علم النفس > المنوعات وعلم النفس الحديث

الدورة الطمثية؛ وصمة عار دون عار

تحيط العديدُ من المعتقدات الخاطئة والقواعد الاجتماعية الظالمة بموضوع الحيض لدى النساء، فما هذه الهواجس؟ ولماذا يعد كسرها أمرًا مهمًّا؟

وفقًا لتقرير نشرته UNFPA ESARO؛ لدى العديد من الثقافات في أنحاء العالم محظوراتٌ ثقافية تحيط بموضوع الحيض على الرغم من كونه ظاهرة طبيعية.

وهذه المحظورات مبنيّة على الأساس الخاطئ علميًّا، الذي ينص على أنّ الحوائض من النساء غير نظيفات، وبذلك؛ تتضمن هذه المحظورات منعَ العديد من النساء والفتيات من لمس الماء، أو الطهي، أو دخول المعابد وحضور الاحتفالات الدينية، أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ويعزز هذا كله التمييزَ القائمَ على نوع الجنس.

قد يصل هذا الإنكار لطبيعة هذه الظاهرة البيولوجية بالمرأة إلى المرض، أو حتى إلى الموت في بعض المجتمعات؛ إذ إنّ تجاهل موضوع الطمث فيها حادٌّ لدرجةِ أنّ النساء في أثناء فترة الحيض لا تتوافر لديهن الموارد اللازمة كالإمدادات والمرافق الصحية، أو القدرة على الوصول إلى المياه أو الصابون أو حتى الخصوصية فقط. وإذا جُمِع ذلك مع الخجل والنبذ المرتبط بالأمر؛ يصبح الذهاب إلى المدرسة أو العمل لبعضهنَّ ممنوعًا طيلة فترة دورتهن؛ مما يعني التراجع المهني أو العلمي لأولئك النساء.

وقد صرّحت اليونيسف في عام 2012 أنّ الفتيات في البلدان النامية يتغيّبن عن 20% من مدة العام الدراسي بسبب الطمث، فعلى سبيل المثال؛ تَترك 23% من الفتيات المدرسة في الهند عندما يصلنَ إلى سن البلوغ، ويبلغ معدل التسرُّب من التعليم في إفريقيا 1 من أصل 10 نساء، وفي نيبال؛ تخسر أكثر من نصف الفتيات المدرسة بسبب الحيض نتيجة عدم توافر الخصوصية والمرافِق اللازمة.

وفي البلدان التي ترتبط فيها محرماتٌ قويةٌ بالحيض -مثل بعض الأرياف في الهند ونيبال- يصلُ الأمر إلى إرسال النساء و الفتيات إلى مساكن معزولة تدعى "أكواخ الطمث" مدّة أسبوع واحد في الشهر؛ لأنَّ المرأة الحائض تُعدّ بنظرهم سامة، ويواجهنَ في أكواخ الطمث تلك خطرَ الثعابين ولدغ الحشرات، ويعانين سوءَ التغذية لأنهنَّ -في كثير من الأحيان- لا يُسمَح لهنَّ بالطهي -حتى لأنفسهنَّ- في أثناء الحيض، وكذلك تفتقر المساكن إلى الكهرباء أو أيّة وسيلة تدفئة؛ ممَّا أدى إلى وفاة العديد من النساء اختناقًا عند محاولتهن إضرام النار فيها نتيجة عدم تحملهنَّ البرد. ومن المعروف أيضًا أنّ المغتصبين يستهدفون النساء عندما يُوجدنَ وحدهنَّ في تلك المساكن.

أما في البلدان النامية التي لا تسودُ فيها تقاليدُ قويةٌ ضدَّ الطمث؛ نجد أنّ تكلفة منتجات تدبير الطمث هي التي تؤثر في صحة النساء والفتيات الفقيرات وسلامتهنَّ، إضافةً إلى الافتقار إلى الإمدادات والمرافق الصحية؛ مما يدفعهن إلى استخدام ما هو متاح للتحكم بالنزف -سواء الأوراق المجففة، أو العشب، أو الرماد، أو الرمل، أو الجرائد- وذلك يعني الإصابة بالأمراض.

وأظهرت بعض الدراسات التي أُجريت في كينيا أنّ عبء تكلفة تلك المنتجات يصل إلى درجة أنّ بعض طالبات المدارس قد يمارسنَ الجنس حتى يتمكنَّ من دفع ثمن المنتجات اللازمة لتدبير الحيض، ولا سيَّما الفتيات الصغيرات غير المتعلمات، المعتمدات على غيرهم اقتصاديًّا.

وقد تسهم تكلفة منتجات تدبير الطمث في تعزيز معتقد أنّ الفتيات تشكّلنَ عبئًا اقتصاديًّا؛ مما يزيد من سطوة التمييز القائم على الجنس.

وفي العديد من المجتمعات؛ يرتبط الحيض -بداية الحيض- بالاستعداد للزواج، علمًا أنّ زواج الأطفال يزيد من خطر حمل المراهقات والنتائج الأخرى التي لا تتوافق مع حقوق الإنسان.

ولا ننسى أنّ وصمة العار التي تحيط بموضوع الطمث تعني -في كثير من الحالات- إهمالَ العواقب الصحية الخطيرة التي قد تنتج عن اضطرابات الدورة الشهرية. فعلى سبيل المثال؛ عسرُ الطمث هو شكوى رئيسة بين المراهقات، ولكنّ القليل منهنَّ يسعينَ إلى الحصول على الرعاية الطبية.

وفي الختام؛ يجب علينا الإشارة إلى أنَّ جميع ما سبق من ظروف ومعتقدات لا يمكنه أن يؤدي بالنساء إلى تلك النتائج دون الجهل ونقص التثقيف المرتبط بالطمث، خاصةً التثقيف المرتبط بالأجهزة التناسلية الأنثوية، ويُعدُّ ذلك التثقيف الخطوةّ الأولى في حل تلك المشكلات، إذ يُعرِّض عدم توافر التعليم الكافي لهذه الأمور النساءَ والفتيات إلى زيادة خطر تعرُّضهن للعنف والالتهابات المنقولة جنسيًّا وتهديدات صحية أخرى.

وإنّ ذكرَنا بعض الثقافات فيما سبق لا يعني أنّ وصمة العار التي تحيط بالدورة الشهرية محصورةٌ فيها فحسب، بل إنها مشكلة تجريح وسريَّة عالمية.

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- هنا