التنوع (1).

 ومن بين الفلاسفة الذين تناولوا مفهوم الاغتراب الفيلسوف كارل ماركس (1883-1818 Karl Marx) الذي يعدُّ من أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين، وقد تناول مفهوم الاستلاب في طرحه الفكري؛ إذ حسب رأي الفيلسوف ماركس أن العمال في ظل الأنظمة الرأسمالية -التي اكتسبت فيه الشركات والملكية الخاصة قوة ونفوذًا كبيرًا- يُتلاعب بهم تحت حكم هذا النظام الذي يعدّهم أدوات. 

وترى نظرية الاغتراب عند ماركس أن العمال يشعرون بخيبة أمل تجاه عملهم ووجودهم لأنهم محكومين كليًّا من التسلسل الهرمي لأرباب العمل والشركات التي تتحكم بمصائرهم؛ من خلال التحكّم بأنشطة العمال وتوجيهها، وبهذا يُخنق الإبداع والحرية الفردية، وإن الفقر الّذي يحاصر العمال -نتيجة احتكار الرأسمالية للموارد- يمنعهم من الازدهار على المستوى الفكري والإبداعي أيضًا، وذلك كله يدفعهم نحو الاغتراب عن الأمل والتصميم وفقدان الهوية الشخصية؛ ممّا يؤدي إلى الإحباط والاستياء. 

ومن هنا يرى ماركس أن الاغتراب نتيجة حتمية بسبب وجود الأنظمة الرأسمالية، وحسب رأي ماركس أن هذا الاستلاب/الاغتراب يؤدي إلى عواقب وخيمة على مستوى المجتمع بأسره (2).

يُعِد ماركس أن تاريخ النوع الإنساني هو تاريخ التطوّر النامي للإنسان، وفي الوقت نفسه تاريخ الاغتراب المتزايد؛ فإن مفهوم ماركس للاشتراكية هو الانعتاق من الاغتراب والتخلّص من صراع الموارد التي وظّفته الأنظمة الرأسمالية في صالحها، والخروج من ساحة المنافسة المسؤولة عن انبثاق حالة متزايدة من الاغتراب والاستلاب لدى العمال والجماهير؛ ومن هنا يشرَع الإنسان في  العودة إلى ذاته وتحقيقها؛ ففي حالة الاغتراب يكون الإنسان عاجزًا عن ممارسة حياته بوصفها قوة فعّالة في عملية فهمه للطبيعة والآخرين وذاته، وهذا نتيجة كونه مغتربًا عنهم تمامًا (2،3).

ويذهب ماركس إلى أن الطبيعة التنافسية للرأسمالية تنتج ساحةً من الصراعات والنزاعات المتصاعدة؛ إذ  إن المجتمعات البشرية في ساحة الصراع هذه تسعى دائمًا إمَّا لتحمّل الفقر وإمَّا التحسُّن والارتقاء عنه؛ إذ تقتصر حياتها بين هذين الخيارين، وهذا بدوره يحوّلها إلى سلعة على حساب العلاقات الاجتماعية والإبداع ومن ثَمَّ تدهور البِنى الاجتماعية، ويجب على العمال دخول هذا الصراع والتنافس على الموارد الشحيحة من أجل الاستمرار والبقاء دون توفّر أي خيار آخر؛ ممّا يسبّب درجات عالية من الاغتراب والاستياء بين الجماهير، ويلخّص ماركس ذلك بقوله إن النظام الرأسمالي استبدل مفهوم التعاون أو العمل فريقًا واحدًا بمفهوم المنافسة والصراع على الموارد؛ لذلك كل شخص يفهم مصالحه الشخصية ويحللها بوصفها أولوية بدلًا من المصالح المشتركة (2).

حسب ماركس إن عملية الاغتراب يُعبَّر عنها في العمل وتقسيمه؛ فإن العمل هو التواصل الفعّال للإنسان مع الطبيعة ليخلق عالمًا جديدًا، بما فيه خلق الإنسان لذاته، ولهذا إن تطوّر وتفشِّي طبيعة الرأسمالية (الملكية الخاصة وتشييء* العمّال وكأنهم سلعة) يفقد العمل صفته تعبيرًا عن طاقات الإنسان وفرصة بناء ذاتها؛ إذ يتخذ العمل ونتاجه وجودًا منفصلًا عن إرادة الإنسان ومشروعه، ومن ثم؛ فإن الجماهير لا تحقّق ذاتها في العمل بل تنفي ذاتها وتُغرَّب عنها، كما أن الجماهير -حسب طرح ماركس- لا تملك شيئًا من الحرية لتطوير طاقاتها الذهنية والطبيعية، وبهذا يكون العامل عنصرًا مُنهكًا ومنحطًا ذهنيًا يقضي على قواه المبدعة (3).

ويلخِّص الفيلسوف وعالم النفس إريك فروم (1980-1900 Erich Fromm) الاغتراب عند ماركس في كتابه (الإنسان عند ماركس) بقوله: "إن اهتمام ماركس الرئيسي ليس التساوي في الدخل، وإنما تحرير الإنسان من ذلك النوع من العمل الذي يدمّر فرديته الذي يحوّله إلى شيء، ويجعله عبدًا للأشياء (3)."

ويقول ماركس في تعريف العمل في ظل النظام الرأسمالي: "إن العمل خارجي عن العامل، أي إنه لا يمت إلى كينونته الجوهرية.. وهكذا؛ فإنه في عمله لا يؤكد ذاته بل ينكرها، ولا ينمّي طاقاته الجسدية والعقلية بحرية وإنما يميت جسده ويدمّر عقله. العامل، إذن، لا يستشعر نفسه إلّا خارج العمل، وفي عمله يستشعر خارج ذاته، ومن هنا فإن عمله ليس طوعيًّا بل إجباريًّا؛ إنه عمل قسري (4)."

يرى المفكر ميلوفان دجيلاس (Milovan Djilas 1911-1995) أن لا وجود لأي اغتراب للإنسان، وما دأب عليه ماركس والماركسيون الآخرون من وصف ما عدُّوه شرًّا بـ (الاغتراب) ما هو إلّا خير متناهي الحدود؛ إذ إنه يمثِّل الحالة الإنسانية الطبيعية تقريبًا، وأن صيرورة الاغتراب تمثّل سبيلاً للوجود البشري، ولذلك فلا حاجة ألبتة إلى أي تحرير من (الاغتراب) وتحقيق الفردوس الأرضي (المجتمع المثالي)، ويقصد دجيلاس هنا بـ (المجتمع المثالي) نظرية الماركسية عن مجتمع متساوٍ واشتراكي، أي تحقيق المجتمع اللاطبقي من وجهة نظر الماركسية (4).

ويتوسّع دجيلاس في مفهوم الاغتراب، ناقدًا لما قدمه ماركس؛ في كل مرّة يحقّق الإنسان شيئًا جديدًا من الناحية الجوهرية أو الجذرية؛ فإنه لا بد أن يحكم على نفسه بالاغتراب، فلا مفرّ من أن يجعل نفسه غريبًا عن الأوضاع والظروف التي عاش في ظلها؛ أي إنه كلما خلق وأبدع، وبقدر ما خلق وأبدع، يحكم على نفسه بالاغتراب، ويُعِدّ دجيلاس أن كل إنسان يبتكر شيئًا ما أو يبدع عملًا فنيًّا ما أو يحسن مهارة ما؛ فإنه يستلب لها طاقته ومشاعره وذكاءه، وبهذا بقدر ما يبدع في حياته يغترب عن نفسه وعن الشروط الحياتية التي أعطتها الطبيعة له، ويذهب إلى أن عملية (الاغتراب) هنا ما هي إلّا دافع طبيعي ليُبدع الإنسان ويخرج عن ظروفه الراهنة؛ فإن الإنسان البدائي -حسبَ رأيه- حكمَ على نفسه بالاغتراب حينما بدأ بالتفكير والتصرُّف خلافًا للحيوانات (4)، ويمكن تفسير وجهة نظر دجيلاس هنا أن الاغتراب هو دافعٌ طبيعيٌّ نحو التطوّر والإبداع، على عكس ما طرحَ ماركس عن تأثير الاغتراب فيما يخص التطوّر والإبداع. 

*لقراءة المزيد عن مفهوم التشييء: هنا

المصادر:

[1] عبد الجبار، فالح. (2018) الاستلاب؛ هوبز، لوك، روسو، هيغل، فويرباخ، ماركس. (ط.1). لبنان-بيروت: دار الفارابي للنشر والتوزيع. صـ 11، 14

[2] هنا

[3] فروم، إريك. (1998). مفهوم الإنسان عند ماركس. ترجمة: سيد رصاص، محمد. (ط.1). سورية-دمشق: دار الحصاد للنشر والتوزيع. صـ من 63 إلى 67

[4] ميهايلوف، ميهايلو. (1971). الاغتراب؛ فلسفة إنسانية. ترجمة: منير، سامي. صـ 155-156 هنا