الكيمياء والصيدلة > علاجات صيدلانية جديدة

دواءٌ على مقاسك مرحبًا بكم في عصر الطب الشخصي

وافقت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA عام 2018 على عدد من الأدوية الشخصية تمثل ما يزيد على 40% من موافقاتها الدوائية في ذلك العام. يرجع هذا لاهتمام FDA والتزامها بتسريع تطوير الطب الشخصي وإدخاله في الرعاية الصحية؛ لكونه بديلًا أفضل من العلاج التقليدي. فما الطب الشخصي؟ وهل حقًّا سيكون الثورة المرتقبة في مجال الرعاية الصحية؟   

ببساطة يمكننا القول بأنَّ الطب الشخصي (Personalized medicine) أشبه بتصميم دواء مناسب لمواصفات كل مريض على حدة، هذا النهج الجديد ما هو إلا ثمرة ازدياد فهمنا للخصائص الجزيئية والجينية التي تميز كل شخص عن الآخر، وتجعل البعض أكثر عرضةً لأمراض معينة، بهذا يمكننا امتلاك مفتاح ذهبي للتنبؤ بالعلاج الشخصي الأمثل من حيث الفاعلية والأمان لكل مريض، وبعيدًا عن النهج التقليدي الأشبه بثوب واحد يناسب الجميع؛ إذ أصبح بإمكان الأطباء بواسطة استخدام أدوات أكثر دقة اختيار خطة العلاج المناسبة للمريض مستندًا إلى صفاته الجزيئية بهدف التقليل من الأعراض الجانبية الخطيرة، وضمان نتيجة أكثر فاعلية. إنّ هذا المجال يفتح لنا الباب للتفكير بطريقة جديدة ومبتكرة بكل ما يتعلق بالمشكلات الطبية ابتداءً من تشخيصها أو حتى التنبؤ بحدوثها في بعض الحالات وصولًا إلى علاجها. 

بسماعك لمصطلح الطب الشخصي قد يخيل لك كونه مجالًا يخص الطب فقط، ولكن الطب الشخصي مجال شامل لجميع أوجه الرعاية الصحية، نذكر منها دوره في تقييم المخاطر وذلك بالفحوصات الجينية للكشف عن الاستعداد الجيني للمرض، ويتدخل في الوقاية، والكشف المبكر عن المرض على المستوى الجزيئي، والتشخيص الدقيق الذي يمكننا من وضع خطة علاج مناسبة لكل شخص، واختيار العلاج الذي يتناسب مع الصفات الجينية لكل مريض، وتحسين النتائج والتقليل من خطر الأعراض الجانبية، وأيضًا مراقبة الاستجابة للعلاج وتطور المرض عن كثب.

ما الدواء الشخصي المصمم اعتمادًا على الطب الشخصي؟

تبدأ العملية بالفحوص الطبية والتشخيص التفريقي differential diagnosis بناءً على الفحوصات والمعلومات الطبية الروتينية مثل معلومات المريض الديموغرافية، وتاريخه الطبي، والفحص السريري، وغيرها... إلى جانب تقنيات التصوير الحديثة مثل صورة الرنين المغناطيسي، إضافة إلى أبرز التقنيات المستخدمة في الطب الشخصي مثل omics* technologies كعلم الجينوم**، ومن هذه المعلومات يُحدد التشخيص ويحدد الدواء بناءً على جينوم كل مريض. وسنطرح بعض الأمثلة على هذه الأدوية الشخصية:

استُخدم دواء Trastuzumab لكونه أحد أوائل الأدوية المعتمدة على الطب الشخصي في سرطان الثدي؛ إذ يطور أكثر من 30% من مرضى سرطان الثدي إفراطًا في التعبير الجيني لبروتين يسمى HER2 لا يستجيب للعلاج التقليدي، فأظهرت الدراسات أن دواء Trastuzumab يقلل من خطر تكرار الإصابة بسرطان الثدي في 52% من المرضى إذا ما استُخدم مع العلاج الكيميائي. 

ومثال آخر: تُظهر الخلايا السرطانية في سرطان الجلد طفرة جينية في الجين المسؤول عن إنتاج بروتين يدعى B-Raf المهم لدوره في إرسال إشارات داخل الخلايا؛ لتنظيم نموها مؤدية إلى تحورات في هذا البروتين، فاستُخدم دواء vemurafenib المثبط للبروتين B-Raf  الناتج عن الطفرة الجينية، وهو يستخدم في مراحل سرطان الجلد الأخيرة فقط للمرضى ممن ثبتت إصابتهم بالطفرة.

ويُستخدم اليوم أيضًا في أمراض القلب والأوعية الدموية اختبار تشخيصي جيني يُجرى على عينة الدم، لكونه إجراءً غير جراحي لمعرفة احتمالية رفض الأعضاء المزروعة، مستبدلًا بذلك الطريقة التقليدية -من خزعات وغيرها-. إضافة إلى إتاحة الفرصة لاختيار مثبطات المناعة المناسبة لكل مريض.  

مع أنَّ معظم الأبحاث والدراسات تبشر بحدوث نقلة في مجال الرعاية الصحية بتطبيق الطب الشخصي؛ إذ يؤدي إلى اختيار مُحسَّن للأدوية، والعلاج الموجّه، وتقليل الآثار الجانبية، ويحسن من التزام المريض بالدواء؛ إلا أن الطريق لا تزال محفوفًة بالتحديات.

على الصعيد العلمي مثلًا، مع كونه يقلل من الآثار الجانبية أو الضارة للمريض، ويضمن نتيجة أكثر نجاحًا؛ إلا أن فهمنا للآليات الجزيئية لبعض الأمراض لا يزال مبهمًا. أما التحديات على الصعيد الاقتصادي، مع كونه أقل تكلفة من نهج التجربة والخطأ المتبع، إلا أن صعوبة تحديد التكنولوجيا والأنظمة التشغيلية التي من شأنها خفض التكاليف لا زالت تشكل عائقًا إلى الآن وغيرها من المشكلات.

النتائج الأولية إيجابية، إلا أّننا لا نزال في بداية الطريق لتطبيق هذا النهج الجديد على نحو موسع وإثبات مدى فاعليته على المدى الطويل. قد تكون طريقًا طويلة تستلزم المرور بالكثير من محطات التجارب السريرية. 

* يشير مصطلح Omics إلى جميع التقنيات المستخدمة لتحديد خصائص الجزيئات البيولوجية وقياسها واستكشاف أدوارها وعلاقاتها وأفعالها في خلايا كائن حي. هنا 

** علم الجينوم هو دراسة جميع جينات الفرد (الجينوم) متضمنة تفاعلات هذه الجينات بعضها مع بعض ومع بيئة الفرد. هنا

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا