كتاب > الكتب الأدبية والفكرية

مراجعة كتاب "كيف تموت الديمقراطيات": الموت عن طريق صناديق الاقتراع

يناضل الأكاديميون والمحلِّلون السياسيون في الشرق والغرب لفهم حالة تراجع الديمقراطية في العالم، وحين يتولَّى رئاسة واحدة من أنجح نماذج الديمقراطية في العالم وأقدمها من كان "نجمًا تلفزيونيًّا" لا يفقه شيئًا في السياسة، ولا يحترم قيم الديمقراطية ويَصِف منتقديه بالخونة، فحينئذٍ علينا أن نبدأ بالقلق وأن نسعى إلى البحث في أسباب انحسار الديمقراطيات بجدية، وقد قدَّم الأستاذان والباحثان في جامعة هارفارد ستيفن ليفتسكي "Steven Levitsky" ودانيال زبلات "Daniel Ziblatt" في كتابهما الجديد "كيف تموت الديمقراطيات" -والذي لاقى رواجًا كبيرًا ووُضِع على قائمة أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز- تحليلًا تاريخيًّا وسياسيًّا عن حالات سقوط الديمقراطيات في أوروبا وجنوب أمريكا، مع تغطية مرحلة ما قبل استلام الرئيس الأمريكي الحالي (ترامب)، ومحاولة فهم كيفية وصول الديمقراطية الأمريكية إلى هذا المستوى المتدنِّي.

موت الديمقراطية عن طريق صناديق الاقتراع

عندما نتحدث عن انهيار الديمقراطيات، نفكر في انقلاب عسكري، ودبابات تجول في الشوارع، ورئيس مخلوع يُزجُّ به في السجن أو المنفى، وحالة طوارئ، وتعطيل للدستورغالبًا؛ ولكن، لم نعد نشهد مثل هذه التحوُّلات العنيفة بعد نهاية الحرب الباردة، فمعظم الإخفاقات الديمقراطية لم تَعُد تحدث على أيدي جنرالات أو جنود، وإنَّما على أيدي رؤساء مُنتخبين ديمقراطيًّا عملوا على تدمير المؤسسات الديمقراطية التي أوصلتهم إلى السلطة، فــ(هوغو شافيز)؛ على سبيل المثال؛ وصل إلى سُدَّة الحُكم عن طريق انتخابات حُرَّة ونزيهة، ولكنَّه استغل شعبيَّته لإقصاء منافسيه عن طريق مطاردة النقَّاد والتضييق على وسائل الإعلام، ومن ثم تغيير الدستور كي يتمكن من البقاء في السلطة إلى الأبد، وكذلك فعل رئيس وزراء هنغاريا (فيكتور أوربان) أيضًا، والذي سلَّم السلطة القضائية للموالين، ومن ثم أعاد صياغة الدستور والأحكام الانتخابية لإضعاف المنافسين، وكذلك حلَّ قادةٌ مُنتخبون ديمقراطيًّا المؤسساتِ الديمقراطية في الإكوادور وجورجيا والفلبين وبولندا وروسيا وسيريلانكا وتركيا وأماكن أخرى، ولم تسقط الديمقراطيات في هذه الحالات مرَّة واحدة وبعنف؛ إذ لم تُحَل المؤسسات الديمقراطية وقوانينها، واستمرت مراكز الإعلام بالنشر ولكنَّها أُخضعت للمراقبة، واستمرَّ المواطنون في الانتقادات ولكنَّهم كانوا يتعرضون إلى مضايقات ومشكلات قضائية، وهكذا، تتآكل الديمقراطيات اليوم ببطء وهدوء عن طريق صناديق الاقتراع ودون أن تُطلق صيحات مدوية؛ ولذلك فإنَّ انحسار الديمقراطيات هو اليوم أكثر فتكًا وخطورة، فهو لا يتطلَّب عنفًا، وإنَّما حنكة في تغيير قواعد اللعبة؛ فالإشكالية المأساوية في الوصول إلى الاستبداد عن طريق صناديق الاقتراع هي كما ذكر الكتاب: "مغتالو الديمقراطية يستخدمون المؤسسات الديمقراطية ــاستخدامًا قانونيًّا وقضائيًّا جدًّا تدريجيًّا وبمهارة- للقضاء على الديمقراطية."

ويرى الباحثان اليوم أنَّ التحدي الأول للديمقراطية يكمن في منع القادة السياسيين الفاسدين من الوصول إلى السلطة عن طريق الترشُّح إلى الانتخابات، ورفض دعمهم والتحالف معهم.

 وفي حال وصول السياسي الفاسد إلى السلطة، تخضع الديمقراطية إلى امتحان آخر، وهو هل سيتمكَّن الحاكم من تفكيك المؤسسات الديمقراطية أم هل ستتمكَّن المؤسسات من تقييده وحدِّ صلاحياته؟

يعتقد الباحثان أنَّ المؤسسات الديمقراطية وحدها غير كافية لكبح جماح المُستبدين المُنتخبين، وما يحمي الديمقراطية في الواقع هو الأحزاب السياسية والشعب، والأهم من ذلك كله القيم الديمقراطية، فدونها يصبح تحوُّل المؤسسات إلى "أسلحة سياسية" في أيدي من يسيطر عليها سهلًا جدًّا.

هل الديمقراطية الأمريكية في خطر؟

خسرت أمريكا أول امتحان في ديسمبر ٢٠١٦ بانتخاب رئيس غير ديمقراطي؛ فوصول (ترامب) إلى سُدَّة الحُكم لم يكن نتيجة تأييد الجماهير الغاضبة له وحسب، بل كان نتيجة فشل الحزب الجمهوري في منع متطرِّف ديماغوجي من الترشُّح إلى السلطة ضمن صفوف الحزب أيضًا.

ويراهن الشعب الأمريكي على حصانة الدستور الأمريكي الذي يقوم على مبدأ فصل السلطات وتحقيق التوازن والمراقبة، والذي صمد طوال العقدين الماضيين في وجه الحرب الأهلية وكارثة الكساد العظيم والحرب الباردة، وهكذا، فإنَّ الديمقراطية الأمريكية ستكون بخير كما يعتقد كثيرون؛ ولكن، يُنذر الباحثان بأنَّ الواقع أشد عتمة وتعقيدًا، وأنَّ الديمقراطية الأمريكية هي في خطر حقيقي، ولم تصمد الديمقراطية في أمريكا طيلة هذا الوقت بسبب حصانة الدستور-كما يؤكد المؤلفان- وإنَّما بسبب قيم الديمقراطية المتمثلة بمبدأ التسامح السياسي الذي يقتضي القبول بالتنافس السياسي والاعتراف بشرعية الحزب المنافس ومبدأ تقييد النفوذ؛ الذي يقوم على عدم تعسُّف الحاكم في استخدام سلطاته، ولكنَّ هذه المبادئ أخذت تضعف وتتلاشى قبل وصول ترامب بزمن.

وقد جاء نيوت جينجريتش؛ عضو الكونغرس المُنتخَب حديثًا إلى واشنطن بشراسة سياسية غير معهودة لدى الجمهوريين عام ١٩٧٩؛ إذ اعتمد على خطاب الكراهية ضد خصومه، وشكَّك في وطنية منافسيه الديمقراطيين، وشبَّههم بموسوليني واتَّهمهم بتخريب البلد.

 وهذه التشنجات السياسية بدأت -في الواقع- قبل وصول جينجريتش إلى الكونغرس، ولكنَّه أدى دورًا كبيرًا في استغلال الاستياء الجماهيري وتقلُّبات الرأي العام آنذاك.

وبعد الخسارة الساحقة للجمهوريين في انتخابات عام ١٩٩٤، أصبح الحزب يتَّبع سياسة "الفوز بأيَّة وسيلة"؛ إذ عرقل عدَّة تشريعات وقرارات أدَّت إلى إغلاق مؤسسات الحكومة فترات طويلة، وهكذا، بدأت تتغير قواعد اللعبة، وتتهاوى قيم التسامح السياسي وضبط النفس.

واستمر الانحدار في أثناء سنوات جورج بوش الثمانية في البيت الأبيض، وعمل الديمقراطيون بدورهم على تعزيز التفرقة والانقسام بين الحزبين عن طريق تعطيل بعض القرارات والاعتراض على سياسات بوش.

وقد بلغ الانحدار الديمقراطي أوجَّه في عهد أوباما لمَّا طعن معارضوه في شريعته، واتَّهموه بأنَّه يشكِّل خطرًا على ديمقراطية أمريكا؛ بل ذهبوا أبعد من ذلك فاتهموه بأنَّه "ليس أمريكيًّا حقيقيًّا"، واستمر الانحطاط في القيم الديمقراطية حتى وصول ترامب إلى السلطة.

إنَّ الديمقراطية الأمريكية ليست استثناءً كما يعتقد كثيرون، ولم تعد نموذجا تحتذي به دول العالم الأخرى؛ فالبلد الذي يهاجم رئيسُه وسائل الإعلام ويهدِّد منتقديه بالسجن ويشكِّك في شرعية الانتخابات، لا يمكن أن يقود ديمقراطية العالم.

ويختتم الباحثان بثلاثة احتمالات لمسيرة الديمقراطية الأمريكية: أولها، خسارة ترامب في الانتخاب، أو ما هو أسوء من ذلك وهو عزله عن السلطة، وانتصار الديمقراطيين وإجرائهم إصلاحات جذرية لإنقاذ الديمقراطية في عهد ما بعد ترامب (وهو سيناريو مُستبعد)، أما الاحتمال الثاني، فهو أن يستمر ترامب ومعه مؤيدوه الجمهوريون بتعزيز سياسات التطرُّف والتفوق العرقي الأبيض، ومحاولة السيطرة على المحاكم العليا، وتصعيد الحملات الإقصائية ضد المهاجرين، وسيؤدي هذا الاحتمال إلى مقاومة عنيفة من رجال الأمن وقمعهم بحجة ضبط الأمن (وهذا السيناريو بعيد حاليًّا ولكنَّه ممكن الحدوث).

والاحتمال الثالث، هو استمرار التنافر السياسي في عهد ما بعد ترامب، واستمرار انحدار قيم الديمقراطية (وهو أكثر السيناريوهات احتمالًا).

ويعتقد الباحثان أنَّ الأوان لم يَفُت بعد، وأنَّه ما تزال هنالك فرصة لإنقاذ الديمقراطية الأمريكية من الهلاك.

"لإنقاذ ديمقراطيتنا، علينا استعادة القيم الأساسية التي حمتنا؛ ولكن،علينا أن نفعل أكثر من ذلك، فعلينا أن نختار قيمًا شمولية تشمل المجتمع بأسره."

 

معلومات الكتاب:

الكتاب: كيف تموت الديمقراطيات How Democracies Die

الكاتب: ستيفن ليفتسكي، دانيال زبلات  Steven Levitsky & Daniel Ziblatt

دار النشر: كراون (Crown)

تاريخ النشر: ٢٠١٨

عدد الصفحات:٣٢٠