الرياضيات > الرياضيات

الإثباتات الرياضية ليست مجرد تمرين ذهني

كيف يمكننا إثبات شيء ما؟ 

في البداية دعونا نعرِف ما الإثبات؟

لغويًّا هو تأكيد شيء ما، وتستخدم كلمة "إثبات" على نحو نادر مصحوبة بحذر شديد؛ فالعلماء يؤمنون أنَّ العالم مليء بالمفاجآت، وما يبدو صحيحًا ينطوي أحيانًا على استثناءات.

ففي المحاكم القضائية، عادةً ما يتضمن الإثبات مذكرة قانونية؛ ففي القضايا المدنية على سبيل المثال، تحتوي المذكرة على عبارات مثل "بموازنة الاحتمالات، نجد أنه..."، أما في القضايا الجنائية فنجد عبارات مثل: "دون أدنى شك، نستخلص أن...".

وبالنظر إلى الرياضيات فلا يمكن استخدام العبارات السابقة، إذ إن الإثبات الرياضي يتغلب على أي شكوك، وهذا ما يمنح الرياضيات جمالها المعروف.

بين الإثبات الرياضي والتخمين

قد تعلمنا جميعًا في المدرسة أنَّ مربع طول الضلع الأطول (الوتر) في المثلث القائم يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين الآخرين، وإذا استخدمت قطعة ورق ومسطرة وآلة حاسبة، فستجد أنَّ هذه الفرضية صحيحة. يمكنك تطبيق هذه المبرهنة على آلاف المثلثات القائمة وستجد أن المبرهنة صحيحة لكل منها. 

وهنا يظهر تساؤل: "هل تنطبق مبرهنة (فيثاغورث) على أي مثلث قائم الزاوية مهما كانت أطوال أضلاعه؟".

حتمًا لا يمكن قياس كل المثلثات القائمة الموجودة، ما يعنى أن طريقة "المسطرة والآلة الحاسبة" لا يمكن استخدامها في إثبات مبرهنة (فيثاغورث).

يقول د. نيك بياتون (Nick Beaton): "يمكن للمرء أن يؤدي العديد من الاختبارات على فرضية رقمية، ويلاحظ المخرجات في كل مرة، ما يمكنه من الخروج باستنتاج معين، ويظن أنه صحيح". ويستكمل د. بياتون كلامه قائلًا: "ولكن ما سبق لا يمكن تسميته بـ "إثبات رياضي"، إذ إنَّ الإثبات الرياضي هو عبارة عن عرض منطقي، يظهر فيه أنَّ شيئًا معينًا يحدث دائمًا بالنظر إلى قيم معينة للمتغيرات".    

فبدون وجود إثبات رياضي- يخضع للتعريف السابق- فإن هذا يجعل من مبرهنة كمبرهنة (فيثاغورث) مجرد تخمين. 

ويقول د. دي جيير (De Gier): "إن التخمين في الرياضيات هو نتيجة لملاحظات مكثفة، ويؤمن الجميع بصحتها، إلا أنه لم تُثبت على نحو منطقي دقيق. إذ يمكن أن توجد العديد من الدلائل الرقمية والتي تثبت وبقوة فرضية معينة، ولكن لا يمكنها أن ترتقي إلى مرتبة الحقيقة دون أدنى شك. وينطبق هذا على فرضية ريمان Riemann لإيجاد أصفار الدالة زيتا (Zeta function)، والتي تحقق منها للـ 10,000,000,000,000 (عشرة تريليون) حالة الأولى، إلا أنَّ برهان الحالات جميعها لا يزال مجهولًا، ويستحق جائزة المليون دولار. وإثبات فرضية ريمان يلقي الضوء على العديد من الألغاز التى تحيط بالأرقام الأولية. فأحيانًا يكون هناك تخمين مقنع وقوي جدًّا، ولكن عندما يخضع لعملية إثبات رياضي دقيق، سرعان ما يظهر عدم صحة التخمين".

وكمثال على كلام د. دي جيير فهناك تخمين (أويلر – Euler)، فقد صمدت صحة هذا التخمين لمئات السنين، وفي النهاية أُثبِتَ عدم صحته. 

 

الإثبات الأول: كيف استطاع فيثاغورث إثبات فرضيته؟

وبالعودة لمبرهنة (فيثاغورث)؛ فإن الصيغة كانت موجودة قبل مجيء فيثاغورث نفسه. ولكن فيثاغورث هو من قدم أول إثبات لها.

ولكي يثبتها، اعتمد على حقيقة غير قابلة للجدل وهي: أنَّ أي مثلث قائم الزاوية يمكن تكوينه باستخدام مربعين، أحدهما داخل الآخر، وبشرط أن تلمس أركان المربع الداخلي أضلاع المربع الخارجي. 

المربع الداخلي طول ضلعه c، أما الخارجي فطول ضلعه (a + b). أما المثلث الذي يتشكل فأطوال أضلاعه هي a و b و c كما هو موضح في الشكل. 

وبمجرد تغيير زاوية ميل المربع الداخلي تتغير أطوال الأضلاع (a، b، c) تباعًا.

بيَّنَ فيثاغورس أنه وبإعادة ترتيب المثلثات داخل المربع فإن المساحة، ذات اللون الأبيض، والتي مقدارها c2 في المخطط العلوي، تصبح مربعين، أحدهما مساحته a2 والآخر مساحته b2 ولذلك فإنَّ c2 ومهما تكن الأبعاد المستخدمة فإنها تساوي دائمًا a2 + b2.

ومنذ فيثاغورث، استمر العلماء وعلى مر التاريخ في تقديم إثباتات للمبرهنة. وفي العام 1940م نشر عالم الرياضيات أليشا سكوت لوميس (Elisha Scott Loomis) مجموعة جميع الإثباتات الرياضية لمبرهنة (فيثاغورث).

الإثبات الثاني: هل هناك وجود لحد حرج في التوتر السطحي للامتزاز(*) فى البوليمرات؟

في عام 2018 م مُنحت جائزة جافين براون (Gavin Brown) من قبل الجمعية الرياضية الأسترالية The Australian Mathematical   Society لكل من د. بياتون والبروفيسور دي جيير وآخرين، عن إثبات رياضي قدموه في العام 2015م لوجود حد حرج للتوتر السطحي للامتزاز فى البوليمرات. 

استخدم الفريق الفائز تمثيلًا رياضيًّا للبوليمير، يدعى (التجنب الذاتى للمشي – Self-avoiding Walk) وهي أشياء تستخدم في فرع من الفيزياء الرياضية يدعى الميكانيك الإحصائي (Statistical Mechanic). 

يقول البروفيسور جوتمان: "إنَّ التجنب الذاتي للمشي هو مشي على شعرية (شبكة) - في كثير من الأحيان شعرية مربعة أو شعرية بشكل خلية نحل- حيث لا يمكنك تتبع أي من الخطوات التي اتخذتها".

بمعنى أن الحركة على سطح الشعرية تكون بزيارة أي مكان فيها مرة واحدة فقط. وقد تطلب إثبات التخمين الخاص بهذه الظاهرة عملًا طويلًا وشاقًّا واعتمادًا على التجربة والخطأ. 

كانت لحظة الاكتشاف الرائعة في مبرهنة (فيثاغورث) هي في تمثيل المثلث بواسطة مربعين بداخل بعضهما. ولكن الإثبات الثاني تطلب إيجاد أفضل طريقة رياضية للتعامل مع العشوائية الخاصة بهذه الظاهرة. 

وقد حاول الكثيرون إثبات الظاهرة الثانية ولكن الفشل لازم الجميع، مما تطلب إيجاد طريقة جديدة، ولكن الغموض كان في ماهية هذه الطريقة الجديدة التي ينبغي استخدامها للوصول إلى الإثبات الرياضي.        

وختامًا، يتضح لنا مما سبق أن الإثباتات الرياضية ليست مجرد نشاط ذهني، وإنما كل إثبات يعرفنا الكثير عن الطبيعة حولنا. حيث إنه من الجيد أن يمتلك المرء شغف معرفة ما حدث وكيف حدث و أين حدث. ولكن من الممتع أكثر معرفة السبب المنطقي الدافع للأحداث. وهذا المنطق يعطينا البصيرة عن لماذا حدث شيء ما وكيفية حدوثه. 

(*) الامتزاز: ويطلق عليه أحيانًا "الادمصاص"؛ هي ظاهرة كيميائية تحدث عندما تتراكم جزيئات مائع ما (يسمى الممتز) على سطح مادة صلبة (تسمى الماز). مما يجعل الجزيئات تتكون كطبقة متراكمة على السطح الصلب. ويختلف الامتزاز عن الامتصاص، إذ إن الأخير يعبر عن انتشار جزيئات المادة في السائل مكونًا محلولًا.   

المصدر:

هنا