الموسيقا > موسيقا

توم وايتس… عرَّاب الوحوش والملائكة

عندما تضغط زر التشغيل لتسمع أغنية "November" تبدأ الأغنية بآلة الووترفون بصوتِ صفيرٍ يشبه صوت الرياح العاصفة، لكن عندما يبدأ توم وايتس بالغناء يمكنك أن تشعر بكل وَحشَة الشتاء تنقضُّ عليك، يعيدك صوته الخشن إلى مشهدٍ في كوخٍ ريفيٍ مهترِئ في أقاصي مينيسوتا في أوائل القرن المنصرم، محاط بأشجار متيبِّسة، وباحةٍ خلفية قبيحة خالية من الحياة، ورجل يعانق زجاجة الجين ويغني وحيداً، مكان لم تزره قط ولا عبر آلة الزمن، لكنك تستطيع استحضار مشهد كهذا.. مشهدٌ مليء بالوحدة والقسوة على الرغم من صوته الهادر، ويغادر بِكَ توم وايتس تارة إلى مدن قاحلة في حانات مليئة برجال سيئي السلوك أو مسرح صغير يعزف عليه موسيقا الجاز لأشخاص يُعَدُّون على أصابع اليد الواحدة، أو إلى شاعر مُتيَّم يغني على القمر، وتارة يأخذك إلى الجحيم بنسختَيه الدنيوية واللامادية، أو إلى الجنة الافتراضية الخاصة به التي يصفها عن طريق لقاءٍ مع نفسه ضمن حملة ترويجية بأنها: "أنا وزوجتي في مقهى Route 66 نحتسي القهوة معاً، غيتار مسجّل من مكتبِ رَهْنٍ رخيص وقديم في موتيل 6، وسيارة ما زالت تعمل على نحوٍ جيد مركونة أمام باب المقهى".

توم وايتس تجاوز كونه فناناً جدليَّاً، فهو جدلي بالفطرة والجوهر، وجدليَّته لا تأتي على غرار -بعض فناني القرن الواحد والعشرين- عمداً، بل تنسابُ في شعره وموسيقاه وموضوعاته بطلاقةٍ وعفويةٍ لا نظيرَ لها، فموسيقاه تنطوي على قدرٍ كبير من السخرية والحنين، والتهكم والألم، والعبثية والقسوة التي تقابلها أحيانا الرقة الفائقة، كما نجده في (استمع إلى Martha)، و(استمع إلى God's Away On Business) في كلمات الأغنية الثانية "الله غائب في عمل" يقول وايتس: "القمر الدموي يعلو مع الطاعون والفيضان، انضم إلى الغوغاء، انضم إلى الغوغاء... مَن هم هؤلاء الذين وضعناهم في موقع السلطة؟ القتلة، واللصوص، والمحامون… الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل". في هذه الأغنية يتجلى الجانب الغروتيسك من موسيقا وايتس وصوته، فتغلبُ عمداً السمة الشيطانية على الأداء الغنائي، والطابع الصوري الذي اعتمده في فيديو الأغنية، وليس من الدقيق وصفه بفنان روحي؛ لكن لديه القدرة على لمس أشد الموضوعات اللامادية بأسلوب شديد المادية، وقد يركز في كلماته على توصيف مشهد اعتيادي من دون المغالاة في إقحام الصور والتعابير المتكلِّفة لنقل حالة عالية تصويرية picturesque، وقد نستطيع إطلاق صفة "غروتسك" على طابع الكثير من أعماله، فمعظمها تنطوي على قدرٍ كبيرٍ من التنافر dissonance -ليس بالضرورة من الناحية الهارمونية- وأحياناً تنطوي على بشاعة مقصودة. يؤدِّي وايتس دور الشيطان ودور الملاك بحرفية وانسيابية في تبديل الأدوار على نحوٍ غير مسبوق بين أقرانه، ويقول توم وايتس: "أحب الاستماع لأغنية جميلة تحدثك عن أشياء شنيعة، كلنا نحب تلقي أخبار سيئة من فمٍ معسول"، جاء هذا في تعليق وايتس على ألبومه 2002 Blood Money الذي يضم أغنية God's Away on .Business

Martha - Tom Waits:

II. God’s Away On Business - Tom Waits:

قد تسمع في أحد أداءات توم وايتس في أغنية " House Where Nobody lives" طبيعةَ أداءٍ قد تبدو مليئة باللامبالاة، هذا وإنه قد سجل الأغنية غيرَ مكترث تقنياً بالنتيجة، ويقول في كلمات الأغنية: "إن وُجد الحب في منزل ما… فسيصبح قصراً بالتأكيد".. توم وايتس يعتمد بكثير من الحالات على القباحة لإظهار الجمال، فهنا يستعمل صوته المتحشرج ويبدو ثملاً حتى النخاع فوق موسيقا هي أقرب لتهويدة الأطفال "Lullaby"، وهنا يكون توم وايتس متشرداً سكيراً يفتقر الحب وسقف البيت.

 

لأغنية "The Piano Has Been Drinking" تسجيل حي، وكلمات الأغنية أقرب للهذيان:

“البيانو الذي كان يشرب، ليس أنا. ربطة عنقي نائمة، هل لاحظتَ بأن السجادة تحتاج لقصة شعر؟ وأن كشّاف الضوء يبدو كاستراحة في السجن"، تتعالى في التسجيل ضحكات الجمهور معتقدين أن الموسيقي يسعى للحذلقة واستعراض قدرته على اصطفاف عبارات عبثية، لكنَّ توم وايتس كان يعني بأدائه المثير للضحك إعلاناً عن كائن بقمة الانحدار والضياع متعرياً أمام جمهوره.

على الرغم من قدرته العالية على كتابة الأغنية الرومانسية التقليدية أو ballads (استمع إلى Drunk On The Moon) لكنَّ اختيارات وايتس لم تنحصر في أغنية البالاد أو الجاز، ولا يمكن تصنيفه حصراً بوصفه مغني بلوز أو فولك، بل إن السمة المشتركة بين أغلب أعماله هي التجريبية experimental, إن كانت موسيقاه "موسيقا بديلة" أو أي شيء آخر، فالأنسب وضع repertoire وايتس خارج التصنيفات المقيدة، ولم يحظَ بأغنية ضاربة hit song في مسيرةٍ فنيةٍ تمتد إلى أربعة عقود من الزمن، ورفض واحتقر استخدام تسجيلاته بأي شكل من أشكال الإعلان والدعاية، إلَّا أن الفنان المولود عام 1949 ما زال أهمَّ الفنانين الطليعيين Avant-garde إلى يومنا هذا.  

Drunk On The Moon - Tom Waits:

قليلون جداً مَنِ استطاعوا إطلاق العنان لحسهم الساخر الساخط كما فعل توم وايتس، فماذا قد تنتظر من فنانٍ يعرِّفُ الجمال على أنه: "قطعة زيت تُخلِّفها سيارة في محطة وقود"، و يجد "أفضل ليلة نوم على الإطلاق: على مجرى نهر جاف في ولاية أريزونا"، فالجماليات aesthetics عنده تتخذ منحى غيرَ مطروق، وقد تكون تشابيهه شديدة العبثية، لكنَّكَ لا تجد بصيرةً مثلها في عالمٍ موسيقيٍ حاليٍ تسوده المحاولات المثيرة للشفقة للخروج بعمل فني يستطيع الصمود بوجه الزمن.

المصادر:

1- هنا

2- هنا

3- هنا

4- هنا