الغذاء والتغذية > مدخل إلى علم التغذية

جودة السعرات الحرارية، هل تختلف حسب مصدرها؟

هل يتساوى تأثير 100 سعرة حرارية من البيتزا مع تأثير 100 سعرة حرارية من صدر الدجاج مثلًا؟

وبمعنى آخر، هل يؤثر اختلاف المصدر في جودة السعرات الحرارية حتى وإن كانت متساوية؟ سنجيب في هذه المقال عن هذا السؤال ونستعرض معكم الكثير من المعلومات التي قد تجهلونها..

 

يحتاج جسم الإنسان الطاقة كي تؤدي أعضاؤه وظائفها الطبيعية، إذ تُستخدم هذه الطاقة في الوظائف كافة، ابتداءً بالتنفس وليس انتهاءً بالركض! وتختلف حاجة الأفراد من السعرات الحرارية حسب العمر والجنس والنشاط البدني وغيرها من العوامل، ويحتاج الرجال وسطياً 2500 سعرة حرارية يوميًا، في حين تحتاج النساء إلى 2000 سعرة حرارية يوميًا. (2)

 

وتُعرف السعرات الحرارية (الكالوري) بأنها واحدة قياس كمية الطاقة الموجودة في الطعام أو الشَّراب، وعندما نتناول ما يزيد على حاجتنا من السعرات الحرارية، يتحول الفائض إلى دهون يُخَزَّنها الجسم في مختلف أنحائه. وللمحافظة على الوزن في حدوده الطبيعية، يجب أن يتساوى وارد الطاقة مع الطاقة المستخدمة (المصروفة) في النشاطات اليومية، أما عند الرغبة بإنقاص الوزن، فلا بدَّ أن تكون كمية السعرات الحرارية المصروفة أكبر من تلك المتناولة في فترة زمنية محددة. (2)

 

ويمكننا معرفة محتوى الغذاء من السعرات الحرارية عن طريق قراءة بطاقة المعلومات الغذائية التي غالباً ما تصاحب أغلفة الأطعمة، ويندرج محتوى السعرات الحرارية تحت مسمى "الطاقة Energy" الذي يُعبَّر عنه غالباً إما بالكيلو كالوري kilocalorie أو الكيلو جول kilojoules؛ ويشير الأخير إلى السعرات الحرارية أيضًا ونحصل عليه عن طريق ضرب الكيلو كالوري بـ 4.2. (2)

وتتساوى قيمة ما يحتويه الطعام من السعرات الحرارية سواء كانت بالكالوري cal (الكالوري الصغرى calorie) أو الكيلوكالوري kcal (الكالوري الكبرى kilocalorie)؛ فالكالوري "الصغرى" هي كمية الطاقة اللازمة لرفع درجة حرارة 1 "غرام" من الماء بمقدار 1 "درجة مئوية"، أما الكيلو كالوري فهي كمية الطاقة اللازمة لرفع درجة حرارة 1 "كيلوغرام" من الماء بمقدار 1 "درجة مئوية". (4)

 

ولدى التدقيق في بطاقة المعلومات الغذائية، نجد أنّها تذكر المحتوى الغذائي في 100 غ من المنتج، كذلك يُذكر المحتوى الغذائي في كثير من الأحيان في الحصة الواحدة Per serving، وعندها لا بدَّ من أخذ اختلاف حجم الحصة التي نتناولها عن حجم الحصة القياسية المعبَّر عنها من قِبل الشركة الصانعة بالحسبان. (2)

ويمكنكم قراءة مزيد من المعلومات عن الملصقات الغذائية (أو بطاقة البيان) في مقالين سابقين هنا و هنا 

 

وبالعودة إلى التساؤل الذي نطرحه في مقالنا هذا، هل تختلف جودة السعرات الحرارية حسب مصدرها؟

انتشر بين الناس اعتقاد شائع يقول أنَّ السعرات الحرارية لا تختلف بين الأطعمة؛ أي إن تأثير السعرات الحرارية في الوزن لن يختلف سواء كانت تلك السعرات قادمةً من البروكلي أو من السكاكر، لكن هذا الاعتقاد خاطئ تمامًا، فعلى الرغم من احتواء جميع السعرات الحرارية على القدر نفسه من الطَّاقة، لكنَّ الجسم في عملياته الاستقلابية المعقدة لا يتعامل معها على نحو متماثل؛ أي إنَّ مكونات الأطعمة المختلفة تمر بمسارات استقلابية متباينة، فضلًا عن تأثير بعضِها في الهرمونات وبعض مناطق الدِّماغ التي تتحكم في الشعور بالجوع وسلوك تناول الطعام وغيرها من العمليات البيولوجية التي تنعكس على وقت تناول الطعام ونوعيته وتتحكم بهما. (1)

 

من جهة أخرى، نعلم على وجه التأكيد أنّ نوعية الطعام تؤدي دورًا أساسيًا في المحافظة على وزنٍ صحي، ففي دراسة شملت أكثر من 120000 رجل وامرأة أصحاء على مدى 20 عامًا، توصل الباحثون إلى أن التغير في الوزن مرتبط بشدة بتناول رقائق البطاطا (الشيبس) والبطاطا والمشروبات المحلاة بالسكر واللحوم الحمراء المصنعة وغير المصنعة، وخلص الباحثون إلى أن استهلاك الأطعمة المصنعة الغنية بالنشاء والحبوب المكررة والدهون والسكريات يمكن أن يزيد اكتساب الوزن. أما الأطعمة التي ارتبطت بفقدان الوزن، فقد كانت الخضروات والحبوب الكاملة والفواكه والمكسرات واللبن.

وعلى الرغم من أهمية السعرات الحرارية الكلية، لكن الباحثين أشاروا إلى أهمية اختيار الأطعمة عالية الجودة وتقليلِ استهلاك الأطعمة منخفضة الجودة كونها تشكل عاملًا مهمًا قد يساعد الأفراد في نهاية المطاف على استهلاك سعرات حرارية أقل نتيجة التأثيرات الإيجابية لاختياراتهم الصحية في الشبع والتحكم بالشهية. (3، 5)

 

إذًا، كيف يتعامل الجسم مع السعرات الحرارية المختلفة؟

للإجابة عن هذا السؤال، نقدم إليكم عدة أمثلة وحالات لما يحدث في الجسم من شأنها أن تساعد على تكوين صورة شاملةٍ لتعامل الجسم مع السعرات الحرارية في الغذاء..

- سكر الفركتوز (سكر الفواكه) وسكر الغلوكوز (سكر العنب):

سكران أحاديَّان يمتلكان الوزن نفسه والصيغة الكيميائية نفسها، ويقدمان كمية السعرات الحرارية نفسها أيضًا، وعلى الرغم من ذلك لا يتعامل الجسم معهما بالطريقة ذاتها، فالغلوكوز يُستقلب في جميع أنسجة الجسم، على عكس الفركتوز الذي لا يُستقلب سوى في الكبد.

من جهةٍ أخرى، يسبب الفركتوز ارتفاع مستوى هرمون الغريلين Ghrelin (هرمون الجوع) أكثرَ من الغلوكوز، أي إنهما يختلفان بعضهما عن بعض في طريقة تحفيز مركز الشبع في الدماغ، وعند المقارنة بين العدد نفسه من السعرات الحرارية لكلٍّ من الغلوكوز والفركتوز نجد أن الاستهلاك المرتفع من الفركتوز أكثر قدرةً على زيادة خطر مقاومة الأنسولين وتراكم الدهون في البطن وارتفاع مستوى الكوليسترول الضار LDL وزيادة الشحوم الثلاثية وارتفاع سكر الدم. 

يُذكر أن التأثيرات السلبية للفركتوز تظهر فقد عند تناوله بكمياتٍ زائدة،ٍ كأن يكون مضافًا للأغذية والحلويات في أثناء التصنيع، لكن هذا لا يعني التوقف عن تناول الفواكه لأنها تحتوي على الفركتوز، بل على العكس، تساعد الألياف الرطوبة العالية للفواكه على تقليل آثاره السلبية. (1)

 

- التأثير الحراري للغذاء The thermic effect of food:

ويُعرَّف بكونه مقياسًا يعبر عن زيادة الطاقة المصروفة من قِبل الجسم في أثناء هضم غذاء ما وامتصاص العناصر الغذائية الداخلة في تكوينه واستقلابها.

تمر المكونات المختلفة للأطعمة في مسارات تمثيل غذائي (استقلاب) مختلفة، وتتمتع بعض هذه المسارات بكفاءةٍ أكبر من غيرها، وكلما كان المسار الاستقلابي أكثر فعالية كان أكثر قدرةً على تسخير الطاقة التي يحملها الغذاء في العمل، وبذلك يقل معدل فقد الطاقة وتبدُّدها كحرارة في أثناء الاستقلاب.

وقد أصبح من المعروف أن مسارات التمثيل الغذائي للبروتين أقلُّ كفاءةً من مسارات التمثيل الغذائي للكربوهيدرات والدهون، وعلى الرغم من أن كل غرام من البروتينات يقدم 4 سعرات حرارية، لكن هضمها واستقلابها يسبب فقد جزء كبير من تلك الطاقة على هيئة حرارة.

ويتراوح التأثير الحراري للمغذيات الكبرى بين 2-3% للدهون، و6-8% للكربوهيدرات، و25-30% للبروتينات.

ويمكننا بسهولة ملاحظة الارتفاع الكبير والواضح في الطاقة الاستقلابية اللازمة للبروتينات مقارنةً بالدهون والكربوهيدرات. وإذا قاربنا قيم التأثير الحراري هذه، يصبح بإمكاننا القول أن 100 سعرة حرارية من البروتين يمكن أن تعطي بعد استقلابها 75 سعرة حرارية، في حين يمكن لـ 100 سعرة حرارية من الدهون أن تعطي 98 سعرة حرارية. وتشير الدراسات إلى أن الوجبات الغنية بالبروتين تزيد معدل الاستقلاب بمقدار 80-100 سعرة حرارية في اليوم، وذلك لدى مقارنتها بالوجبات الغذائية المنخفضة البروتين. (1)

 

- البروتين يقلل الشهية:

لا تقتصر فوائد البروتين على زيادة معدل الاستقلاب في الجسم، بل تتعداها إلى قدرته على تقليل الشهية للطعام، وبذلك خفض كمية السعرات الحرارية المتناولة. وقد أظهرت إحدى الدراسات أنَّ استهلاك البروتين بنسبة 30% من السعرات الحرارية اليومية يؤدي إلى نقص إجمالي في السعرات المتناولة يوميًا بمقدار 441 سعرة حرارية. (1)

 

- مؤشر الشبع The Satiety Index:

تؤثر الأطعمة المختلفة في شعورنا بالشبع بطرائق مختلفة، وينعكس ذلك على التحكم بالسعرات الحرارية المتناولة، فالبطاطا المسلوقة والبيض والفاكهة مثلًا تمنح شعورًا كبيرًا بالشبع على عكس الكيك والدوناتس. (1)

 

- المؤشر الغلوكوزي (أو الغلايسيمي) The Glycemic Index: 

تتصف الكربوهيدرات المكررة؛ مثل السكروز وشراب الذرة عالي الفركتوز والخبز الأبيض بكونها منخفضة المحتوى من الألياف، لذا فإنها تُهضم وتُمتصُّ سريعًا في الجسم مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في الدم والشعور بالجوع بعد وقت قصير، الأمر الذي يدفعنا إلى تناول كمياتٍ إضافيةٍ من الطعام، وتوصف هذه الأطعمة بأنها ذات مؤشر غلوكوزي عال.

ويعرف المؤشر الغلوكوزي (Glycemic Index (GI بكونه مقياسًا يتراوح بين 0 و100، وتصنف الكربوهيدرات وفق هذا المقياس بالاستناد إلى قدرتها على رفع سكر الدم بعد تناولها بمدة محددة. وتسبب الأطعمة ذات المؤشر الغلوكوزي العالي ارتفاع سكر الدم على نحو مفاجئ وسريع، يتبعه انخفاضٌ سريعٌ وحاد في مستويات السكر مما يسبب رغبة شديدة في تناول وجبة أخرى. (1) وقد تطرقنا إلى المؤشر الغلوكوزي وأقسامه وكيفية الاستفادة منه في مقالنا السابق هنا 

 

ونذكِّر أخيرًا أنَّ أفضل طريقة لخسارة الوزن تكون باختيار نوع الغذاء المناسب، ويتفوق هذا الأسلوب على طريقة الحد من السعرات الحرارية المتناولة. (1) كذلك فإنه ليس بمقدور حميةٍ واحدةٍ أن تناسب جميع الأشخاص، فهم مختلفون من حيث الجينات (المورثات) ونمط الحياة المتبع، لذ يُفضل أن نعمل على ترسيخ مبادئ التغذية الصحيحة والصحية والتوعية بضرورة اتباع نمط حياة صحي لضمان الوصول إلى الهدف المرغوب والحفاظ على الصحة. (3)

المصادر:

هنا

 هنا

هنا

هنا

هنا