الموسيقا > سلسلة نظريات الموسيقا والهارموني

الموسيقا ....تطور سيمفونية الألوان فنياً وعملياً من وجهة نظر فلسفية

الموسيقا بوصفها لغة: 

أنتجت الموسيقا وطورت أشكالاً مختلفة من الكتابة -على الرغم من الخصائص المميزة والحصرية لها- إذ يمثل التدوين الموسيقي كل شيء مكاني؛ لأنه رسم أساسي في عملية الإنتاج الموسيقي يجعل من السلم والمقياس  وسائل لضبط الحركة والإيقاع.

ففي حين تختلف أنظمة التدوين وتتنوع مدارسها، فإنه ليس من المفيد لغرض هذا المقال التمييز بين النظم التقليدية وغير التقليدية، ولا الكشف عن الاختلافات، في حين أنه سيكون من المفيد النظر في التنوع كليا، مع إعطاء بعض الأمثلة.

تصنع الكتابات الموسيقية من رموز تشير فيها العلامات إلى أفعال ونوايا تعبر كل منها عن فكرة معينة، إذ يتعلم الكاتب من التجربة المباشرة لهذه الرموز ونوعيتها الصوتية أساليبَ جديدة للتدوين، وعلى سبيل المثال يستمتع الأطفال برسم هرم أو سلم (مع خطوات) للإشارة إلى تقدم التدوينات بالأسلوبين التصاعدي أو التنازلي، وبغض النظر عن الأداة المستخدمة فإنها مسألة تصميم مفهوم ليس إلا، وذلك لتصوير فكرة الدرج التصاعدي أو التنازلي؛ إذ يكون الجميع قادرًا على التكيف معه واستنساخه بحرية للأداة (في حالة الكتابة الآلية).

يمكن أن تتبع العلامة بالتأكيد مجموعة من القواعد المتقنة لتحديد كيفية تفسير العلامات الفردية وربطها مع بعضها لتصوير الزمان المتجسد بلغة الموسيقا.

التدوين التقليدي ذو الأصل الأوروبي القديم والمقبول دولياً، يضع الأشكال (الملاحظات وما ندعوه بالعلامات الموسيقية)  على الخطوط أو في الفراغات بينها على غرار التدوينات الحديثة التي تبدو أشبه ما تكون بنظام هندسي يمكن مقارنته بالرسم البياني الديكارتي، ويستعير لغة الرياضيات.  نتصور ذلك كنظام هندسي ثلاثي الأبعاد نمثل على المحور Y ما يتعلق بالتعدد الصوتي (الذي يُعد بدايات علم التناغم) " polyphony " بينما يكون المحور الأفقي X ممثلا للعلاقة الزمنية ألا وهي الإيقاع "rhythm "، في حين أنه توجد مساحة الأصوات (بما في ذلك الإيقاف المؤقت أو ما يعرف بالسكتة rest ) على المحور الثالث Z، الذي يُحدّد تفسيره بواسطة المفتاح الموسيقي.

(مفتاح Sol أو Fa أو Do )  ويمكن تلخيص النتيجة المكتوبة -من الناحية الرسومية- بوصفها دالة رياضية (أو ملخص معقد للوظائف) تمثل الاتجاهات التوافقية مع مرور الوقت، على مستوى ثلاثي الأبعاد.

لا ينبغي أن يكون تطبيق المصطلحات الرياضية مقارنةً مفاجئةً؛ نظرًا لأن القياس الكمي للإيقاع الزمني للموسيقا عادة ما يُمَثل وفقًا لهذا النوع من اللغة ليصبح هذا المزيج من الموسيقا والرياضيات دائماً على قيد الحياة منذ العصور القديمة، فنجد أن الجانب الصوتي للموسيقا هو موضوع دراسة الفيزياء، وخاصة الميكانيكا والحركة التوافقية.

ومع ذلك، لا تزال عناصر الموسيقا -إن لم تكن هيكلية- مستبعدة حتى الآن، وإن الديناميكية والاقتراحات على تفسير التعبيرية توجد في التدوين الكلاسيكي على نحو علامات نصية أو مؤشرات بينية والنتيجة هي نظام غني للرموز يتيح استنساخ مفصل قدر الإمكان.

الحقيقة المدهشة للتدوين الموسيقي هي كيف يكون نظامًا مفتوحًا دائمًا، وقادرًا على تجديد نفسه والتوسع بعلامات جديدة تستجيب لمفاهيم جديدة، إضافة إلى التخلص من العناصر الزائدة عن الحاجة، مع الاحتفاظ بالعناصر الأساسية فقط؛ إذ يمكن للنظام أن يكون بمثابة مبدأ توجيهي للتفسير على مستويات متعددة (لحني، أو متناسق، أو إيقاعي، أو جرس، إلخ...) أو يمكن أن يحدد شكلًا ثابتًا متبلورًا يجب عزفه كما هو، أو ببساطة إضافة لفتة، أو تقنية، أو فكرة موسيقية جديدة.

فهكذا نرى أن كل شيء يعمل على إعطاء أثر وتنبيه يترك انطباعا ضمن الذاكرة، كما هو الحال مع اللغات الأخرى ، فإن قواعد اللغة والمفردات و يقابلها دلالات و قواعد موسيقية تختلف مع اختلاف العصور الموسيقية (غير الباروك،الكلاسيك….)، فنجد أن هناك حركة مستمرة في إنشاء عوالم موسيقية من مساحات مكتوبة، أو مستمعة، أو متخيلة؛ تلك المساحات التي نشهد فيها حوارًا مستمرًا بين مختلف الأصوات والآلات، معطيا إيحاء للمستمع بحديث شيِّق يأخذك إلى عالم آخر.

من المريح هنا تحديد الفرق بين مَن ينتجون الموسيقا وأولئك الذين يستمعون لها، إذ ينسج الموسيقي لوحته الموسيقية بوصفه عملا في الوقت المحدد رابطاً بين البعدين الزماني والمكاني (العلاقة مع الآلة والإيماءات والانبعاث الصوتية وكل ما يستخدم لإنتاج صوت الجسم والأداة)، أما المساحة الموسيقية للمستمع فهي الإدراك للمحيط (المسرح وغرفة البروفة وسماعات الرأس وما إلى ذلك) ويشتركان كلاهما بالصورة الخاصة بالتمثيل.

وبذلك تظل الموسيقا فلسفياً ولغوياً وفنياً أداةً لا يمكن إنكار دورها في توسيع مساحة الإدراك، أو حتى الربط بين الواقع والخيال أو المادة والروح.

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- هنا

4- هنا

5- هنا