التاريخ وعلم الآثار > الحضارة السورية

سقف مطبوع لمحراب معبد بل التدمري يصل متحف دمشق الوطني -مدينة تدمر ومعبدها الشهير

هي بالميرا؛ المدينة القديمة التي كانت محطةً لقوافل المسافرين الذين كانوا يجتازون الصحراء السورية؛ وذلك تبعًا لبليني الأكبر Pliny the elder في كتابه التاريخ الطبيعي.

تمتد تدمر على مساحةٍ شاسعةٍ من رمال الصحراء، وتشتهر بتربتها الخصبة ونسيمها العليل، وتشير الأدلة إلى أن هذه المدينة كانت آهلةً بالسكان منذ بداية الألفية الثانية قبل الميلاد. وقد عُرفت بالميرا عن طريق السجلات الأدبية القديمة - بما فيها النصوص الآشورية والكتاب المقدس اليهودي - واكتسبت شهرةً كبيرةً كونها مدينةً أثريةً فريدةً تتألق بمحتواها من فنون العمارة المتنوعة؛ الإغريقية والرومانية وعمارة الشرق الأدنى.

نبذة تاريخية:

ازدهرت تدمر تحت حكم الملوك السلوقيين (Seleucid kings)* وانتهى بها المطاف تحت سلطة الإمبراطورية الرومانية بعد العام 64 قبل الميلاد؛ أي عام احتلال الرومان لسورية. وضُمَّت المدينة في عهد الإمبراطور تايبيريوس يوليوس (Tiberius) الذي حكم بين 14 و37 للميلاد إلى الولاية الرومانية في سورية، وأُطلق عليها اسم بالميرا؛ وتعني مدينة النخيل، وحظيت برعاية العديد من الأباطرة الرومان وشهدت ازدهارًا عظيمًا.

ومع ازدهار حكم الساسانيين الفرس عانت المدينة الكثير، وإثر الصعود الثوري والقصير للملكة زنوبيا، عُزلت المدينة على يد الإمبراطور الروماني أورليان (Aurelian) في العام 272 ميلادي.

فترَتا الازدهار والانهيار:

أصبحت تدمر تحت الحكم الروماني في عهد الإمبراطور تايبيريوس الذي حكم بين عامي 17 و34 ميلادي، وبعد أن زارها الإمبراطور هادريان أُعلنت مدينةً حرَّة (Civitas Libera)، كذلك مُنحت لاحقًا لقب المستعمرة (Colonia) من قِبل الإمبراطور كاراكالَّا (Caracalla) الذي أعفاها أيضًا من الضرائب.

وبذلك ازدهرت المدينة وبلغت ذروة مجدها في خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين على الرغم من العوائق التي كانت تقطع طريق الرحلات التجارية مع الشرق وانعدام الاستقرار حول البحر المتوسط المحكوم من الرومان، فضلًا عن إغلاق طريق تدمر التجاري إلى الخليج الفارسي عندما خلف الساسانيون البارثيون في فارس وبلاد ما بين النهرين عام 227 م.

قادت هذه الصعوبات الرومانيين إلى إقامة حكمٍ محلي في تدمر وتنصيب عائلة سبتموس أوديناثوس (Septimius Odaenathus) المعروف باسم أُذينة، إذ عيّنه الإمبراطور فاليريان (253-260 Valerian) حاكمًا لسورية الفينيقية. ولمَّا كان أذينة شديد الإخلاص للرومان ومستعمراتهم، منحه غالينوس Gallienus (نجل الإمبراطور فاليريان) لقب حاكم الشرق (corrector totius Orientis)، وذلك بعد أن ألحق بالفرس هزيمةً شديدةً عند محاولتهم السيطرة على تدمر.

استولت زنوبيا** - زوجة أُذينة الثانية - على عرش المدينة أصبحت الحاكم الفعلي لها بعد اتيال كلٍّ من أُذينة وابنه الأكبر الذي كان وريث عرشه أيضًا. وفي خلال حكمها، غزت جيوش تدمر معظم الأناضول (آسيا الصغرى)، وأعلنت تدمر مستقلةً عن روما عام 270، لكنَّ الإمبراطور الروماني أورليان Aurelian استرجع الأناضول عام 272 ودمّر تدمر في العام اللاحق.

بقيت المدينة محطةً رئيسيةً على طريق Strata Diocletiana***، لكنَّ أهميتها مركزًا تجاريًا تراجعت تدريجيًا بمرور الوقت.

فن العمارة الهجين:

تشهد البقايا المعمارية الضخمة في مدينة تدمر على ازدهارها الكبير في خلال فترة ذروتها، ويعدُّ معبد الإله بل أو بعل من الآثار الرائعة التي خلفتها تلك الحقبة، إذ تجمع معالمه المعمارية أساليب العمارة الفنية والمعمارية التي سادت في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط القديم، والثقافات العديدة التي تعاقبت وتمازجت معًا على أرض تدمر. ويعد من أهم المعابد في تدمر خاصةً، وسورية عامّةً.

دُشِن المعبد عام 32 ميلادي وانْتُهِيَ من بنائه في القرن الثاني الميلادي، وكان مكرّسًا للإله بعل على نحوٍ أساسي، وللثالوث الإلهي الذي يضم الرب بل، ويرحيبول "رب الشمس"، وعجليبول "رب القمر"، وتهدم في الحرب التي اندلعت بين تدمر والرومان عام 272 م.

يتألف المعبد من الهيكل الرئيسي الذي يقع في وسط باحةٍ مربعةٍ واسعة، تبلغ أبعادها ٢٠٥*٢١٠م، ويحيط بها سورٌ مزوَّدٌ بأروقةٍ محمولةٍ على أعمدةٍ ذات تيجان كورثينية، ويوجد دَرَجٌ لولبيٌّ كان يؤدي إلى سطح الرواق في الزاوية الشمالية إضافةً إلى عدّة ملحقات أخرى موجودةٍ أمام الهيكل؛ مثل مذبح الأضحيّات وحوض التطهير وقاعة الولائم.

ونجد في هذا المعبد العديد من التأثيرات الكلاسيكية المتمثلة في التيجان الأيونية والكورنثية والجبهات المثلثية فضلًا عن بنية الهيكل العامة، كذلك تشبه بوابة الهيكل بوابات المعابد المصرية، أما الزخارف الموجودة فيه فغنيةٌ ووفيرةٌ، وتحمل سمات شرقية وكلاسيكية.

شُيِّد الهيكل على مصطبة مرتفعة بامتداد العرض بدلًا من طوله على محور البوابة، ويحيط به رواقٌ محمولٌ على أعمدةٍ مخددةٍ وتيجان ذات زخارف كورنيثية، نُقِشَت عليه مشاهد دينيةٌ وأسطوريةٌ وزخارفُ حيوانيةٌ ونباتيةٌ وهندسية. ويوجد داخل الهيكل محرابان كانا مخصصين لوضع تماثيل الآلهة على الطريقة الشرقية، على عكس اليونان والرومان الذين يضعون تمثال الرب في الهيكل فوق قواعد خاصة، وقد كان المحراب الجنوبي مخصصًا للرب بل، والمحراب الشمالي لباقي الأرباب، أما سقف المعبد فقد زُيِّن بالزخارف المختلفة.

إنَّ مزيج التصاميم الذي يتميز به معبد بل يؤكد على نحو جليٍّ أن تدمر القديمة كانت مجتمعًا متعدد الثقافات، ففي حين كان الدين وشعائره مقيَّدين بالممارسات الدينية الشرقية، ينطق معبد بل ببنائه وتنفيذه على الطراز الإغريقي اليوناني بجميع اللغات الهندسية والمعمارية للدول التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية.

وبحسب علماء الآثار، فإنَّ معبد بل العائد إلى فترة الاحتلال الروماني لسورية يعدُّ أهم موقعٍ تاريخي في تدمر. الجدير بالذكر أيضًا أنَّ عدد زوار مدينة تدمر وآثارها كان قد بلغ 150 ألف سائحٍ سنويًا قبل اندلاع الحرب في سورية.

من هو الإله بعل؟

كان بول Bol الإله الرئيسي لأراميّي تدمر، وأصبح معروفًا لاحقًا باسم بيل Bel نتيجة تشبيهه بإله البابليين بعل مردوخ Bel-Marduk، ومعنى اسم بعل هو السيد، وقد كان بعل ربًا للسماء وربطَه التدمريون مع إله الشمس يرحيبول Yarhibol وإله القمر عجليبول Aglibol وشكَّلوا معًا الثالوث السماوي التدمري، ويتطابق بعل على نحو ما مع الإله حَدَد Hadad.

 

نصبُ الآلهة بعل ويرحيبول (إله الشمس) وعجليبول (إله القمر)، متحف اللوفر في فرنسا

دمار معبد بعل في تدمر بالصور:

أكَّدت صور الأقمار الاصطناعية تدمير الموقع التاريخي الأكثر أهمية في مدينة تدمر السورية، إذ

تُظهر الصورة الأولى معبد بعل في مدينة تدمر التاريخية عام 2008، ويظهر في الصورة الثانية الموقع الأثري بعد تدميره عام 2010، وتبدو واضحةً في هذه الصور المُلتقطةِ عن طريق قمرٍ اصطناعي مساحة الضرر الناجم عن تفجير المعبد.

سقف محراب المعبد المطبوع!

وصل اليوم نموذجٌ من سقف محراب معبد بل التدمري إلى المتحف الوطني في دمشق، صنعَهُ فنانون إيطاليون بإشراف جمعية لقاء الحضارات الثقافية التي يرأسها السيد فرانشيسكيني روتلي؛ رئيس بلدية روما والنائب والوزير السابق. وقد طُبع سقف المحراب باستخدام تقنيةِ الطباعة الثلاثية الأبعاد وبدقةٍ كبيرةٍ مع المحافظة على ألوانه الأصلية وزخارفِه ونقوشه الجميلة والنادرة، فكان بذلك محاكاةً حقيقيةً للطابَع الأثري القديم لسقف المحراب الأصلي.

يزيد طول القطعة المذكورة على 4 م ويبلغ عرضها قرابة 1.5م، وسماكتها 80 سم، ووزنها 190 كغ. وقد عُرضت في كلٍّ من مبنى الكولوسيوم ومبنى الأمم المتحدة في روما، ومبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل، ومقر اليونيسكو في باريس، وأُهديت إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا التي عرضتها في متحف دمشق الوطني.

سقف محراب المعبد المطبوع

الهوامش:

*الملوك السلوقيون Seleucid Kings: وسميت نسبةً إلى الملك سلوقس الأول؛ وهو أحد قادة الإسكندر المقدوني، حكم سنة 321 بعد وفاة الإسكندر المقدوني في فترةٍ عُرفت باسم (فترة حكم خلفاء الإسكندر).

مصادر المقال: 

هنا

**زنوبيا: ملكة تدمر، حكمت بين عامي 268 و272 م، وتوفيت سنة 274 م. هَزمت عدّة أقاليم رومانية شرقية قبل أن يُخضِعها الإمبراطور أورليان Aurelian سنة 272 م.

هنا

***طريق Strata Diocletiana: وهو طريقٌ معبد كان يصل دمشق مع نهر الفرات.

 هنا

هنا

هنا

مأمون عبد الكريم: آثار بلاد الشام خلال العصور الكلاسيكية، 2014، ص 102- 103.

هنا

هنا

هنا

هنا