الهندسة والآليات > كيف تعمل الأشياء

كيف يعمل جهاز الرنين المغناطيسي؟

لنتخيل أنك شعرت في أحد الأيام بالألم في ركبتك ثم ذهبت إلى الطبيب، وطلب منك فحصها بجهاز الرنين المغناطيسي، لا تقلق، لن تذهب وحدك، فنحن سنصحبك خلال الفحص، ونسليك بشرح ما يحدث خلاله.

ذهبت في موعد الفحص، وطلب منك الفني المسئول ترك أي متعلقات معدنية خارج الغرفة حفاظاً على سلامتك، فتركت هاتفك المحمول والمفاتيح والساعة(1). ثم دخلت إلى الغرفة، ستشاهد جهازاً ضخماً يزن عدة أطنان، وبه إسطوانة أفقية مفرغة من الداخل(2)، سيطلب منك الفني الإستلقاء على طاولة متحركة متصلة بإسطوانة الجهاز، ووضع جزء من الجهاز حول ركبتك، ثم سيتم تحريك الطاولة حتى تكون ركبتك في منتصف طول الإسطوانة (1).

أنت الآن داخل إسطوانة تحوي ملفاً كهربياً ضخماً يقوم بدور المغناطيس الرئيسي، من خلال إستغلال تولد مجال مغناطيسي حول أي جسم عند مرور تيار كهربي من خلاله، ويولد الملف مجالاً مغناطيسياً شديد القوة يصل إلى 30000 جاوس، أي 60000 ضعفاً للمجال المغناطيسي الذي تولده الأرض(2)، كما تحوي الإسطوانة أيضاً ثلاث ملفات ثانوية أصغر حجماً من الملف الرئيسي، كما أنها أضعف من المغناطيس الرئيسي، إذ تولد مجالات مغناطيسية تتراوح شدتها بين 180 و 270 جاوس(1). أما ما تم وضعه حول ركبتك فهو جهاز إرسال وإستقبال موجات راديو(2)، لكن ليس لسماع محطتك المفضلة، بل لوظيفة أخري ستعرفها خلال السطور القادمة.

Patient:المريض

Magnet:الملف الرئيسي

Gradient coils:الملفات الثانوية

Radio Frequency coil:جهاز إرسال و استقبال موجات الراديو

Patient table:الطاولة

MRI scanner cutaway:مقطع لجهاز الفحص بالرنين المغناطيسي

scanner:الجهاز

يقوم الفني بتشغيل الجهاز، فيسري التيار الكهربي في الملف الرئيسي، منتجاً المجال المغناطيسي الضخم الذي ذكرناه سابقاً، لن تشعر بشئ، لكن ذلك لا يعني أن جسمك لن يتأثر به، فالجسم يحتوي على نسبة كبيرة من الماء، والماء يحتوي على ذرات الهيدروجين، نواة ذرة الهيدروجين تحوي بروتون يدور باستمرار في اتجاهات عشوائية، مولداً مجالاً مغناطيسياً حوله، لذلك يمكن تخيل ذرة الهيدروجين كمغناطيس صغير؛ وعندما تتعرض تلك الذرات لمجال مغناطيسي قوي، كذلك الذي يتم توليده بواسطة المغناطيس الرئيسي في الجهاز، فإن نصف عدد الذرات تقريباً يقوم بالانتظام في إتجاه المجال المغناطيسي باتجاه رأس المريض على سبيل المثال، والنصف الآخر في الإتجاه المعاكس، بإتجاه أقدامه(2)، ولكن لأن عدد الذرات المتجهة في الإتجاه الأول ليست متساوية بالضبط مع الذرات المتجهة للاتجاه المعاكس، فإن هناك عدد ضئيل جداً من الذرات لا يكون له نظير في الإتجاه الآخر، حوالي ذرتين كل مليون ذرة، وتلك هي الذرات التي يراها الجهاز، وهنا يأتي دور موجات الراديو، التي يتم إرسالها بتردد معين لإستهداف ذرات الهيدروجين. فعند إطلاق الموجة تقوم البروتونات بإمتصاص الطاقة منها فتغير إتجاهها إلى الناحية الأخرى، فبدلاً من الإتجاه إلى رأس المريض تصبح متجهة إلى قدميه على سبيل المثال. وعند إنتهاء الإرسال تعود البروتونات إلى إتجاهها السابق، مطلقةً إشارة بقوة معينة، يستقبلها جهاز الإستقبال، ويتم ترجمة تلك الموجات إلى صور بواسطة الكمبيوتر.(1) 

ويمكنك تصور العملية بشكل أفضل من خلال الرابط التالي هنا

في البداية تدور الذرات بشكل عشوائي حتى يبدأ تشغيل المجال المغناطيسي، لتشغيل المجال المغناطيسي اضغط على ON، ثم سيظهر إصطفاف الذرات في اتجاه المجال المغناطيسي أو الإتجاه المعاكس، وعند الضغط على RF Pulse، تنطلق موجات الراديو من جهاز الإرسال لتقوم بتغيير إتجاه الذرتين اللَتين لا نظير لهما في الإتجاه الآخر، وعند إنتهاء موجات الراديو تعود الذرتان إلى الوضع الأول لكن بعد إطلاق إشارات يلتقطها جهاز الإستقبال.[2]

ولتكوين الصور التي ستستلمها بعد إنتهاء الفحص، يقوم الجهاز بمسح نقطة معينة في الجسم، ويسألها ما نوعك؟ ثم تأتيه الإجابة من خلال الإشارة التي ترسلها الذرات، ،وكلما زادت كثافة الذرات في تلك النقطة، زادت قوة الإشارة، وبالتالي تصبح تلك النقطة في الصورة التي يرسمها الحاسوب أفتح لوناً، والعكس صحيح، ثم ينتقل إلى نقطة أخرى، وهكذا حتى يرسم صورة ثنائية الأبعاد لمستوى معين من الجسم، وتتلون الأنسجة المختلفة في الصورة بدرجات مختلفة من اللون الرمادي، فعلى سبيل المثال، تظهر الدهون بدرجة أفتح من العظام في الصور بسبب إحتوائها على نسبة مياه أعلى، وبالتالي عدد أكبر لذرات الهيدروجين، الوضع إلى حد كبير يشبه طابور الحضور في المدرسة، إذ يسأل المدير (جهاز الراديو) كم طالباً (ذرة هيدروجين) حاضراً في الفصل الفلاني (النقطة التي يفحصها الجهاز)، فيرد الطلبة في صوت واحد (الإشارة الصادرة من الذرات)، فيسمعهم المدير ويسجل عدد الحاضرين من الفصل في دفتره، وهو يعلم أن علو الصوت (قوة الإشارة) يتناسب مع عدد الطلاب في هذا الفصل، ويسجل ذلك في دفتره (الصورة)، ثم ينتقل إلى فصل آخر مكرراً نفس العملية حتى ينتهي من رسم صورة كاملة، وبعد الإنتهاء من مسح شريحة معينة من الجسم، ينتقل إلى الشريحة التي تليها، وهكذا يتم تصوير مستويات مختلفة من الجسم بالتفصيل.(2)

كيف نستهدف ذرات الهيدروجين في نقطة محددة دون غيرها؟

لكي نستطيع رسم نقطة معينة في الجسم، فإننا يجب أن نستهدف الذرات الموجودة بها فقط، حتى نستطيع تحديد درجتها في الصورة كما أوضحنا سابقاً. وقد اتضح أنه عند تشغيل وإطفاء الملفات الكهربية الثانوية بترددات معينة، بالتوازي مع تشغيل المجال المغناطيسي الرئيسي، فإن بإستطاعتها تغيير قيمة المجال المغناطيسي في نقطة معينة لتصل إلى القيمة المطلوبة، ولأن التردد المطلوب لموجات الراديو لتحفيز ذرات الهيدروجين يعتمد على قيمة المجال المغناطيسي المتواجدة به الذرات، فعند تغيير المجال المغناطيسي في تلك النقطة يمكننا إرسال موجات بترددات تستهدف الذرات في تلك النقطة فقط دون غيرها، وبالتالي إستقبال إشارة من تلك النقطة فقط، وتحديد الأنسجة الموجودة بها، وهكذا يتم تغيير قيمة المجال المغناطيسي في كل نقطة لدراستها، بمساعدة الملفات الثانوية، وإرسال موجات راديو بالترددات المطلوبة، ثم إستقبال الإشارة العائدة من الذرات وتسجيلها بواسطة الكمبيوتر، وبالمناسبة فإن سبب الضجيج الصادر من الجهاز الذي يكاد يدفعك الآن إلى حافة الجنون، هو سريان الكهرباء في الملفات الثانوية، عند تشغيلها و إطفائها بترددات مختلفة لتنفيذ تلك الوظيفة.(1) و(2)

بعد إنتهاء الفحص الذي يستغرق مدة طويلة نسبياً، ستقوم بإستلام الصور التي أصدرها جهاز الرنين المغناطيسي، لكن ستلاحظ وجود لقطات متعددة لركبتك، ومن إتجاهات مختلفة، حيث يقوم الجهاز بتصوير شريحة من جسمك، وعندما ينتهي منها سيقوم بتصوير شريحة أعلى بعدة مليمترات، وهكذا حتى ينتهي من تصوير كل مستويات ركبتك، ويقوم الجهاز بفعل ذلك في ثلاث إتجاهات مختلفة، عمودياً، من الأسفل إلى الأعلى، وجانبياً، من اليمين إلى اليسار، وعمقاً من الأمام للخلف.(1)

وبذلك يغني الفحص بالرنين المغناطيسي عن التدخل الجراحي لفحص الجسم من الداخل والذي كان الحل الوحيد المتوفر من قبل، فهو بالقدرة على فحص الأنسجة الرخوة بالجسم، مثل: الأربطة وأعضاء الجسم والجهاز الدوري بدقة عالية وبدون الإضرار بكيمياء الجسم، بعكس أنواع الأشعة الأخرى، لذلك يجب علينا أن نشعر بالإمتنان تجاه ذلك الجندي المجهول، الذي ساهم في إنقاذ آلاف الحيوات منذ إختراعه.(1)

المصادر:

1- هنا

2- هنا