الرياضيات > الرياضيات

المسائل العكسية قادرةٌ على الإنقاذ

المسائل العكسية هي مسائل رياضية ذات طابع تحقيقي، كتخمين شكل جسم ما بمعرفة ظله فقط، فهل هذا ممكن حقًّا؟ وما نوع الأخطاء المحتمل ارتكابها؟ وكم من المعلومات الإضافية قد نحتاج؟

لحل مسألة عكسية؛ يتطلَّب الأمر مُجسَّمًا رياضيًّا للحدث، فيجب أن ندرك أن المسبب يقود إلى التأثير، وبمعرفة هذا يمكننا استخدام الرياضيات لفرض أسباب معقولة، مثل اتخاذ قرار بشأن الشكل الذي أنتج ظلالًا. تُستخدَم الرياضيات في هذه الحالة لضبط حدود الأنموذج المفروض وتحديد دقة الإجابة أيضًا، وتُسقِط بعض الأجسام المختلفة ظلالًا متشابهة، ولذلك يمكن أن يكون التأثير مشابهًا على الرغم من اختلاف المسبب.

وتتعدد الأمثلة على المسائل العكسية، نذكر منها: الاستشعار عن بعد لجزيرة أو بحر بواسطة صور الأقمار الصناعية، واستخدام الصور الطبية لتشخيص الأورام، وتحليل الزلازل للتنقيب عن النفط. وهنالك مثال آخر ربما لا يكون أول ما يتبادر إلى ذهنك عندما تفكر في الرياضيات: مكافحة الجريمة.

فعند وقوع جريمة ما؛ يجب على الشرطة فحصُ جميع الأدلة المتروكة في مسرح الجريمة، إضافة إلى العمل بصورة عكسية في محاولة لتحليل ما حدث و تحديد الجاني. وغالبًا ما يكونُ الدليل ناجمًا عن عملية فيزيائية واضحة الأثر، كسيارة مسرعة خلَّفت علامات انزلاق. ولتحديد السبب الرئيس (سرعة السيارة)؛ يجب أن تستخدم الرياضيات -التي تصف فيزيائية الحدث- على نحو عكسي، والذي ينتهي بحلّ "مسألة عكسية".

دعنا نخطو في يوم عادي من حياة الشرطة ونرى كيف يمكن أن تساعد الرياضيات على محاربة الجريمة. نحن نحقق في حادث مروري ونحتاج إلى إجابة عن هذا السؤال: هل كانت السيارة مسرعة؟

الأدلة المتاحة هي: أثر التصادم على العربات الضالعة بالحادث، وتقارير الشهود، وعلامات انزلاق العجلات التي تسهم في محاكاة الحادث عند تحليلها. ويُعزى سبب هذه العلامات إلى قوة الفرملة، والاحتكاك مع الطريق، وتأثير السيارات الأخرى. رياضيًّا؛ يمكننا استخدام الميكانيكا في نمذجة هذا الحدث، ولنرمز بالمتغير (s) لطول علامة الانزلاق، ولسرعة السيارة (u)، ولنسبة التسارع إلى الجاذبية (g)، ولمعامل الاحتكاك مضروبًا في كفاءة المكابح (μ). وأنموذجنا يربط السبب (سرعة السيارة) بالتأثير (مسافة الانزلاق).

وإن كانت مسافة الانزلاق معطاة أمكننا إعادة ترتيب الصيغة بحيث نستطيع رياضيًّا حساب سرعة السيارة بفرض حدِّها الأدنى:

ولمَّا كنّا نملك تقديرًا دقيقًا لقيمة μ -التي تصف الاحتكاك وكفاءة الفرملة- فإنّه يمكن حل المشكلة وحساب سرعة السيارة من علامات انزلاقها.

إنقاذ الحيَوات عن طريق المسائل العكسية

"جهاز التصوير بالأشعة المقطعية المحورية A Computerised Axial Tomography (CAT) Scanner"

حتى وقت قريب نسبيًّا كان لزامًا عليك إذا ما أحسست خطبًا في أعضائك الداخلية أن تجري جراحة لتحديد ماهيته. وأيُّ عملية كهذه قد تحمل مخاطر معينة، خاصة في حالة المشكلات المتعلقة بالمخ. وعلى أية حال، لم تعد هذه هي القضية؛ فقد أضحى الأطباء قادرين على استخدام تقنيات مسح ضوئي متعددة للكشف عن الأعضاء الداخلية على نحو آمن تمامًا.

إحدى هذه التقنيات "الماسحة المحوسبة- CAT" التي تحدد التأثير الحاصل في جسم ما عن طريق الأشعة السينية، ففي هذه الماسحة يستلقي المريض على سرير مارًّا عبر تجويف في الجهاز؛ إذ إن هذا التجويف يحوي مصدرًا دوَّارًا للأشعة السينية، فتخترق الأشعة جسم المريض ثم تُرصَد في الجهة المقابلة. تنخفض شدة هذه الأشعة حالما تخترق جسم المريض، وتعتمد نسبة انخفاضها على نوع المادة التي اختُرِقت، فإن عبرت عظمًا قلَّت أكثر منها في العضلة، وتختلف بين عضو داخلي أو ورم أيضًا.

في تجربة لجسم افتراضي تعبره الأشعة بنسب مختلفة، وتُرصَد هذه الأشعة بواسطة لاقط مثبت في الجهة المقابلة للجسم؛ امتُصَّت بعض الأشعة التي عبرت الجسم كليًّا ومن ثم قلت شدتها حسبما رصد اللاقط، في حين أن أشعة أخرى اخترقت الجسم جزئيًّا وقلّت نسبة امتصاصها. يلقي الجسم ظلالاً للأشعة السينية، وعلى نحو فعال تُحدَّد أبعاده الأساسية. تعتمد شدة الأشعة في المنطقة التي أصابت اللاقط على عرض الجسم وطول المسار المقطوع خلال الجسم والفراغ. وبقياس شدة عددٍ من الأشعة من زوايا مختلفة؛ فإنه من الممكن بناء تصوّر عن أبعاد الجسم وحجمه.

يبذل العديد من علماء الرياضيات جهدًا حثيثًا لتطوير كفاءة تقنيات كهذه ودقتها، الأمر الذي سيحقق سهولة الكشف للمرضى ونفعًا أكثر للأطباء، على أمل أن تنجو مزيد من الحيَوَات.

الرياضيات تنقذ الموقف

كان هذان مثالَين أفادت الرياضيات منهما على نحو عكسي بدءًا بالنتيجة، سواء بعلامات الانزلاق أم برصد الأشعة السينية على جهاز التصوير بالأشعة المقطعية المحورية-CAT، والأمثلة لا حصر لها في هذا المجال.

المصدر:

هنا