علم النفس > المنوعات وعلم النفس الحديث

الرابط بين التوحُّد والمبيدات الحشرية

على الرغم من صعوبة رعاية الطفل المصاب بالتوحُّد؛ يكمنُ التحدي الحقيقي اليوم في إيجادِ أسباب حدوث هذا الاضطراب من أصله، والبحثِ عن جميع العوامل التي تترافق مع ازدياد خطر حدوثه.

إذًا؛ أين وصل العلم اليوم في هذا المجال؟

التوحُّد(هنا)؛ هو اضطرابٌ عصبيٌّ تطوريٌّ يؤثر في قدرة الطفل على التفاعل والتواصل مع الآخرين، ويتميّز بوجود عدد من السلوكيات المكرَّرة والاهتمام المحدود بالأنشطة؛ ما يسبّبُ عائقًا أمام تطوّره الاجتماعي ويُحدِث خللًا في حياته الاجتماعية والمهنية.

علمًا أنّ مرضَ التوحد يصيبُ واحدًا من كلّ 59 طفلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من عدم معرفة السبب المباشر وراءَ حدوثه؛ نعتقد أنّ ذلك يرجع إلى تفاعلٍ معقدٍ بين عدد من العوامل الجينية والبيئية.

وتوالت الشكوك في العوامل البيئية التي قد تتدخّل في حدوث التوحد من عدمه في مختلف الظروف، وهناك شكٌّ كبيرٌ في دور السموم البيئية، إذ يؤكّدُ البحثُ العلميُّ في هذا المجال على ذلك يومًا بعد يوم. ومن أهمّ هذه السموم التي تُدرَس اليوم هي المبيداتُ الحشرية، ودورُ التعرُّضِ المسبق لها في أثناء الحياة الجنينية في حدوث التوحد لاحقًا في الحياة.

وقد كانت البداية من دراسة نُشِرت عام 2007 تناولت الفرضية التي تشير إلى أنّ قُرب سكن الأمهات الحوامل من المناطق الزراعية يؤدّي دورًا في تطوُّر التوحد عند أطفالهم لاحقًا، واستندت الآليّة المفترضة إلى إحدى النظريات السببية للتوحُّد التي تقول أنّ التعرُّض لمركبات الكلورين العضوية المستخدمة زراعيًّا يزيد من خطر حدوث التوحد.

كذلك درس الباحثون بيانات 465 طفلًا مصابًا بالتوحد؛ إذ جمعوا معلومات تخصُّ حياتهم الجنينة وسكن أمهاتهم وبعده عن المناطق الزراعية، إضافةً إلى قياس مستويات الكلورين في الهواء في المناطق المختلفة، وأشارت النتائج إلى أنّ التعرُّضَ للكلورين في أثناء الحمل -لا سيما في الفترة التي يتكوّنُ فيها جهاز الجنين العصبي (الأسابيع الثمانية الأولى للحمل)- يرفع خطرَ الإصابة بالتوحد ستة أضعاف تقريبًا. وعلى الرغم من ذلك؛ أشار الباحثون إلى أنّ هذه النتائج الأولية لا يمكن تعميمُها ويحتاج الأمر مزيدًا من الأبحاث المركّزة من أجل البتّ في هذه المسألة.

وتتابعت الدراسات في هذا المجال؛ فوصلنا اليوم إلى الدراسة الأولى التي استندت إلى وَاسِم حيوي يربط مباشرةً بين تعرُّض الأم الحامل للمبيدات الحشرية وحدوث التوحد لدى طفلها لاحقًا، فما المبيد الذي تحدّثت عنه هذه الدراسة بالضبط؟

إنّه الـ dichlorodiphenyltrichloroethane (المعروف بـ DDT اختصارًا). وعلى الرغم من أنّه يُعدّ من أسوأ المبيدات الحشرية؛ لا يزال استعماله واسعًا في الزراعة أو في المنازل في مختلف أنحاء العالم.

وقد جعلت المخاطرُ الصحيّة المرتبطة باستخدام الـ DDT الحكوماتِ -كالحكومة الأمريكية- تتخذُ قرارًا بحظر استخدامه، ولكن على الرغم من حظر استخدامه؛ يبقى الضررُ الناجم عنه مستمرًّا نتيجةَ استقلاب المركب البطيء -الذي قد يستغرق عقودًا- وتراكمه في أنسجة الكائنات الحية الشحمية، وإضافةً إلى ذلك؛ يُمكن للـ DDT أن يعبرَ المشيمة ويتراكم في أنسجة الجنين (حتى قبل ولادته)؛ ما يجعلهُ عرضةً لآثاره السلبية.

وفي أحدث الدراسات التي نُشرَت عام 2018 في مجلة The American Journal of Psychiatr؛ قيسَت مستويات أحد مستقلبات الـ DDT (المعروف بـ p، p’-DDE) في عينات دم مأخوذة من نساء حوامل في أثناء الأشهر الأولى من الحمل، ولوحظ أنّ النساءَ اللواتي لديهنّ نسبة عالية من p، p’-DDE في دمائهنّ كانت أجنّتهن أكثرَ عرضةً لتطوير التوحد بثلاثة أضعاف، في حين تتضاعفُ نسبة ترافق التوحد مع إعاقة فكرية مهمّة عند مواليد الأمهات اللواتي لديهنَّ نسبة عالية من p، p’-DDE.

وعلى الرغم من أنّ العلاقة السابقة مهمّة؛لا تزال مجرّدَ علاقةٍ ترابطيةٍ بين الـ DDT والتوحد، وليست علاقةً سببيّة، ولكنها تكوّن واحدةً من أهم المنطلقات لمزيدٍ من الدراسات التي تمكّننا من فهم العوامل المشاركة في ظهور التوحد، وذلك من أجل تطوير البرامج الوقائية -وربما العلاجية الشافية- يومًا ما.

وأخيرًا؛ قد تمتلئُ موائدُنا بالخضار والفواكه، وقد نجني مالًا كثيرًا ولكننا قد ننفقه على صحّة أولادنا؛ فاحذروا!

المصادر:

1. هنا

2. هنا

3. هنا

4. هنا

5. هنا