الهندسة والآليات > منوعات هندسية

مشبك الشبكات العصبية المثالي للذكاء الصنعي

ما أفضل نوع من الأجهزة التي يمكنك عن طريقها إنشاء شبكة عصبية؟

بالطبع، يجب أن تكون سريعة وصغيرة وتستهلك القليل من الطاقة ولديها القدرة على تخزين العديد من المعلومات بموثوقية. وإذا كانت ستُعلَّم مَهمات جديدة -إضافة إلى أداء المَهمات السابقة- فيجب عليها التصرف على نحو متوقع في أثناء عملية التعلم.

تعرّف الشبكات العصبية بوصفها مجموعة من الخلايا المتصلة بخلايا أخرى، وتحتوي هذه التوصيلات -المرادفة لنقاط الاشتباك العصبي في الخلايا العصبية البيولوجية- على نقاط قوة خاصة (الأوزان المرتبطة بها). وعوضًا عن استخدام المنطق والذاكرة الخاصة بوحدات المعالجة المركزية العادية لتمثيلها، يعمل الباحثون الأكاديميون والشركات على طرائق لتمثيلها في مصفوفات باستخدام مختلف الأنواع من الذكريات غير المتطايرة، ويمكن بهذه الطريقة إجراء الحسابات الرئيسة دون الحاجة إلى نقل أية بيانات.

إن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستندة إلى ذاكرة الوصول العشوائي المقاومة resistive RAM وذاكرة الفلاش وذاكرة MRAM وذاكرة تغيير الطور جميعها لا زالت تؤدي مَهماتها، ولكن؛ كلُّها لها حدودها. وفي بداية شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2018 في اجتماع IEEE الدولي للأجهزة الإلكترونية في سان فرانسيسكو؛ طرح الباحثون بعض المرشحين الذين قد يؤدّون المَهمة على نحو أفضل.

وقد كانت أول هذه الأجهزة ذاكرةَ الوصول العشوائي الكهروكيميائية (ECRAM) التي تُعدّ آخر مساهمات شركة IBM فيما يخص أساس المشبك المثالي. وتتشابه مع ذاكرة تغيير الطور وذاكرة RRAM من حيث عملية تخزين المعلومات كالتغيير في السماحية (التوصيل الكهربائي أو الناقلية)، ولكن؛ خلافًا لهذين النوعين -اللذين يُبنيان عادةً لتحقيق حالتين أو أكثر بقليل- بُنِي ECRAM لتحقيق عشرات الحالات أو حتى المئات.

وتبدو خلية ECRAM شبيهة بالترانزستور CMOS؛ إذ تقع البوابة فوق طبقة عازلة تغطي قناة شبه موصلة واثنين من الأقطاب الكهربائية (المصدر والمصرف).

توضّح الصورة التالية

ترجمة المفردات: البوابة(Gate)-الأساس(Substrate)-المصدر(S:Source)-المصرف(D:Drain)

ويتكون العازل الكهربائي في خلية ECRAM من المركب الكيميائي Lithium Phosphorous Oxynitride وهو محلول كهربائي ذو حالة صلبة يُستخدَم في بطاريات الليثيوم أيون التجريبية الرقيقة. ويُصنَع الجزء الذي يكوّن قناة السيليكون في الترانزستور CMOS من ثالث أكسيد التنغستن الذي يُستخدم في النوافذ الذكية وأمور أخرى.

ولضبط مستوى المقاومة ("وزن المشبك" في مصطلحات الشبكات العصبية) يجب أن تنشئ تيارًا عبر أقطاب البوابة والمصدر، وعندما تكون هذه النبضة ذات قطبية واحدة فإنها تقود أيونات الليثيوم إلى طبقة التنغستن؛ مما يجعلها موصلة أكثر، أما عندما تعكس القطبية فتعود الأيونات مرة أخرى إلى فوسفات الليثيوم وتقل السماحية.

ولا تتطلب قراءة وزن المشابك إلا تسليط الجهد بين أقطاب المصدر والمصرف واستشعار التيار الناتج فقط. ويُعدّ فصل مسار قراءة التيار عن مسار إنشاء التيار أحدَ مزايا ECRAM، كما يقول جيانشي تانغ Jianshi Tang الباحث في مركز بحوث ت.ج.واتسون التابع لشركة IBM.

كذلك تنشئ ذاكرتا تغيير الطور والمقاومة السماحيةَ وتقيساها عن طريق تمرير تيار عبر المسار نفسه. لذا؛ قد تتسبب عملية قراءة الخلية في انجراف (تسريب) سماحيتها.

وقد قدمت مجموعة أخرى من IBM حلًّا لمشكلة الانجراف هذه في مؤتمر IEDM؛ إذ تحتوي خلية ذاكرة تغيير الطور على بنية تحرف مسار تيار القراءة، دون السماح لها بإعادة كتابة الخلية.

واستخدمت IBM بيانات من خلية اختبارها لمعرفة مدى دقة الشبكة العصبية المصنوعة من مجموعة من هذه الخلايا. وعند استخدام قاعدة بيانات MNIST  للأرقام المكتوبة بخط اليد بوصفها اختبارًا، وصلت دقة هذه الشبكة العصبية إلى 96٪ (قريبة من المثالية)؛ إذ حاولوا في البداية تحسين الدقة بمضاعفة عدد حالات التوصيل الكهربائي التي يمكن للخلية تحقيقها إلى 110، ولكنها لم تنجح. وعلّق تانغ قائلًا: "قد فوجئنا أنّ الدقة لم تتحسن".

بعد ذلك، اكتشف فريق IBM أنّ العائق كان متمثلًا بعدم تناسق طفيف في السماحية بين كيفية صعودها إلى قمتها وانحدارها. ويعني التناظر المثالي أنّه يجب على نبضة التيار أن تغيّر السماحية بمقدار معين، ومن ثم يجب أن تعيد نفس النبضة بقطبية تعاكس السماحية إلى نقطة البداية. علمًا أنّ ECRAM يمتلك تناسقًا جيّدًا -مقارنة بالذاكرات الغير متطايرة الأخرى- ولكنه ليس مثاليًّا.

وإنّ قطع عدم التناظر هذا من النصف هو كلُّ ما يلزم لإعطاء الشبكة العصبية أفضل دقة ممكنة. ووفقًا لأبحاث الفريق؛ من المؤكد أنّ مثل هذا الشيء ممكن عن طريق ضبط النطاق الديناميكي للجهاز.

كذلك أظهر فريق IBM أنّه يمكن تقليص حجم ECRAM إلى الحد الذي تصل فيه القناة الموصلة إلى 100 نانومتر فقط -مقارنةً بالنسخة الأولية التي كان حجم قناتها 60 ميكرومتر-، لذا؛ تحتاج خلية ECRAM إلى 1 فيمتو جول (1*10-15 جول) من الطاقة لتغيير الحالات؛ أي مقدار الطاقة المستهلكة نفسه تقريبًا في مشبك الخلايا العصبية البشرية. ويقول تانغ: "بالطبع ليست مثالية؛ إذ لا تزال هناك العديد من التحديات لتنفيذ مصفوفات عصبية باستخدام ال ECRAM خاصتنا".

ولم يكن ECRAM المشارك الوحيد في مؤتمر IEDM (الاجتماع الدولي المختص بالأجهزة الإلكترونية) هذا العام؛ إذ قدمت مجموعة من جامعة بوردو الأمريكية Purdue University بقيادة البروفيسور Peide Ye جهازًا مصنوعًا من أسلاك الجيرمانيوم النانوية والمواد الفرايتية Ferroelectrics 

(مادة تظهر استقطابًا كهربائيًّا دائمًا يختلف في القوة حسب المجال الكهربائي المطبَّق)

وتوضح الصورة التالية 

إضافةً إلى ذلك، تظهر المواد الفرايتية استقطابًا كهربائيًّا قويًّا عند الاستجابة لجهد ضئيل. ويأمل الباحثون في خفض الجهد اللازم لتشغيل الترانزستور عن طريق وضع مادة فرايتية في بوابة الترانزستور، وذلك من أجل خفض استهلاك الطاقة.

ويمكن تخزين المعلومات في المواد الفرايتية أيضًا عن طريق تغيير قطبية أجزاء من المادة، وبذلك يتغيّر التيار الذي يمر عبر الترانزستور لجهد معين. وقد أنجزت مجموعة "Ye" هذا الأمر عندما أنتجت جهازًا قادرًا على أكثر من 256 حالة ناقلية أو سماحية، بل أكثر من ذلك؛ إذ يمكن أن تتحكم بتلك الحالات صعودًا وهبوطًا بتناسق مقبول. كذلك بلغت شبكة محاكاة معالجة التحدي بخط اليد MNIST دقةً قدرها 88%.

إنّه لا حاجةَ إلى التماثل ومئات الحالات الموصلة إذا لم تكن الشبكة العصبية بحاجة إلى تعلم أي شيء. ولكن؛ قد ترغب في أن ينجز الذكاء الصناعي كثيرًا من الأشياء في حياتك اليومية مثل عمل جهاز صنع القهوة الخاص بك أوتوماتيكيًّا بعد سماع كلمة "استيقاظ"، إضافة إلى تعلم القيام بوظائفها في وضع عدم الاتصال؛ إذ تُحمَّل مجموعة الأوزان والوصلات العصبية اللازمة لإنجاز هذه المَهمة على شريحة خاصة منخفضة الطاقة مدمجة في جهاز صنع القهوة.

وتسعى العديد من الشركات الناشئة إلى حجز مكان لها لتقديم شرائح "الاستنتاج" هذه أو التكنولوجيا التي تقف وراءها، ويعتمد بعضهم على استخدام خلايا الذاكرة لتخزين كل من قيم الوزن وإجراء حسابات التعلم العميق، فعلى سبيل المثال؛ تستخدم شركات Syntiant وMythic وAnaflash ذاكرةَ فلاش مدمجة للمعالجة.

كذلك اخترع مجموعة من الباحثين -من جامعة نوتردام في ولاية إنديانا ومختبرات سامسونج Advanced Logic Labs في أوستن الكائنة في تكساس- نوعًا جديدًا من خلايا الذاكرة لرقائق الذكاء الصناعي المدمجة التي تدعى "FeMFET"؛ إذ أراد Kai Ni -باحث ما بعد الدكتوراه من جامعة Notre Dame- تحسين سجل FeFET في تطبيقات الذكاء الصناعي، فقد كان يعاني الجهدَ العالي للكتابة في الأوزان؛ مما أدى إلى مشكلات الموثوقية. وكان الحل يكمن في تحريك الطبقة الفرايتية من الترانزستور لتشكّل مكثفًا منفصلًا يقع فوق الترانزستور.

وتأخذ عملية كتابة الأوزان في FeMFET -التي يمكن أن تحتفظ باثنين من البتات- أقلَّ من نصف الجهد المبذول في النماذج الفرايتية السابقة للذكاء الصنعي، ولكن؛ يستغرق الأمر وقتًا طويلًا في الوقت الحالي. ويقول "Ni": "إن العائق الوحيد حاليًّا هو سرعة الكتابة التي لا نعتقد أنها جوهرية للخلية، وهو أمرٌ يمكن تحسينه".

وأخيرًا؛ قد لا يوجد مشبك مثالي للرقائق العصبية وأجهزة التعلم العميقة حاليًّا. ولكن؛ يبدو واضحًا عن طريق المجموعة المتنوعة من النماذج التجريبية الجديدة -التي قُدِّمت في مؤتمر IEDM مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 2018- وجودَ مستقبل مشرق لهذا المجال.

المصادر:

1- هنا

2- هنا