الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

التربة واحتجاز الكربون

إن تخزين الكربون في التربة هي خدمة حيوية يقدمها النظام البيئي، وتؤدي الأنشطة البشرية إما إلى فقدان المزيد من الكربون أو إلى تحسين تخزينه في التربة.

تعد المادة العضوية المكون الرئيس من مكونات التربة الذي يؤثر على خواصها البيولوجية والفيزيائية والكيميائية، حيث تحسّن المواد العضوية في التربة من قدرتها على استيعاب الماء والمواد المغذية للنبات، لكن الأنشطة البشرية يمكن أن تستنفد إنتاجية التربة وقدرتها على إنتاج الغذاء، فقد ارتبط تدهور الترب تاريخياً مع انخفاض محتواها من المادة العضوية كما ارتبط أيضاً بارتفاع معدلات ثاني أوكسيد الكربون الجوي وتغيرات المناخ.

لماذا يعتبر كربون التربة أساسياً؟

،تضم المادة العضوية في التربة الميكروبات والأحياء ونواتج تحلل أنسجة وخلايا الأحياء بعد موتها بالإضافة إلى الدُّبال ويرتبط مستوى كربون التربة مباشرةً بمستوى المادة العضوية فيها (57% من المادة العضوية هي كربون كنسبة وزنية). يتحول ثاني أكسيد الكربون الجوي بفضل النبات إلى كتلة حيوية نباتية بشكل جذر وساق وأوراق والتي تعود إلى التربة بعد موتها معززةً بذلك محتواها من الكربون. كذلك تنتج الفطريات والبكتريا الكربون خلال تنفسها في التربة وبعد موتها وتحلل أجسامها أيضاً. في المقابل فإن عمليات تآكل التربة وتعريتها وارتشاح الكربون القابل لللذوبان وصولاً إلى المياه الجوفية كلها تؤدي لخسارة التربة لكربونها. عندما تزيد مدخلات الكربون في التربة، والقادمة بشكل أو بآخر من التركيب الضوئي، عن الخسارة تبدأ مستويات الكربون العضوي في التربة بالتزايد مع مرور الوقت.

تأتي أهمية كربون التربة أيضاً من كون الجزء الأكبر من الكربون الموجود في النظم البيئية لكوكبنا هو في التربة (تحتوي النظم البيئية 3170 بليون طن من الكربون و80% منها في الترب). نشير هنا إلى أن الترب تحتوي كربوناً غير عضوي (معدني) في فلزاتها وصخورها. لا عجب إذاً من أن الممارسات التي تؤدي إلى فقدان الترب لكربونها تساهم في تغير المناخ العالمي فالكربون ينتقل من حالة إلى أخرى في دورته الطبيعية وما لم يكن مختزناً في هذا الحوض الهائل (التربة) فسيكون منطلقاً في الجو مساهماً في ظاهرة الدفيئة (الاحتباس الحراري).

إذاً فالنباتات في المقام الأول هي المسؤولة عن اختزان الكربون الجوي في التربة من خلال التمثيل الضوئي لكن مع الأسف فإن الزراعة اليوم تزيد من معدل تحلل المادة العضوية وتسرّعه مما يعني انطلاقاً أكثر للغاز CO2 في الجو وذلك لما تسببه الحراثة من تعرية للتربة. جميع الإجراءات التي تقضي على أحياء التربة تساهم في تدمير بنية التربة من خلال إضعاف مخزونها العضوي وبالتالي كربونها مثل الاستخدام اللاعقلاني للمبيدات.

وبهذا تكون الغابات المناطق التي يكون اختزان الكربون في تربتها مثالياً، لكن ماذا عن غيرها من مناطق قاحلة؟

حفر بعض الخبراء حتى عمق متر في صحراء موهافي (الولايات المتحدة) وقاموا بتقدير الكربون الموجود حتى ذلك العمق سواء في جذور النباتات أو في التربة نفسها وكانت النتائج غير متوقعة. تمتد المناطق الجافة التي تتلقى كميات شحيحة من الأمطار (أقل من 250 ملم سنوياً) على مساحات شاسعة وهي تمثل نصف مساحة اليابسة على سطح الأرض ومن هنا جاءت أهمية دراستها. بالإضافة إلى دراسة محتوى الكربون تم نفث هواء عادي (380 جزء بالمليون CO2) أظهرت النتائج أن الاراضي القاحلة قادرة على امتصاص كربون أكثر بـ 15 - 28% من المعدل الذي تمتصه الأراضي حالياً. طبعاً لم تراعي التجربة تأثيرات المناخ والهطول وتفاوت درجات الحرارة لكنها فقط البداية نحو فهم وتطوير دور الترب (حتى شبه الجرداء منها) في امتصاص الكربون.

أخيراً فإن إضافة المادة العضوية إلى التربة سواء على المدى القصير أو الطويل يقدم إضافةً لفوائده العديدة، إغناء بالكربون وتخفيضاً لمستوياته في الجو. هذه العملية طبيعية وغير مكلفة وفعالة، كما أن الكربون يبقى مختزناً في التربة ما لم تتعرض لحراثة أو لتعرية طبيعية أو صناعية. الأمر بيدنا أن أردنا أن نحول التربة من مصدر لزيادة غازات الدفيئة إلى مخزن فعال وكبير لها فكل ما يتطلبه الأمر حرصاً أكبر في الطريقة التي نستعمل بها الأراضي.

مصادر:

هنا

هنا

هنا