الطب > مقالات طبية

استشارةٌ طبيّةٌ مجّانية عبر الإنترنت، ولكن!

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورةً حضاريةً هائلةً باختصار الزمان والمكان، فوضعت العالم كله في جهاز صغير، ولم تَعُد تعنينا المسافات للحصول على المعلومات؛ إذ وفرت علينا مواقع الإنترنت عناءَ الذهاب إلى المكتبات والبحث ساعات طويلة لكتابة مقال ما أو للبحث عن معلومةٍ معيّنةٍ، وبفضل التكنولوجيا المعاصرة أصبح بإمكان الطبيب مثلًا متابعة حالة مرضاه الصحية عن بعد، إضافة إلى كثير من الحسنات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. لكن مهلًا مرة أخرى؛ هل هناك جانبٌ مظلمٌ لهذه المنصات قد غاب عنّا؟ وهل هناك مخاطر تتطلب منا التحرك لوضع القيود على المواد المنتشرة عبر هذه التطبيقات؟ 

سنحدثكم في هذا المقال عن الجانب المخيف لمنصات التواصل الاجتماعي، ونقصد هنا المعلومات والتقارير الطبية المغلوطة التي ملأت منصات التواصل بأشكالها كافة ابتداءً بالفيسبوك وليس انتهاء بالواتساب؛ إذ لا تلبث تلك المعلومات المُضَلِّلة أن تصبحَ من المسلَّمات التي يؤمن بها كثيرٌ من القراء، وربما يبدؤون بتطبيقها على أنفسهم وعلى من حولهم (شير في الخير كما يدَّعون)، فقبل أن تضغط على زر المشاركة تمهَّل وتمعَّن جيدًا وتَحلَّ بقدرٍ من التفكير الناقد وشكِّك بمصداقية الخبر ولا تكن جزءًا من المشكلة.

ففي بيئة المعلومات المزدحمة التي نعيشها اليوم، ومع فيض الأخبار على مدار الأربع والعشرين ساعة عبر منصات التواصل المختلفة من تطبيقاتٍ ومواقع إخبارية عديدة؛ تنتشر الأخبار الطبية المزيَّفة مثلما ينتشرُ فيروس الإنفلونزا، ولك أن تتخيل -عزيزي القارئ- خطورة انتشار مثل هذه المعلومات! فعندما تجري بحثًا عن مرض السرطان مثلًا على أحد محركات البحث؛ يظهر لك الملايين من الصفحات من مقالات ومواقع في الشبكة العنكبوتية عن هذا الموضوع، ولكن قلةٌ قليلةٌ منها هي التي يمكن الأخذ بها والاعتماد عليها.

كذلك تزدحم مواقع الإنترنت بكثير من قصص المرضى المزيّفة، وتُروى تلك القصص والحكايات بأسلوبٍ مُتقن تضفي لمسةً أقرب إلى الواقعية لتشكِّل مصدرَ قلقٍ لهيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) التي نشرت قائمةً تحتوي على عدد من المواقع التي يجب على القراء تجنُّبها لما تحتويه من معلوماتٍ وعلاجات مغلوطةٍ تتعلق بالسرطان؛ إذ نشرت تلك المواقع مقالاتٍ تنصح المرضى بعلاجاتٍ وهميةٍ من الأشكال كافة التي يمكن تخيلها كالأعشاب والأقراص الدوائية إضافة إلى ما يدعى بـ "كريمات" شافية من السرطان. (1,2)

 ومن أجل مكافحة أخبار السرطان وعلاجاته الوهمية وخرافاته؛ نشرت الجمعية الأمريكية للأورام في آب (أغسطس) عام 2008 قائمةً تضمُّ الخرافات الشائعة عن مرض السرطان مع ذكر الحقائق التي تدحض هذه الخرافات. (1,3,4)

ويزداد هذا الخطر عند الوصول إلى الأفراد من غير أهل الاختصاص الذين يتفنَّنون في التشخيص والعلاج دون أساس طبي ويزدهر لديهم إلقاء النصائح في تلك المجموعات الطبيّة (التي يسمونها زورًا بالاستشارية) وهي التي تملأ موقع الفيسبوك وتطبيق الواتساب؛ إذ بإمكان أيّ شخصٍ أن يطرح سؤالًا ما أو يطلب استشارة طبيّة عن مرض معين، أو يستفسر عن تجارب الآخرين مع مرضٍ أو دواءٍ أو عشبةٍ معيّنة، ويمكن لأي شخصٍ إذا كان طبيبًا أو من غير أهل الاختصاص أن يُعلِّق بالرأي الذي يريده سواء أكان حقيقيًّا أم مجرّد قصة نُسجَت من وحي خيال شخص ما، وهو الأمر الذي يُمثّل خطورةً كبيرةً على السائل إذا لم يتحرَّ الدقة ويأخذ الحيطة والحذر قبل تصديق ما يقرأ من ردودٍ وتعليقات.

يقول المجلس الأمريكي للعلوم والصحة أنه من الصعب حقًّا التمييز بين الحقيقة والخيال لإدراك المعلومة الصحيحة، ويمكن اللجوء إلى مجموعة من التساؤلات التي قد يطرحها القارئ في كل مرّةٍ يُصادف فيها معلومة طبية للتأكد من مصداقيتها؛ فعلى سبيل المثال: لا تحتوي الأخبار المزيّفة عادةً على مصدرٍ موثوقٍ للخبر، وإذا ذُكر المصدر فقد يكون دراسةً بحثية واحدة يبني عليها كاتب المقال جميع استنتاجاته، وهذا الأمر غير مقبول في مجال الطب والدواء، وإضافة إلى ذلك؛ قد تبدو مادة المقال مكتوبة بطريقة البيان الصحفي وليس بطريقة البحث العلمي التي تقوم على خطواتٍ دقيقةٍ خاصةٍ بطريقة إعداد البحثِ وأسلوب تحليل البيانات التي توصلت إلى الاستنتاج المذكور أو أن يكون المصدر إحدى المجلات أو الصحف أو محطات الأخبار. (1,5)

 فإذا صادفتك -عزيزي القارئ- معلومة طبية حديثة وشككت في مصداقيتها ابحَثْ عنها عبر الإنترنت وتفحّص الموقع الأصلي الناشر لها، واستكشف هويّة المنظمة المسؤولة عن ذلك الموقع والهدف من  تأسيسه؛ إذ إنّ إنشاء المواقع الإلكترونية وتحديثها يتطّلب مبالغ مالية، وبذلك فإن معرفة الممول الرئيسي للموقع تُساعد على معرفة الدافع وراء إنشائه ونشر المعلومات التي يحتويها ذلك الموقع، وانتبه لمُحدِّد الموارد الموحّد للموقع المعروف بالـ "URL: Uniform Resource Locator"؛ إذ يُشير المُحدّد إلى المنظمة المسؤولة عن الموقع  كالآتي: يشير (.org) عادة إلى المنظمات غير الربحية غالبًا كالمنظمات العلمية والطبيّة والبحثية وغيرها، أما (.com) فيرمز إلى الشركات التجارية كشركات الأدوية وشركات الأعمال وغيرها، في حين يشير (.gov) إلى المنظمات الحكومية و(.edu) إلى المنظمات التعليمية.

وتأكد -عزيزي القارئ- من تاريخ نشر المعلومة الطبية، فلربما انتهت صلاحيتها أو أثبت العلم الحديث عدم صحتها، وابحَثْ عن أسماء الأشخاص الناشرين لتلك المعلومة وتأكد من هويتهم ومؤهلاتهم العلمية والطبية؛ إذ تُظهر المواقع الموثوقة أسماء الناشرين الأصليين وروابط تُظهر هوية أولئك الأشخاص، كذلك توفّر تلك المواقع روابط الاتصال بالمنظمة المسؤولة عن الموقع تمكّنك من التأكد من مصداقيتها، ابحث في الموقع عن كلمة "حولنا about us"، أو "اتصل بنا contact us" لكي تستطيع التأكد من حقيقة المنظمة، أمّا إذا نُسِب الخبر إلى مجلةٍ ما فابحث عن هذه المجلة وتأكد أنها خاضعةٌ لمراجعةِ النظراء "peer reviewed"؛ أي إن جميع الأبحاث المنشورة فيها يراجعها أهل الاختصاص يُدققونها، مما يمكن أن يشجع على الوثوق بها. (6)

قد يبدو أمر التحرّي والتأكد من صحة المعلومات الطبية معقدًا ومستهلكًا للوقت، لكن صحتك وصحة من حولك تستحق هذا العناء.

وكما أسلفنا سابقًا فإنّ المعلومة الطبية المزيّفة تنتشرُ على نحو أوسع من المعلومة الطبية الصحيحة والمنقَّحة، وقد أرجعت إحدى الدراسات السبب إلى أنَّ الأخبار المزيفة تصبح أكثر قابلية للتصديق عند ورودها مرارًا وتكرارًا من مصادر متعددة، إضافة إلى أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي يهتمون بناشر المعلومة أكثر من المعلومة نفسها، خاصة إذا كان الناشر أحد أقاربهم أو ممّن يعرفونه شخصيًّا، فيبادرون لمشاركة كل ما يشاركه أولئك الأشخاص "الموثوقين" بحسب رأيهم.

وعلى الرغم من اللغة المقروءة التي تُنشر بها الأبحاث الطبية، لكنها تحوي مصطلحات يصعب فَهمها وتحليلها على عامة الناس، ولعلَّ معرفتهم بالمنظمات الطبية الموثوقة محدودة النطاق والمصادر الموثوقة تدفعهم لمشاركة كل ما يظهر أمامهم دون معرفة هوية ناشر الخبر ومصداقيته(7)؛ الأمر الذي يجعل المجتمع مهدّدًا بتلك المعلومات الطبيّة المزيفة ويؤخّر إقدام المريض على زيارة الطبيب أو يخفف التزامه الدقيق بتعليماته، مما يعطِّل سير عملية علاجه أو البدء بها على النحو الفعَّال، وهذا ما يُشاهَد بكثرة في تلك المجموعات "الطبية الاستشارية"؛ إذ يتوجه البعض للسؤال فيها عمّا يمكن فعله لمرض ما قبل التوجه إلى مقدمي الرعاية الصحية ما يجعل الأمر خطيرًا ومهددًا للحياة إن انتظر المريض جوابًا على سؤال لحالةٍ إسعافية تحتاج تداخلًا طبيًّا عاجلًا.

ولإعطاء استشارة طبية صحيحة؛ يحتاج الطبيب أن يرى مريضه ويتحدّث معه ويطلع على تاريخه الطبي ويفحصه ويقيّم حالته الصحيّة من جوانبها كافة قبل أن يتّخذ معه أيّ إجراءٍ طبّي مناسب لوضعه الصحي الذي يختلف عن أوضاع غيره من المرضى المصابين بالمرض نفسه. وقد يحتاج الطبيب أيضًا إلى إجراء بعض التحاليل الطبية والصور الشعاعية ومقارنتها بالتحاليل القديمة للوصول إلى أفضل خطةٍ علاجيةٍ؛ الأمر الذي قد يستحيل فعله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكن؛ ما مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي فعليًّا في المجتمعات من حيث الأخبار الطبية؟ وإلى أي مدى يصدّق القارئ الأخبار المنشورة عليها؟

للإجابة عن هذا السؤال؛ أُجري بحث عام 2016 في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلص إلى أنَّ 62 % من البالغين في الولايات المتحدة حصلوا على أخبارهم من منصات التواصل الاجتماعي. وفي بحث آخر أُجري في جامعة ويسكونسن الطبية عن المنشورات على صفحات الفيسبوك المتعلقة بفيروس الزيكا "إذا كان خدعة طبية أم لا"؛ بلغ عدد مشاهدة هذه المنشورات 535000 مرة وشاركه 19600 فردٌ، في حين شوهد البيان الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة (WHO) عن فيروس زيكا 43000 مرة وشاركه 964 فرد، الأمر الذي أثّر سلبًا على إدراك الأمهات الحوامل لجدّية الإصابة بالفيروس وخطورته على أجنتهم.(8,9)

وفي دراسةٍ أُخرى أجريت في بولندا عن أكثرالمواضيع الطبيّة تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي -وبعد تفحّص كل الروابط الداعمة لكل معلومة- صُنّفت 40 % من المعلومات المنشورة أنها مزيّفة، وقد شاركها روّاد مواقع التواصل في بولندا أكثر من 450000 مرّة، والأمر الأكثر غرابةً في نتائج هذه الدراسة أنّ 20 % من تلك الروابط المزيّفة قد نَشَرها مصدرٌ واحد!(10)

لكن؛ ما الدافع وراء اختلاق هذه الأخبار المزيفة؟

تقف كثيرٌ من الدوافع والأسباب غير المبررة وراء هذه المشكلة؛ فلربما يطمح بعض الأفراد أو المؤسسات الناقلة للأخبار (كالصحف والمجلات ومحطات التلفاز) إلى بناء سمعةٍ مرموقةٍ وشهرةٍ واسعةٍ بنشرهم معلوماتٍ طبيةً تجذب مزيدًا من القرّاء وتدفعهم لمشاركتها، ومن ثم استقطاب مزيد من القرّاء أو المتابعين ممَّا قد يعود عليهم بنفع مادي كبير. (11)

وفي خضم هذا الانتشار للأخبار المزيفة؛ هل تحركت إدارة منصات التواصل الاجتماعي لمحاربتها؟ 

أجل! فهناك العديد من المنظمات والمواقع التي تحاول أن توقف أو تبطئ -على الأقل- انتشار الأخبار المزيفة؛ فعلى سبيل المثال: وضعت شركة فيسبوك العديد من القيود والشروط على المواد والمعلومات التي يمكن لمستخدمي موقع فيسبوك مشاركتها، إذ طرحت فكرة ظهور شعار على الأخبار غير موثوقة المصدر، ثمَّ إنَّ هناك مجموعاتٍ مستقلةً من الأشخاص النشطين تتمثل مهمتهم في مراقبة المواد المنشورة على موقع الفيسبوك، إذ تتحقق هذه المجموعات من صحة المعلومات المنشورة بتطبيق مجموعة من الإرشادات والقواعد، وفي حال اكتشاف زيف الأخبار تظهر إشارة "متنازع عليها" أو "disputed" على المنشور، مع ذكر الروابط  التي تُبرهن عدم صحة هذه الأخبار. (1,12)

ولمّا كانت المواقع التي تنشر الأخبار الطبية الكاذبة تتعمّد ذكر أسماء المنظمات الطبية المشهورة والموثوقة مثل مايو كلينيك وجونز هوبكنز فإنَّ هاتين المنظمتين تواصلان دحض ما تنشره الصحافة من أخبار وقصصٍ طبيةٍ منسوبةٍ إليهما. (13)

وإضافة إلى ذلك؛ تعمل بعض المنظمات والمجلات الطبيّة على فتح حساباتٍ نشطةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، تُنشرعبرها الأخبار والمعلومات الطبيّة الموثوقة. (14)

إذًا؛ مَن المسؤول الأساسي عن تنظيم عملية نشر المعلومات الطبيّة؟

في السابق؛ كانت المسؤولية تقع على عاتق الأطباء والأكاديميين بالإشراف على نشر الأخبار الطبيّة الموثوقة من خلال الأوراق البحثية الخاضعة لمراجعة النظراء، لكن في الوقت الراهن ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثة؛ يؤدّي عامة الناس دورًا كبيرًا في نشر المعلومات والأخبار ومشاركتها سواء أكانت طبيّة أم غير طبيّة، وتكمن المشكلة هنا في صعوبة الإشراف على كل منشورٍ ينشره رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فتنتشر الأخبار الطبيّة دون مراجعةٍ أو تدقيقٍ أو تمحيصٍ من قِبل أهل الاختصاص. (14)

أصبح الطبّ في عصرنا هذا قائمًا أساسًا على ما يدعوه المجتمع الطبي بـ "الطب القائم على الدليل" (Evidence based medicine)، إذ تُبنى الإجراءات التشخيصية والتكنيكات الجراحية وكذلك الأدوية العلاجية المُستعملة في خطة التشخيص والعلاج للأمراض المختلفة على الأبحاث الخاضعة لمراجعة النظراء (peer review)، إذ يتبّع العلماء مجموعة من الخطوات لانتقاد البحوث الطبية واستجواب مدى مصداقية الاستنتاجات المُستخلَصة من تلك الأبحاث، ولكن قد يَصعُب على عامة الناس فهم أهميّة عمليّة مراجعة النظراء أو أهمية ذكر المصادر التي تُنسب إليها المعلومة المنشورة، مما يبرز الحاجة الماسّة إلى أهمية نشر المعلومات الطبيّة من مصادر موثوقة بطريقةٍ مبسّطةٍ يفهمها عامة الناس، ثمَّ إنَّ انخراط المنظمات الطبيّة العالمية والمجلات العلمية واستهدافها منصات التواصل الاجتماعي ورفع مستوى وعي الفرد الصحي قد يُحدث فرقًا كبيرًا في محاربة انتشار المعلومات الطبية المغلوطة ووقفها. (14)

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- هنا

4- هنا

5-هنا

6-  هنا

7- هنا

8- هنا

9-Sharma, M., Yadav, K., Yadav, N., & Ferdinand, K. C. (2017). Zika virus pandemic—analysis of Facebook as a social media health information platform. American Journal of Infection Control, 45(3), 301–302. doi:10.1016/j.ajic.2016.08.022 
10-  هنا

11- هنا

12- هنا

13- هنا

14- Trethewey, S. P. (2019). Medical Misinformation on Social Media. Circulation, 140(14), 1131–1133.
doi:10.1161/circulationaha.119.041719