الطب > مقالات طبية

أسباب العقم عند المرأة

يسعى معظم الناس في مرحلة ما من حياتهم إلى إنشاء أسرة وإنجاب الأطفال، ويتحقق الحمل في الحالة الطبيعية على نحو متوسط في الأشهر الستة الأولى بعد الزواج متضمنة نشاطًا جنسيًّا طبيعيًّا، ونتيجة لهذا عُرِف العقم بعدم القدرة على إنجاب الأطفال على الرغم من المحاولات غير المحمية مدة أكثر من سنة.

ومن الممكن أن يحدث العقم بسبب مشكلات صحية لدى المرأة أو الرجل أو كليهما معًا، وقد لا نجد أي سبب لدى بعض الأزواج، أو قد تجتمع عدة أسباب معًا، وقد يدلُّ عدم انتظام الإباضة وتأخر الحيض أكثر من شهر أو غيابه نهائيًّا على العقم.

إنَّ مسببات العقم كثيرة ومتنوعة؛ إذ تشكل اضطرابات الإباضة أحد أكثر الأسباب شيوعًا، وتصل نسبتها إلى  30% من أسباب العقم الكُليَّة عند النساء، لكن لحسن الحظ أنَّ 70% من هذه الحالات يمكن علاجها باستخدام الأدوية، ويمكن إرجاء فشل الإباضة إلى عديد من المشكلات الصحية، نذكر -بداية- الاضطرابات الهرمونية؛ إذ إنَّ 50% من حالات الإباضة -تقريبًا- لا ينتج فيها المبيض أجربة ناضجة، وتصبح الإباضة نادرة إذا كانت البيوض غير ناضجة مما يجعل فرص الإلقاح شبه معدومة. ونذكر هنا حالة المبيض المتعدد الكيسات فهي أكثر الحالات شيوعًا من بين الحالات المسؤولة عن هذه المشكلة، وتشمل أعراضها: انقطاع الطمث والشعرانية وغياب الحيض.

ومن الممكن أن تعود الاضطرابات الهرمونية إلى سوء عمل الوطاء؛ فهو الجزء من الدماغ المسؤول عن إرسال إشارات إلى الغدة النخامية التي بدورها ترسل هرمونات حاثة للمبيض (FSH، LH) لتبدأ عملية نضج البيضة، فإذا فشل الوطاء في حث هذه العملية وتنظيمها؛ ستنتج بيوض غير ناضجة. وتشكل هذه المشكلة 20% من حالات العقم، وتكون اضطرابات الإباضة الهرمونية في كثير من الحالات ناتجة عن اضطرابات الغدة النخامية؛ فهي المسؤولة عن إنتاج الهرمونات الحاثة على الإباضة وإفرازها، فإذا وُجِدَ أي ورم أو خلل كيميائي في الغدة سينعكس ذلك نقصانًا أو زيادةً في إفراز هذه الهرمونات مما سيفقد المبيض قدرته على الإباضة على النحو الطبيعي.

وقد تكون اضطرابات الإباضة غير هرمونية، فيُعَدُّ كل من تندّب المبيض والبلوغ المبكّر سببًا مؤهبًا لحدوث مشكلات كهذه في عملية الإباضة وجميعها قد تنتهي بالعقم.

لكنَّ مسببات العقم لا تقتصر على مشكلات الإباضة فحسب؛ إذ تشكل مشكلات قناة فالوب قرابة  25% من أسباب العقم عند الزوجين، وتتراوح بين الالتصاق المتوسط حتى الانسداد الكامل. وقد تكون ناتجة عن عدوى بكتيرية أو فيروسية مُنتقلة عن طريق الجنس مما سبّب التهابًا وتندّبًا في القناة.  وتُعَدُّ الجراحات السابقة سببًا مهمًا في أذيات القناة، وقد تسبب كل من الجراحة الحوضية أو البطنية آفاتًا تؤدي إلى تبدل قناة فالوب فتجعلها غير سالكة لمرور البيوض. ومن الجدير بالذكر هنا أنَّ الحمل الهاجر (حمل يقع في القناة نفسها) قد يكون سببًا مباشرًا للعقم، فهو حالة خطيرة قد تكون مهددة للحياة على الرغم من علاجها بحذر.

وأخيرًا؛ قد يكون العقم ناتج عن انتباذ البطانة الرحمي إذ تشكّل هذه الحالة 10% من أسباب العقم. وتشمل أعراضها عادةً: حيضًا طويلًا وغزيرًا ومؤلمًا، وإلحاح بول، ونزفًا شرجيًّا، فيجب هنا توخّي الحذر وعدم الاستهانة بأي عرض مما سبق فشدّة المرض لا ترتبط بشدة الأعراض.

لكن لحسن الحظ أنَّ كثيرًا من مسببات العقم قابلة للعلاج بعدة طرائق فهناك أدوية تحفز تطوُّرَ البيضة والإباضة، وتكون إما بشكل حبوب توصف لتحفيز الإباضة، نذكر منها (Clomiphene)، ويعمل "الكلوميفين" مضادًّا أستروجينيًّا؛ إذ يرتبط بمستقبلات الأستروجين في الوطاء الضروري لتحفيز المبيض على النمو والإباضة ليقود إلى إفراز إشارات هرمونية مهمة تدعى GnRH (الهرمون المطلق للمناسل) فيرتبط بدوره هذا الأخير بالغدة النخامية التي تفرز FSH(وهو هرمون يرتبط مباشرة بخلايا المبيض ليقود إلى نمو البيضة ونضجها)، وإما تأخذ شكلًا آخر هو الحقن؛ إذ يوصف حقن محفزة للمبيض تدعى gonadotropins (موجهة الغدد التناسلية) فتكون محضرة من الـ (FSH) وفي بعض الحالات تكون عبارة عن مشاركة بين الـ (FSH,LH)، تؤخذ هذه الحقن ليلًا مدة 5-10 أيام وتعمل مباشرة على خلايا المبيض.

ومن الممكن اللجوء إلى عملية التخصيب داخل الرحم حيث تُحضّر النطاف لتوضع داخل جوف الرحم ليصبح تركيز النطاف المتحركة أكبر وأقرب إلى قناة فالوب والبيضة المباضة.

وبات شائعًا في العقود الأخيرة استخدام عمليات طفل الانبوب (in vitro) التي تعني الإلقاح خارج الجسم؛ وهي عملية يحدث فيها جمع البيوض وتلقيحها بالنطاف خارج الجسم (في مختبر للأجنَّة) ومن ثم إعادتها إلى الرحم.

ومن الجدير بالذكر هنا أنَّ أول ولادة لطفل بفضل هذه العملية جرت عام 1978 في إنكلترا. ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه التقنية نقلة نوعية لأنها تسمح بالحمل عند نساء اعتُقد سابقًا أنهنّ عقيمات.

ومن الطرائق التي تساعد الأزواج على الحصول على طفل أيضًا تلك التي تستدعي تدخل طرف ثالث، وتقسم إلى 4 أنواع: التبرع بالنطاف، والتبرع بالبيوض، والتبرع بجنين كامل، والرحم البديل؛ إذ تتطوع امرأة لحمل جنين زوجين، عندما يكون الرحم لدى الزوجة غير قابل لحمل الجنين، ومن الممكن الخضوع لعمليات جراحية لتصحيح انسداد القنوات أو تليف الرحم أو التشوهات الخلقية.

وفي الختام لا بُدَّ من التنبيه إلى أنَّ هناك بعض السلوكات التي من الممكن أن تقي من العقم وتزيد فرص الحمل؛ إذ ننصح النساء بالالتزام بالتمارين الرياضية المعتدلة فمن الممكن أن تسبب التمارين القاسية ضغطًا على الجسم وخللًا في انتظام الدورة الشهرية.

ومن الضروري تجنب الزيادة الكبيرة في الوزن مع الامتناع عن التدخين وشرب الكحول، ومع عدم الإكثار من شرب القهوة.

ومن المهم عند التفكير بالحمل أيضًا مراقبة الصحة قبل الحمل عن طريق التأكد من سلامة الجهاز المناعي والتأكد من أمان الأدوية وأخذ حمض الفوليك مدة شهر على الأقل قبل التخطيط للحمل، مع التأكيد على ضرورة مراجعة الطبيب للسؤال عن آثار الأدوية الموصوفة إذ تؤثر بعض الأدوية في الخصوبة والقابلية على الحمل كدواء "الديجوكسين" و"الستيروئدات" الموصوفة لبناء الجسم، إضافة إلى بعض أدوية علاج الغدة الدرقية، وأدوية الاكتئاب، وأدوية الضغط والربو. أما إذا كانت المرأة مريضة سرطان فلا بُدَّ من مناقشة احتمالية الحمل قبل البدء بالعلاج الكيماوي والشعاعي.

فعند رغبة المرأة في الإنجاب مستقبلًا يستطيع الأطباء أخذ البيوض من الجسم وتجميدها لحمايتها من تأثير هذه الأدوية، أو قد يجرون عملية نقل للبيوض إلى منطقة في جسم المريضة لا تتأثر بالعلاج الشعاعي كاليد مثلًا.

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- هنا