الطب > مقالات طبية

الفواق المزمن

عانى كلٌّ منَّا في وقتٍ أو آخر الفواق (الحازوقة)، ولا بُدَّ من أنَّ الأمرَ كان مُزعجًا على الرغم من كونه مُضحكًا، إذاً كيفَ ستتصرّفُ إذا استمر الفواقُ لديك أكثر من الدّقائقِ المعدودةِ المُعتادة؟

لطالما سمعنا حلول الفواق الشائعةَ، "اشرب الماءَ من الجهةِ المعاكسةِ للكأس!"، "فاجئ المريضَ بصوت، أو بحركةٍ ما!"، "تناولِ الليمونَ الحامض أو عصارات المُخلّلات!"، "احبس نفَسَك لفترةٍ من الزّمن، أو تنفَّس في كيسٍ ورقيّ!"، وغيرها من الطّرق، التي قد يكون بعضها منطقيًّا بخلافِ أخرى.

وليتضحَ الأمرُ تمامًا، سنبدأ أولًا بتعريف الفواق، فما هو الفواقُ؟ وكيف يحدثُ، ومتى؟!

يحدث في حالةِ الفواقِ، كما يحدثُ عندَ استنشاقِ كميّاتٍ كبيرةٍ منَ الهواءِ بأسلوب أسرعَ منَ المُعتاد؛ إذ تتقلَّصُ عضلةُ الحجابِ الحاجز، وتنخفض، وتبدأ عضلاتُ الصّدرِ بالعمل، وبعدَ جزءٍ منَ الثانية (تحديداً 35 ميلي ثانية، وفقاً لإحدى الدراساتِ التّقليديّة)، ينغلِقُ الفراغُ الضّيّقُ ما بينَ الأوتارِ الصوتيّة، وهنا يُسمَعُ صوتُ الفواقِ المُمَيَّز، أمَّا عصبيًّا، فيُعدُّ منعكسًا لا إراديًّا صادرًا عن مركزه الذي مازال أمرًا غامضًا بالنسبة للعلم؛ إذ تقترح بعض الدراسات وجوده في البصلة السيسائية، في حين تقترح أخرى، أنه يوجد بين الفقرتين الرقبيتين C3-C5.

وبما أنّ حدوث الفواق مرتبط بتشنّج عضلة الحجاب الحاجز، فهذا يعني أنه مرتبطٌ  بتخريش أيضًا، أو تنبيه الأعصاب المعصّبة لتلك العضلة الآنفة الذكر، فهي تخضع لتعصيب كلٍّ من العصب الحجابي المتّجه من الدماغ إلى الحجاب الحاجز من جهة، والعصب المبهم المنطلق من الدماغِ، فالأذن، فالحنجرة، ليُعصِّبَ بعدها أجزاءً عديدة من الصّدرِ، والبطن من جهة أخرى.

وبعدما عرفنا آليةُ بدئهِ، فما السبيلُ إلى إيقافهِ؟ وأيُّ الآليّاتِ التقليديّةِ التي تحدّثنا عنها قد تكونُ نافعةً بالفعل؟

يُعتمد طرائق عديدة علاجيّةِ للفواقِ متوسّطِ الشّدةِ، على إحداثِ منبِّهٍ يعترضُ الإشاراتِ المُسبِّبَةِ له، أي اعتراض طريقِ الجهازِ العصبيّ، حتى لا تصلَ الإشارة إلى المركز العصبيّ المسؤول.

ولتوضيحِ الموضوعِ أكثر، سنطرحُ فكرةَ شائعة، وهي شُربِ الماءِ منَ الجهةِ المعاكسةِ منَ الكأسِ على سبيلِ المثالِ؛ إذ يمكنُ أن تُحرِّض هذه الطريقةَ الأعصاب في نهايةِ الفم، والأنف، والحنجرة، والتي يصعُبُ تحريضُها بطريقةِ الشّرابِ المُعتادة؛ إذ  تعدُّ الحنجرةُ نقطةَ توليدٍ وبثٍّ للإشاراتِ التي تعترض السيّالةَ العصبيّةَ، وهذا ما يُفسّرُ تدخُّلَ الطّعامِ والشّرابِ غير الاعتياديَّين في علاجاتِ الفواقِ المُقترَحة.

ولنضع فكرةً تقليديّةً أخرى قيدَ النِّقاش، وهيَ حبسُ النّفَسِ لفترةٍ قصيرة، أو التّنفّسُ داخلَ كيسٍ ورقيّ، الآليّةُ هنا مختلفةٌ عن سابقتها؛ إذ تعتمدُ على ارتفاعِ تراكيزِ ثنائي أوكسيد الكربون في الدم، فمستويات مرتفعة من هذا الأخيرِ قد تكبحُ الفواق.

أمّا بالنّسبةِ للحالاتِ المُعنّدة، فقد تحتاجُ تدخلًا دوائيًّا يتضمّنُ الباكلوفين(المُستخدمُ في علاجِ الإدمان الكحوليّ، الكلوربرومازين (الموصوفُ عادةً بصفته مضادًا للذّهان)، وفي بعضِ حالاتِ الإقياء، والغابابنتين(المُصرَّح به من قبل الFDA) لمعالجةِ نوباتِ الصرع، وقد استخدم لاحقًا في علاجِ الصداع، والقوباء، وكثيرًا من الاعتلالات الأخرى، إضافةً لاستخدامه حديثًًا في تخفيفِ الهبّاتِ الساخنة.

وكذلك من الممكن استخدام الميتوكلوبرامايد (المعروف باستخدامِه في حالاتِ الغثيانِ، والإقياء خاصةً لدى الحوامل، وبكونه مثبّطًا للمستقبلاتِ الدوبامينية؛ فله تأثيرٌ كبيرٌ في الجهاز الهضمي، ويُستخدمُ أيضًا في اضطراباتِ العضلاتِ الملساء، ويمكن أن يكونَ التثبيط العصبيّ، أو الجراحة خيارًا مطروحًا، ولكن نلجأ إليه عندَ عدمِ الاستجابةِ الدوائيةِ فقط.

وبيّنت بعض الحالات السريرية أنَّ العلاجَ بالوخز بالإبر أبدى نتائجًا إيجابية.

ومن الجديرِ بالذّكرِ، أنَّ الفواق قد يرتبطُ أحيانًا بأمراضٍ أخرى، فينتج عن الإصابةِ بها، أو حتى يكون عاملًا تشخيصيًّا في كشفها، ونذكر منها اِلتهابِ الجنبِ الحجابي، وذات الرئة، وتبولن الدم(فرط اليوريا في الدم)، والكحوليّة، واضطرابات المعدة، أو المريء، أو اِلتهاب الأمعاء.

وقد يرتبطُ أيضًا بحالاتٍ صحيّةٍ أخرى كالتهاب البنكرياس، والحمل، وسرطان الكبد أواِلتهابه، وتهيّج المثانة، إضافةً إلى أنّ التّعرّض لأذياتٍ سابقة، أوعمليّاتٍ جراحية، أو وجود ورم؛ إذ يسبِّبُ فواقًا مُتقطّعًا.

أخيراً، يجب التّذكيرُ بأنَّ هذا الضيفَ ثقيلَ الظل يزداد إزعاجاً  كلّما أطالَ مكوثَه، فيصبِحُ باستمرارِه لفتراتٍ طويلةٍ مُرهقاً لصاحبِه، بل قد يُسبّبُ فقدانًا في الوزن؛ نتيجةَ قلّةِ النوم واضطرابِ نُظُمِ الطعام التي سيعاني منها المريض.

ولعلَّ السيد "Charles Osborne" يستحقُّ جائزةً لصبرِه مرافقةً لجائزةِ غينيس للأرقام القياسيّةِ التي نالَها؛ نتيجةَ معاناته الفواقَ لمدّةِ 68 عامًا!

ومن الجدير بالذكر أنّ إحصائيًّا يُعاني الذّكورُ من الفواقِ أكثر من الإناث، أما عمليًّا فهو شائعُ الحدوثِ واختبره الجميعُ تقريبًا، ومعَ ذلك يبقى إزمانَهُ أمرًا نادرًا.

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا