الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

أشجار صناعية لامتصاص الكربون فقط!

يعتقد عالمان من جامعة كولومبيا أن أدواتاً صنعية يمكنها تطهير الجو من غاز ثاني أكسيد الكربون تماماً كما تفعل الأشجار العادية وهذا ما من شأنه إبطاء ارتفاع الحرارة العالمي، وإن كان ما يعتقدانه صحيحاً فهل بالإمكان تأمين هكذا أدوات بسرعة وبثمن زهيد بما يكفي لجعله تطبيقاً فاعلاً.

في أعقاب ارتفاع الحرارة بشكل غير مسبوق، الصيف الجاف، وإعصار ساندي الذي ضرب أمريكا الشمالية مسبباً غرق المدن، بات التغير المناخي في عقر دار البشر ومشكلةً يستحيل تجاهلها.

من الإجراءات التي تحدّ من تفاقم مشاكل التغير المناخي وكما ناقشنا في هذه السلسلة، احتجاز الكربون والحد من انبعاثاته. لكن لا بدّ من أن ندرك أنه حتى لو تحول العالم بشكل سحري لاستعمال الطاقات النظيفة المتجددة (كالشمسية) بنسبة 100% فإن الأوان قد فات للتخلص من الآثار التي أصابت المناخ بسببنا، فالمستوى الحالي لـ CO2 قد تجاوز ما يعتبره بعض العلماء العتبة الآمنة، واستمرارنا على هذا الحال سيزيد معدلاته أيضاً في السنوات القادمة.

وسطَ هذا التشاؤم، لمعت فكرة جديدة يجري تطويرها حالياً قد تساهم في خفض مستويات غازات الاحتباس الحراري وقد تمكّن الغلاف الجوي، من العودة إلى سابق عهده كما كان قبل الثورة الصناعية، لكن تنفيذ الفكرة قد يكون باهظاً، رغم أنها كما يدعي أصحابها لن تتطلب -على الأقل- استخدام الوقود الأحفوري لتنفيذها (كما قد تفعل وسائل أخرى).

ما يميز الفكرة أنها تهدف إلى امتصاص الكربون، حرفياً، من الجو كما تفعل الأشجار في أي مكان (وليس التقاط الغاز المنطلق من الصناعات مباشرةً).

إذا حظيت بجولة في مخبر ابتكار هذه التقنية سترى أجساماً إبرية كنهايات أفرع الصنوبر، لكن بدل أوراق الصنوبر توجد شرائط مشرّبة بكربونات الصوديوم والتي من خواصها الكيميائية امتصاص ثاني أكسيد الكربون الجوي.

إذا فهي نماذج لأشجار مصغرة صناعية، قادرة على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون بمعدلات أعلى وبشكل أسرع من الامتصاص الذي يتم خلال التمثيل الضوئي الطبيعي، ويتم لاحقاً التخلص من الكربون العالق بالتعريض لتدفق لطيف من الماء ويستخدم الكربون صناعياً أو يدفن بشكل آمن في الأرض.

إذا ما اصطلحنا على هذه الأشجار تسمية "وحدات" فستكون الوحدة بحجم سيارة وتكلفتها وستكون قادرة على جمع طن من الكربون الجوي يومياً، أي ما يعادل ما تطلقه 36 سيارة في اليوم الواحد. وببناء 10 ملايين وحدة سيترسب 12% من الكربون الذي تطلقه النشاطات البشرية كل عام.

إن الطرق الأخرى في التقاط الكربون (ناقشناها في حلقات سابقة من السلسلة) مكلفة أيضاً ويجب أن تتوضع في مكان انطلاق الغاز، الأمر الذي يستحيل تنفيذه مع السيارات والطائرات مثلاً! لذلك فهذه الوحدات ستكون الأولى من نوعها التي تستهدف الكربون الجوي. الأمر إذاً أشبه بأن نكنس الجو من أوساخنا وحسب.

طبعاً يجب أن لا يثني الأمر عن استخدام الطاقات البديلة النظيفة الأمر الذي مع الأسف لن يتم بين عشية وضحاها. من المتوقع أن تنتج الولايات المتحدة من الطاقة (باعتمادها على الطاقة البديلة) ما يفوق إنتاج السعودية من البترول في العام 2020. لكن بتواجد النفط الرخيص فلابد أننا سنستعمله على أية حال. المغزى أن حل مشكلة التلوث لن يكون بتقليل الانبعاثات كما لن يكون باعتماد الطاقة البديلة بل بتضافر كل ذلك.

مطور هذه الأشجار الصناعية “Lackner” يرجع الفضل لابنته (في الصف الثامن) التي حصلت على جائزة لتصميمها منقي الهواء من ثاني أكسيد الكربون بضخه في ماء يحوي هيدروكسيد الصوديوم. فالمبدأ ليس جديداً إذاً كما أنه يستخدم في الغواصات والسفن الفضائية، لكن المـُــبتـــَــــكر هو الطموح الهائل حول استخدام هذه الآلية على صعيد واسع مع محاولة تقليل تكلفة التخلص من الكربون العالق بالأوراق البلاستيكية. كيف ستصنع الأشجار الصناعية بثمن زهيد وكيف ستسوق بالحد الكافي لإحداث تغيير حقيقي في المناخ؟ سؤال لايزال ينتظر الإجابة.

أحد الاقتراحات هو بيع الوحدات المصنعة المستعملة لأصحاب البيوت الزجاجية حيث سيزيد توفر ثاني أكسيد الكربون من فعالية التمثيل الضوئي لنباتاتهم وبالتالي إنتاجها (يشار هنا إلى أن توفير حاجة نباتات البيوت الزجاجية من CO2 قد تكون مشكلة في المناطق شديدة البرودة التي يصعب فيها فتح نوافذ وأبواب البيت الزجاجي للتهوية بسبب ضياع الطاقة اللازمة للتدفئة)، على أية حال لن يشكل هذا سوى سوق تصريف صغيرة. فكرة أخرى يقترحها Lackner هي فرض ضريبة على شركات استخراج النفط تدفع لكل طن مستخرج لتستعمل هذه الأموال في علاج ما سيسببه هذا الوقود لاحقاً.

في النهاية؛ لن يكون اختزان الكربون مجدياً إلا إذا اقترح استخدام الكربون الملتقط كتجارة رابحة بحد ذاتها، كتصميم وقود كربوني جديد يؤدي حرقه لأضرار أقل وتسويقه مثلاً.

من الفوائد المتوقعة والمرتبطة بهذه التقنية أن إعادة فصل الكربون عن حامله الكيميائي تتطلب بعض الحرارة، حيث يمكن تثبيت هذه الأشجار الصنعية في محطات صهر الألمنيوم أو وحدات توليد الطاقة وغيرها من المنشآت الصناعية التي تولد حرارة فائضة ضائعة. في هذه الحال ستستفيد المنشأة من الأشجار الصناعية وكذلك العكس، ستتمكن الأشجار من التخلص من كربونها.

لا تزال أمام فكرة الأشجار الصناعية عشرات العقبات، لكن صاحبها يعتقد بأنها لن تكون مجدية إلا بعد عقد أو اثنين من الزمن ليتسنى لها الانتشار بالحد المطلوب لإحداث التأثير، وإذا انتظرنا إلى الوقت الذي تصبح فيه ضرورة لا مفر منها فسيكون الأوان قد فات..

إلى أي مدى يريد الإنسان أن يتحكم ببيئته وإلى أي مدى سيحقق ذلك .... شاركونا آرائكم.

المصدر:

هنا