العمارة والتشييد > الترميم وإعادة التأهيل

كاتدرائية نوتردام.. لحظات ما بعد الكارثة

كاتدرائية نوتردام Cathédrale Notre-Dame de Paris

الموقع: باريس - جزيرة  Île de la Cité في نهر السين.

تُعَدُّ كاتدرائية Notre Dame أو "سيدتنا" نسبةً إلى السيدة مريم العذراء مع برج إيفل من أهم معالم العاصمة باريس، ورمزًا للعمارة القوطية الفرنسية، إذ يزورها قرابة 30000 شخصٍ يوميًّا.

بدأ إنشاء الكاتدرائية بأمرٍ من أسقف باريس عام 1163م بحضور البابا ألكساندر الثالث الذي وضع حجر أساس الكاتدرائية الجديدة، واستغرق بناؤها قرنين من الزمن (من عام 1163م حتى 1345م).

الوصف المعماري:

يبلغ طول الكاتدرائية 128م وعرضها 12م عند الصحن وارتفاعها 35م، ويتألَّف مسقطها الأساسي من ممرَّين مزدوجين وجناحٍ عموديٍّ عليهما.

وقد استُلهِم شكل مسقطها المتصالب وجناحها وبرجها وصحنها من العمارة الرومانسية في القرن الحادي عشر، أمَّا أقواسها المدبَّبة وعقودها المتقاطعة فهي قوطيةٌ بامتياز.

يتوضَّع برجان توءمان "أو برجا الأجراس" على واجهتها الرئيسية ويبلغ ارتفاعهما 69م، ويضمَّان عشرة أجراسٍ أشهرها جرس Emmanuel الذي يزن قرابة 13 طن.

أمَّا البرج المستدق فيبلغ ارتفاعه 91م، وقد أُعيد إنشاؤه ضمن عمليات ترميم القرن التاسع عشر من الخشب والرصاص.

 

 

الأهمية الفنية:

المنحوتات الحجرية:

استُخدِمت المنحوتات الحجرية في واجهات الكاتدرائية كثيرًا، إذ لم تكن مجرَّد تماثيل زينةٍ فحسب، بل أدَّت دور أعمدةٍ وأنابيب تصريفٍ أيضًا.

وأُحيطَ البرج المستدق بستة عشر تمثالٍ نحاسيٍّ للرسل الاثني عشر ومؤلِّفي الأناجيل الأربعة.

البوَّابات:

تضمُّ الواجهة الرئيسية الغربية أبوابًا ثلاثة (بوَّابة القيامة في الوسط وبوَّابة العذراء وبوابة القديسة آن على الجانبين)، ويُحاط كلٌّ منها بتماثيل تصوِّر أحداثًا مختلفة.

أمَّا الواجهة الشمالية فتضمُّ بابًا وحيدًا يُدعى (الباب الأحمر).

بوابة القيامة

النوافذ:

تغطِّي النوافذ الزجاجية الملوَّنة جدران الكاتدرائية حاملةً رسوماتٍ ونقوشًا تصوِّر قصص الإنجيل، وأشهرها النافذة الوردية المستديرة التي يبلغ قطرها 10م، وتحمل زجاجًا يعود إلى القرن الثالث عشر، لتكونَ بذلك من أقدم النوافذ الزجاجية في العالم.

نوتردام عبر التاريخ:

كان لكاتدرائية نوتردام نصيبها الخاص من اللحظات التاريخية المهمَّة، والتي يمكن تلخيصها بمجموعةٍ من الأحداث:

●        تُوِّج هنري السادس ملك إنكلترا داخلَ الكاتدرائية عام 1431م.

●        أُتلِفَت بعض التماثيل في أثناء أعمال الشغب التي نتجت عن طائفة "الهوغوينوت Huguenots " العرقية البروتستانتية عام 1548م، إذ عدُّوها تماثيل وثنية.

●        حدثت العديد من عمليات النهب والتدمير في أثناء الثورة الفرنسية عام 1793، وقطع الثوَّار رؤوس العديد من التماثيل، وتحوَّلت الكاتدرائية إلى مستودع.

●        رمَّم الحاكم الجديد نابليون بونابرت الكاتدرائية وتوَّج نفسه إمبراطورًا داخلها عام 1804.

●        بدأت عمليات الترميم والتوسُّع الأكبر في منتصف القرن التاسع العشر، وأُعيد إنشاء البرج المستدق في هذه المرحلة.

●        تردَّدت شائعاتٌ في أثناء الحرب العالمية الثانية أنَّ الجنود الألمان قد يدمِّرون الزجاج الملوَّن، لذلك أزاله المعنيون.

●        أُدرِجت الكاتدرائية ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي للمواقع ذات الأهمية الثقافية عام 1991م.

 

●        حريق 15 نيسان 2019:

شهدَ معظمُنا تفاصيل الحادث المؤسف عندما اندلع حريقٌ في الكاتدرائية الأثرية مساء يوم الاثنين لأسبابٍ مجهولةٍ حتى الآن.

واستجاب 500 رجل إطفاءٍ للحريق، وأخلوا المباني المحيطة بالجزيرة التي تقع عليها الكاتدرائية، ولحسن الحظ لم يُقتل أيُّ شخص، لكنَّهم واجهوا صعوباتٍ جمَّة عند إنجازهم المَهمَّة، فما هي؟

وفقًا لـ"غريغ فافر" رئيس قسم الإطفاء السابق كانت طبيعة المبنى العقبة الأساسية أمام رجال الإطفاء، إذ تتميَّز الكاتدرائيات القديمة مثل نوتردام ببناءٍ خشبيٍّ ثقيل ومساحاتٍ مفتوحةٍ واسعة، تسمحُ للحريق بالانتشار دون انقطاع متغذيَّا على الأخشاب.

وسبَّب الارتفاع الهائل للسقف صعوبةَ الوصول إليه، وبالتالي فقدان 66% من هيكله، واستُخدِمت الخراطيم من قياس 2.5 إنش (6.35 سم) وهي ثقيلةٌ وصعبةُ المناورة.

ويقول "فافر" فيما يتعلَّق باحتراق البرج المستدق: نلجأ عادةً في الحرائق الضخمة إلى عزل المناطق التي تحترق عن المناطق التي لم تصلها النيران بعد وذلك بخلق فاصلٍ وقائي، لكنَّ ذلك لم يكن ممكنًا في حالة برج نوتردام المستدق بسبب ارتفاعه الهائل.

ولم يكن بالإمكان إدخال الطاقم إلى داخل المبنى بسبب الانهيار المستمر للسقف، واستُبعدت حلولُ سكب المياه من الجو باستخدامِ المروحيَّات بسبب الحالة الحرجة للمبنى واحتمال أن تؤدِّي قوة الماء إلى أضرار هيكلية إضافية.

 AP Photo/Michel Euler

ما الذي فُقِد في الحريق؟

برج الكاتدرائية المركزي المستدق الذي بُني عام 1860، والسقف الذي يضم خشبًا يعود إلى سنة الإنشاء 1160م، جاعلًا إيَّاه  أقدم نوعٍ من هذه الأسقف في العالم.

هل يمكن إعادة البناء مستقبلًا؟

التقط المؤرِّخ المعماري "آندرو تالون" عام 2015 صورةً رقميةً ثلاثية الأبعاد للمبنى، إذ استخدم الليزر لمسح الكاتدرائية بأكملها، وذلك بحساب الوقت الذي يستغرقه الليزر للوصول إلى الهدف ثمَّ العودة لتحديد موقع كلِّ نقطة، وستكون عمليَّات المسح هذه حاسمةً في مشاريع إعادة البناء في المستقبل.

وقد أطلق الرئيس الفرنسي ماكرون حملةَ جمع تبرُّعاتٍ ضخمة لتمويل عملية الترميم، وجُمِعت حتى الآن مئات ملايين اليووروهات.

 

ماهي أساليب إعادة البناء المقترحة؟

عند دمار المعالم التاريخية نواجه خيارين لإعادة البناء؛ ينصُّ الأوَّل وفقًا لميثاق البندقية على أن تبقى المواد الجديدة المُستخدمة في الحفاظ على الهيكل التاريخي قابلةً للتمييز  عن البناء الأصلي، وقد اتُّبِعت هذه الطريقة في إعادة بناء بوابة مدينة ليتشي في إيطاليا City gate in lecce .

ويقترح الثاني إعادةَ بناءِ الهيكل على نحوٍ مطابقٍ للأصل، ويصعب التمييز بين الأجزاء القديمة والجديدة مثل قصر كاثرين الأولى في روسيا Catherine I’s palace.

كيف يمكن استعادة الأعمال الفنية؟

لحسن الحظ ونتيجةً لعمليَّات الترميم التي كانت تُنفَّذ في المبنى، نُقِلت معظم التماثيل البرونزية قبل أيامٍ من الحريق، ولكن عند التفكير باسترجاع الأعمال الفنية نواجه حالتين عادةً:

الحالة الأولى: عندما تتضرَّر الأعمال الفنية جزئيًّا يكون التركيز منصبًّا على عملية الترميم.

الحالة الثانية: عندما تتضرَّر الأعمال الفنية كليًّا يتوجَّب عندها نسخها وإعادة ابتكارها، كما حدث في قصر كاثرين الأولى في روسيا Catherine I’s palace الذي دُمِّر معظمه في الحرب العالمية الثانية، ونهب النازيون الكثير من لوحاته.

 

وأخيراً يبدو لنا أنَّ إعادة الكاتدرائية إلى وضعها الأصلي أو اتخاذ القرار بإعادة تصوِّر تصميمٍ جديد  احتمالان ممكنان، ليتابع البناء القديم رحلته التاريخية ويبقى معلمًا مهمًّا في باريس.

فهل سنجد في ذلك دروسًا للتعامل مع تراثنا التاريخي؟

المصادر:

هنا

هنا;

_campaign=Feed:+ArchDaily+(ArchDaily)

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا