التعليم واللغات > اللغويات

الأطفال هُم الأبطال في تعلّم اللغات

من الأمور المُسلّم بها أن بعض الأطفال أفضل من غيرهم في رمي كرة بيسبول أو حفظ خطاب من مسرحيات شكسبير، وقد يصبح الأمر موضعًا للتساؤل ما إذا كان السبب يرجع إلى مواهبهم الفطرية أو التعليم أو مزيج من كليهما. ولكن هناك شيء واحد يُتقنه جميع الأطفال على نحو مثير للدهشة -بغض النظر عن مدى جَودة أو سُوء مُعلّمِيهم- وهو تعلّم اللغة.  

قد لا يبدو للوهلة الأولى أنّ تعلّم الأطفال لِلُغة ما رائعًا إلى هذا الحدّ -فهم جميعًا يفعلون ذلك وتقريبًا في ذات الوقت عندما يكونون صغارًا. ولكن عندما تُفكر في مدى صعوبة تعلّم لغة ثانية بالنسبة لشخص بالغ، نلاحظ أنّ السهولة التي يتعلم بها الأطفال الصغار البنية المعقدة لِلُغة ما هي أمرٌ استثنائي ورائع. 

أمضت (إليزا نيوبورت) أستاذة بكلية جورج إيستمان للدماغ والعلوم الإدراكية واللغويات بجامعة روتشستر- مسيرتها المهنية مُحاولةً فهم كيف يصبح الأطفال خبراء في تعلم اللغات، بل وحتى مُبتكرين. وتقول بأنه يمكن للأطفال أن يكونوا قوة دافعة في تغيير وتشكيل اللغات. وفي محاضرة لها بعنوان، كيف يُشكّل الأطفال اللغة: اكتساب اللغة مع ظهور لغة الإشارة واللغة المنطوقة؛ ناقشت (نيوبورت) بحثها حول تكوين اللغة وتعلّمها، مع إبرازها الوسيلة الفريدة التي حَظيت باستخدامها وهي لغات الإشارة. كانت اللغات المحكية موجودة منذ فترة طويلة ولكن لغات الإشارة جديدة نسبيًّا؛ وقد حَظيت (نيوبورت) وزملائها بمشاهدة نشأة إحدى لغات الإشارة وبالتحديد في نيكاراجوا في الثمانينيّات. وكانت هذه المحاضرة جزءًا من سلسلة محاضرات المعاهد الوطنية للعلوم السلوكية والاجتماعية.

من المهم أنْ نلاحظ أنّ لغات الإشارة والتي من ضمنها لغة الإشارة الأمريكية تُساوي بالكامل اللغات المحكية فيما يخص التراكيب النحوية والتعقيدات والتنوع الجغرافي واستعمالها بنى دماغية نفسها التي تستخدمها اللغات المحكية. وتُوضح (نيوبورت) بأن اكتساب اللغات البشرية لا يتغير، بصرف النظر عمّا إذا كانت اللغة منطوقة أو لغة إشارة. 

وتُعدّ لغات الإشارة مِحور اهتمامٍ لعلماء اللغويات التنموية، وذلك لأنها تمنحهم الفرصة النادرة لمراقبة لغة ما من الصِّفر وأيضًا كيفية تعلّم الأطفال لِلُغة جديدة. وبحسب ما اكتشفت زميلات (نيوبورت) وهما (آن سينغاس) من كلية بارنارد و(ماري كوبولا) من جامعة شيكاغو؛ فقد تبيّن أن لغة الإشارة النيكاراجوية كانت الأمثل لدراسة هذه الحالة. 

تاريخيًّا، عُزل الناس الصّم في نيكاراجوا عن بعضهم البعض ولم يَحظوا بأي تعليم. وبعد الثورة الساندينية في بداية الثمانينيّات، أُنشئت أول مدرسة للصّم في ماناغوا وتَمكَّن الصُّم وللمرة الأولى من الاندماج والاختلاط. كانت فصولهم الدراسية باللغة الإسبانية المنطوقة فلم تكن ذات أيّة فائدة لهم، ولكن ما حدث فيما بعد كان مُدهشًا؛ إذ بدأ الصّم في التحاور فيما بينهم باستخدام إشارات محليّة وأَسَّسُوا لاحقًا نظام لغة إشارة مُبسطة. لا تُعدّ اللغات المبسطة (pidgins) لغات كاملة، ولكنها تؤدي إلى لغة الكريول (creole) والتي هي أكثر تعقيدًا من الناحية النحويّة وتُزوّد اللغات بآلية للتوسع والتشكّل. 

وثُمّ جاء جيلٌ ثانٍ من الصّم وكان الاختلاف ملحوظًا؛ فقد كان الأطفال أسرع عند استخدامهم لغة الإشارة وكانوا أكثر تنظيمًا مكانيًّا وأقرب إلى لغة الإشارة الكاملة. وعلى الرغم من النموذج السيء الذي كان لديهم وهو لغة الإشارة المبسطة، فقد تمكن الأطفال من إضافة التراكيب النحوية وتنظيم التناقضات ليُشكلوا بذلك لغةً أكثر تعقيدًا من تلك التي أُعطيت إليهم. وهذه القدرة على تجاهل المُعطيات الضعيفة  قد برهنتها (نيوبورت) في المختبر.

وفي سلسلة من التجارب مع الأطفال الصّم ممن لديهم آباء سليمي السمع، وَجدت (نيوبورت) أنه على الرغم من ضعف استخدام الآباء للغة الإشارة -إذ إن معظمهم تعلموا لغة الإشارة الأمريكية متأخرًا فلم يتمكنوا من إتقانها تمامًا- فقد تجاهل الأطفال أخطاء آبائهم وكان استخدامهم للغة الإشارة صحيحًا معظم الوقت. وكانت هناك حالة مقنعة وهي لِأمٍّ كان استخدامها للغة الإشارة صحيحًا بنسبة 15% من الوقت ولكن بلغت نسبة ابنتها 80%، وكانت الأم هي النموذج للّغة الأساسية. لقد كان الأمر مُذهلًا! لأنه بالنظر إلى البالغين الذين يتعرضون لنماذج تعليمية سيئة فَهُمْ يفعلون ما هو أسوأ بكثير. وتقول (نيوبورت) أنّ الأطفال لا يتعلمون دومًا ما يتلقونه، وتُضيف بأنه في مثل هذه الحالة يكون تجاهل مُعلمك أمرًا جيدًا.

أما الظاهرة الأخرى فقد كانت في الفترة الحاسمة المعروفة؛ فلا تزال الحدود الدقيقة لهذه المرحلة التطوريّة قابلة للنقاش ولكنّها عمومًا تمتدّ من مرحلة الولادة إلى سنّ السادسة أو السابعة. بعد ذلك وحتى مع أقصى درجات التعرض للّغة؛ لا يتعلّم الأطفال اللغة بذات الجَودة، وينطبق هذا الأمر على اكتساب اللغتين الأساسية والثانية. وكانت قد أجرت (نيوبورت) دراسات تبحث في اكتساب اللغة الثانية عند الأطفال والبالغين سليمي السمع، وكان أداء الأطفال يفوق البالغين باستمرار. وتُناقش (نيوبورت) أنّ هذا لا يعني عدم قدرة البالغين لتعلّم لغة ثانية ولكنّهم كانوا أكثر تفاوتًا، في حين أنّ الأطفال يُتقنونها بامتياز. واتضح أنّ هذه العلاقة المُوازية بين العُمر والكفاءة موجودة أيضًا عند مُستخدمي لغة الإشارة؛ فقد كان الصغار من مُستخدمي لغة الإشارة الأمريكية الأصليين أفضل من الكبار عند أدائهم في مهام القواعد النحويّة، حتى وإنْ تعرضت كلتا المجموعتين إلى القدر نفسه من اللغة. 

وتضيف (نيوبورت) وزملائها بأنّ جميع الأطفال موهوبين عندما يتعلق الأمر بالتعلّم؛ وفي ظروفٍ قاهرة يقومون باختراع لغة، ويفعلون ذلك عندما يكون نموذج التعلّم لديهم هو لُغةً مُزيّفة وعندما لا يُجِيدُ آبائهم اللغة بطلاقة. وأحرز الباحثون خُطى مُهمّة في سنّ قوانين وقواعد لغات الإشارة، ويُمكن تحسينها في المرحلة الحاسمة فقط من اكتساب كلًّا من لغات الإشارة والمحكية. وتُخطط (نيوبورت) لإجراء بُحوث مُستقبليّة تركز على الإحصائيات النظاميّة للّغة المُكتسبة طبيعيًّا وكذلك لفهم القيود والانحياز في هذه العمليات الحسابيّة والتي قد تُسبب في ظواهر مثل ظاهرة الكريول (لغات ذات نظام لغوي معقد يساهم في تطوير اللغة السائدة). 

وختامًا، قد يكون باستطاعة البالغين حلّ مسائل رياضيّة أو تبسيط شرح النظرية النسبيّة، ولكن حين يتعلق الأمر بتعلّم اللغات، فالأطفال هُم الأبطال.

المصدر: 

هنا;

هنا

هنا