اللغة العربية وآدابها > الحب في الأدب العربي

الحب والغيرة في شعر الركونية: 1. حوارات اللقاء

يمثّل الحبُّ قيمة عليا في الثقافة الإنسانية، ولا يكاد يخلو أدبُ أمّةٍ من مضامينه وتجليّاته واحتضانٍ لقصصه الواقعية والخيالية، ولكنّ هذه التجليّات والقصص تختلف بين أدبٍ وآخر وفترةٍ زمنيةٍ وأُخرى، ولا يمكن قصرُ مفهوم الحبِّ على الأبعاد التقليدية التي تجمع بين رجلٍ وامرأة، بل يتخطّى ذلك إلى أبعاد متنوّعة بتنوّعِ التجارب والأنساق الاجتماعية والإنسانية. ولا يخرج الأدب العربي عن هذا الإطار المعرفي، فهو أدبٌ غنيٌّ -بشعره ونثره- بمضامين الحب وحكاياته ونظريّاته المختلفة، ولذلك ستحاول هذه السلسلة تقديم هذه المضامين وتقصّيها وتتبّع آثارها في النصوص العربية المختلفة، لعلّ الحبَّ يكون معرفتنا الأصيلة وقيمتنا الأسمى.

ويعرض هذا المقال قصة حبٍّ فريدة وردت في التراث العربي الأندلسي جمعت بين الشاعرة حفصة الركونية والشاعر الوزير أبي جعفر ابن سعيد في القرن الثاني عشر الميلادي، وسيقدّم في جزئه الأول فضاءات اللقاء وحواراته الشعرية محاولًا التأسيس لاستكشاف تجربة الأنثى الشاعرة العاشقة في الجزئَين الثاني والثالث منه.

الركونية ومحبوبها:

       هي الشاعرة حفصة بنت الحاج الركونية (ت581  أو 586 هـ)؛ من أهل غرناطة في الأندلس جنوبي إسبانيا، وأصلها من رُكونة أو رُكانة وهي بلدة غربي بلنسية؛ وتسمّى بالإسبانية (Requena)، وعاشت الركونية في القرن الثاني عشر الميلادي في زمن مضطرب شهد انتقال السلطة في الأندلس من المرابطين إلى الموحّدين.

       نالت الركونية الأستاذة شهرةً واسعةً في عصرها، وقد أجمعت آراء العلماء والمصنفين على ذكائها المتّقد وحُسنها وظرفها وعلو شأنها الاجتماعي والأدبي، ووليت تعليم النساء في دار المنصور، وقد قال فيها لسان الدين بن الخطيب: "فريدة الزمان في الحسن والظَّرْف والأدب واللوذَعيَّة (الذكاء الحاد واللسان الفصيح)"، وقال فيها ياقوت الحموي: "الشاعرة الأديبة المشهورة بالجمال والحسب والمال". ولكن لم يصلنا من أبيات شعرها إلا قرابة ستين بيتًا شعريًّا، وذكر ابن دُحية أنها كانت ناثرة، لكن لم يصلنا من نثرها شيء.

       أمّا محبوبها فهو الوزير الشاعر أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي (ت559 هـ)، وقد كان والده صاحب قلعة بني سعيد المنسوبةِ إليهم، وتُعرَف اليوم باسم (Alcala de Real)، وعندما استولى الموحدون على غرناطة عمل أبو جعفر وزيرًا -مُكرَهًا- عند عثمان ابن الخليفة الموحّدي عبد المؤمن؛ إذ ولّاه أبوه غرناطةَ، وقد أحبَّ عثمان حفصةَ الركونية أيضًا، ونافس في حبها أبا جعفر، ونقم عليه لأسبابٍ عدّة. ولا تقدّم المصادر المختلفة زمنَ لقاء الشاعرة بأبي جعفر، ولكن يمكن تلمُّس بعض تفاصيل هذه القصة التي دارت أحداثها في غرناطة.

قلعة بني سعيد:

المحاورات الشعرية بين الركونية وأبي جعفر ابن سعيد:

        ما يعطي لقصة الحب هذه رونقها وخلودها هي أنّها كانت بين شاعرَين مُجيدَين، وقد تبادلا رسائل الحب والشكوى والوجد والعتاب بالمقطّعات الشعريّة الجميلة التي بقيت حاضرةً إلى اليوم، وهي إن كانت قليلةً في عددها إلّا أنّها تكشف جوانب من فضاءات التواصل واللقاء بينهما، لعلّها تُركَّبُ في صورة متناغمة.

لقاء حَور مؤمَّل:

حور مؤمّل: 

وهو متنزّهٌ يقع جنوب قصر الحمراء في غرناطة، وحدثَ أن التقت الركونية بمحبوبها وباتا فيه، وبعد افتراقهما أرسل إليها أبو جعفر أبياتًا يدعو الله فيها أن يحفظ ذاك الليل الوادع، إذ رأى فيه ستارًا أخفاه مع حبيبته، ووصف مشاركة الطبيعة له في الفرح، فحمام القُمريّ غرّد ابتهاجًا بهما، ومالَ غصنٌ من الريحان متراقصًا فوق ساقية ماءٍ، فالرَّوض مسرورٌ بما ظهر له من عناقٍ بين المحبوبَين وضمٍّ واحتضان وتبادلٍ للقبل. ومنها:

                              رَعَـــى الله ليـــــلًا لم يَــرُعْ بمُـذمَّــــمِ .. عـشـــــيَّة وارانـا بِحَـــوْرِ مــؤمَّـــلِ

                              وغرَّدَ قُمــــريٌّ عــلى الدَّوح، وانثـنى .. قضيبٌ من الريحان من فوقِ جدولِ

                               ترى الرَّوضَ مَســـرورًا بما قد بدا له .. عـــناقٌ وضــمٌّ وارتشـــافُ مُـقــبَّـلِ

         وأمام فرح أبي جعفر بلقاء الركونية وقفت هي في الجهة المقابلة، وناقضته في شعره؛ فلم يتملّكها إلا الخوف، ولم يعصف بقلبها إلّا القلق، فهذه الحدائق الغنّاء لم تفرح بلقائهما، وإنّما كانت تُظهر غيرتها منهما، ولم يكن تصفيق النهر ولا تغريد الحمام من ابتهاجٍ، لذلك فهي تطلب منه ألّا يطمئنَّ لجمال هذا الليل الذي لم يُظهر نجومَه التي أضاءت الأفق إلّا لتراقبهما وترصدهما، فبدأت شعرها من حيث انتهى:

                                لعـمـــركَ ما سُـــرَّ الرياض بوصلنا .. ولكـــنّه أبـــدى لنا الغــــلّ والحسد

                                ولا صفَّـقَ النهــــر ارتـــياحًـا لقربنا .. ولا صدحَ القُمـــريّ إلا بما وجـــد

                                فما خِـلتُ هـذا الأفـق أبـــدى نجومه .. لأمرٍ سوى كَيــما تكــون لنا رصَد

                         تكشف لنا تجربة الوصال هذه إذًا موقفَين متناقضين، فالشاعر يهتمُّ باللذات الحسية التي نالها من محبوبته حفصة، ويتملّكه السرور والاطمئنان أنَّ ليلَهما معًا قد مر بسلام ويرى في الطبيعة تجليًّا لفرحه وسروره، في حين أنَّ الركونية بإحساسها الأنثوي المرهَف كانت تشعرُ بالقلق والريبة، وتبدو صور الطبيعة كأنَّها تجسّد غيرتها على محبوبها، وتكشف خوفَها من أعين الرقباء والمتربّصين بهما، ويتجلّى توتّرها الشعوري في تغلّب الصور السمعية لديها في التركيبين (صفّق النهر/ صدح القُمريّ) اللتَين توحيان بأثر الصوت في نفسها، فقد كان مضاعَفًا يثير الضجّة ويجذب إليه الأسماع، ويمكن إجمالُ هذا التناقض في الموقفين بما يأتي:

عنصر الطبيعة موقف أبي جعفر منه نوع الصورة موقف الركونية منه نوع الصورة
الرياض مسرور قلبية ناقم وحاسد قلبية
الليل ستار بصرية أرسل نجومه للرصد بصرية
الجدول/ النهر تتراقص الأغصان فوقه بصرية يصفّق قلقًا سمعيّة
حمام القُمريّ يغرّد سمعية يصدح لما رأى سمعيّة

   وبهذا؛ لم تكن سعادة الركونية تامّةً بلقاء محبوبها، بل كان هناك ما ينغّص هذه السعادة ويزرع القلق في وجدانها، فمّمَ كان هذا الخوف كلّه؟!    

مطلٌ وتسويف قبل لقاء الكمامة:

             نواجه هنا بناءً سرديًّا يعمّق فهم تجربة الحب عند الركونية، ويمكن تلخيص وحداته الحكائيّة فيما يأتي:

طلب أبو جعفر من الركونية لقاءه، فماطلت شهرَين.

أرسل إليها رسولًا يحمل إليها أبياتَ عتابٍ يتجنّب فيها ذكر اسمها، ويشكو تكبّرها عليه، ويعبّرُ عن رغبته الملحّة في وصالها، ثم يتّجه بخطابه المباشر إليها ليخيّرها بين الوصل والإراحة؛ لأنَّ "اليأس يَثني زمامَه"؛ أي بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه ويكفّه عن طلب اللقاء؛ وهذه بعضٌ منها:

                                                  يـــا مَنْ أجـانِبُ ذكر اســـ ــمَه، وحســــــبي عـــــلامَهْ

                                                  اليـــــوم أرجــــوكَ لا أن تكــــونَ لي في القــــــــيامه

                                                  إنْ لــم تنيـــــــلي أريحـي فاليأسُ يَثنـــي زمـــــــــامَه

وعلى عادة الركونية في أجوبتها اللمّاحة الذكية؛ تتهكّم من محبوبها بأسلوبٍ طريفٍ، وتتّهمه بادّعاء الإمامة في الحب وطلبه السلامة في الأمور، ثم تعبّر عن رفضها مضامينَ رسالته، وتسأله باستنكار: كيف لِمدّعي الحب أن يكفّه يأسه من الحبيب عن الهوى والشوق؟! وتنقلُ إليه رسالةً مرمَّزة بأسلوب ذكي، وتطلب منه الكفَّ عن حدّة اللوم، لأنّه لا يعرف عذرها في تلك المماطلة:

                                                يا مدَّعي في هوى الحُسْــــ ــنِ والغــــرامِ الإمــــــــامه

                                                أمُـــدَّعـي الحُــبّ يَثنـــــي يــأسُ الحَبيب زمـــــــــامَه؟

                                                والزَّهر في كــــلِّ حــــينٍ يشــــقُّ عــــــنه كــــــمامه

                                                لو كنتَ تعرفُ عـــــذري كففتَ غَـــــرْبَ المـــــلامه

       ولكن بعد أن نقلت الركونية هذه الأبيات إلى الرسول اندفعت غاضبةً نحوه وقالت: "لعن الله المُرسِلَ والمُرسَل، فما في جميعكما خير، ولا لي برؤيتكما حاجة".

عاد الرسول إلى أبي جعفر مرتبكًا قلقًا، وأعطاه الأبيات وهو يلعنُها ويسبّها، فلمّا قرأ الأبيات قال لرسوله: "ما أسخفَ عقلك وأجهلك! إنّها وعدتني للقبة التي في جنّتي المعروفة بالكمامة".

         (فالصورة الشعرية (الزهر يشقّ عنه كِمامه) تحمل معنىً قريبًا يشير إلى تفتّح براعم الزهور، ولكنّها تحمل معنىً بعيدًا ضمنيًّا يشير إلى مكان اللقاء "الكِمامة"، وقد استعانت الشاعرة بالتورية لتحدد مكان اللقاء).

مضى أبو جعفر ورسوله إلى "الكمامة"، ولم يمرَّ وقتٌ قصير حتّى جاءت الركونيّة، ولمّا أراد عتابها انبرت إليه ببيت الشعر هذا:

          دعي عدّ الذنوب إذا التقينا .. تعالي لا أعدُّ ولا تعدّي.

          فصمت أبو جعفر عنها، وجلسا في أحسن حال.

في أثناء اللقاء وصلت إليهما رقعةٌ (قطعة من الورق أو الجلد يُكتَب بها) من الشاعر الكُتَندي* وفيها أبياتٌ يطلب فيها الجلوس معهما، فغضبت حفصة منه وقالت: "لعنَه الله، لقد سمِعْنا بالوارش على الطعام، والواغل على الشراب (الوارش والواغل: الطفيليّ)، ولم نسمع اسمًا لمن يعلم باجتماع محبَّين فيروم الدخول عليهما"، فقال لها أبو جعفر: "بالله سمّيه لنكتب له بذلك"، فقالت: "أسمّيه الحائل، لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه".

أجاب أبو جعفر بأبياتٍ قاسيةٍ من الشعر وأرسلها إلى الكتندي وطلب منه ألّا يكون غراب بَينٍ، ثمّ ذيَّلَ قوله بتسمية حفصة له:

                                     ســـمَّاك من أهواهُ حـــائل .. إنْ كــنتَ بعدَ العتبِ واصل.

عندما ذهب إليه الرسولُ وجدَه قد وقع في مطمورة نجاسة (فضلات)، فأعطاه الأبيات وعاد إلى الركونية وأبي جعفر وأخبرهما بما رآه فضحكا عليه كثيرًا، ثم أنشدا أبياتًا بالتناوب يهجوانه هجاءً مريرًا، وهذان بيتان منها:

                                  الركونيّة: يا أسـقط الناس ويا .. أنـذلـــهم بلا مِرا

                                  أبو جعفر: لا قرّب الله اجــتما ..عًا بك حتَّى تُقـبرا

       توضح القصة أنَّ اللقاء بين حفصة ومحبوبها لم يكن أمرًا متاحًا دائمًا، وتعود عناصر الحذر والخوف لتظهرَ فيها حتى في شعر أبي جعفر الذي تجنّب ذكر اسمِها في أبياته، وقد ناقضت الركونية أقوال محبوبها أيضًا، وهي وإن سخرت منه ضمنيًّا في أبياتها فإنَّ مشاعرَ حُبِّها تفيضُ عن هذه السخرية؛ كأنّما ابتغت استفزاز صفات الرجولة فيه لتشجّعه على اللقاء، وقد تبدّى قلقها مجدّدًا في ترميز مكان اللقاء ثمّ افتعالِها موقف الغاضبةِ كي لا يعلم أحدٌ بأمرهما، وقد راهنت على ذكاء محبوبها وقدرته على فهم إشارتها وكان رهانُها في مكانه.

      وإنَّ حرص الركونية على كلّ لحظةٍ في لقائها محبوبها هو ما جعلها تغضب لتطفّل الشاعر الكُتنديّ عليهما، فلعنته بحنقٍ وحارت في قلّة حيائه وغلّظت عليه في الرد، ثم ابتكرت له بداهةً مصطلح (الحائل) مستذكرةً ألقاب المتطفّلين؛ والتسمية على ما فيها من سخريةٍ أيضًا فإنّها تكشف عن مدى تعلّقها بمحبوبها، فهي لا تريد أن تتحوّل عيناها عن محبوبها، وتريد أن تُمضي معه كل لحظةٍ في هذا اللقاء.

زيارة منزل المحبوب:

         الركونية التي كانت تماطل في الحواريّة السابقة؛ هي نفسها هنا قد قصدت منزل محبوبها أبي جعفر، والراوي هنا هو محبوبها نفسه:

يبدأ أبو جعفر قصته بقوله: "أقسم ما رأيتُ ولا سمعتُ بمثل حفصة" ثم ينبري لتأكيد قسمه هذا؛ فقد كان جالسًا مع بعض أصدقائه الكِرام عندما ضُرِب باب منزله، فذهبت الجارية لترى مَن بالباب.

وجدت الجارية امرأةً بالخارج، فقالت: "ما تريدين؟" فأجابتها المرأة: "ادفعي لسيّدك هذه الرقعة".

قرأ أبو جعفر الرقعة فوجد فيها شعرًا:  

                                          زائرٌ قد أتى بجــــــيد الغـــــزال .. مُـطلِـع تحت جُـــنحِه للهِـــلال

                               بلحـاظٍ من ســحر بابل صــيغت .. ورُضـــاب يفـوق بنت الدوالي

                               يفضـحُ الوردَ ما حـوى منه خــدٌّ .. وكـــذا الثـــــغرُ فاضــحٌ للآلي

                               ما تــرى في دخـــولهِ بعـــد إذن .. أو تراه لعـــارضٍ في انفصال؟

         (أي أتاك زائرٌ له عنق الغزال في الجمال، ووجهه كالقمر الطالع في ليل شعره الأسود، ولحاظ عينيه قد كوِّنت من سحر بابل القديمة، وريق شفتيه العذب يفوق عنب الدوالي الشهيّ في طعمه وأثره -وغالبًا أومأت إلى الخمرة-، وخدوده تفيضُ وردًا، وفمه إذا تبسّم كشف عن لؤلؤ الأسنان، أفتسمحُ له بالدخول أم لديك ما يشغلك عنه؟).

يقول أبو جعفر: "فعلمت أنّها حفصة وقمتُ مبادرًا للباب، وقابلتها بما يُقابَل به مَن يشفعُ له حسنه وآدابه والغرام به، وتفضّله بالزيارة دون طلب في وقت الرغبة بالأنس به".

لم يكن أبو جعفر يتوقّع زيارةَ الركونية له في منزله، ولكنّها أتت إليه مدفوعة بالشوق والوجد، تتحدى أعراف المجتمع وتقاليده، وتتغنّى بمفاتن جسدها بجرأة نادرة في الشعر العربي، وهي وإن كانت تستأذنه في الدخول عليه؛ لكنّها تغويه لتحرّضه على القبول، وممّا لا شكَّ فيه أنّ حبّ الركونية الشديد لمحبوبها يظهر أكثر في هذه القصة.

إضاءة:

تمتّعت المرأة الأندلسية بحريّةٍ فاقت نظيرتها في المشرق العربي، وتلقّت كثيرٌ منهنَّ العلوم والمعارف المختلفة، لذلك فإنّ صورة المرأة المثقفة المتحررة في الأندلس ليست حدثًا فريدًا، ومع هذا؛ فإنّ عاطفة الركونية دفعتها إلى تجاوز السائد والمألوف، وتنازَعها الحب والخوف كما يبدو في النصوص الثلاثة السابقة، فوصف جمال الطبيعة في الشعر الإندلسي يتّخذ موضعًا مركزيًّا، لكنَّ الركونية لم تجد فيه إلا صدىً لغيرتها وخوفها، ثم يتبدّى خوفها أكثر في الحوار الثاني ويظهر حضور الرقيب الذي لم يكن الشاعر الكتندي فحسب، بل إنَّ هناك رقيبًا آخر أشدَّ خطرًا عليهما وهو عثمان بن عبد المؤمن والي غرناطة الذي كان يتودّد إليها، وتتبدى في هذا الحوار عاطفتها القويّة تجاه محبوبها أيضًا؛ فهي لا تريد أن تتحول بعينيها لحظةً واحدةً عنه.

وقد عرف المجتمع العربي المرأة مطلوبة لا طالبة، ومرغوبةً من محبوبها لا راغبة، ولكنَّ الركونية في الحوار الثالث لا تجد حرجًا في وصف مشاعرها ومفاتن جسدها وتطلب محبوبها في داره وتغويه بوصلها، راميةً عن كتفيها الخوف والحذر، وهذا كلّه ما جعل تجربتها في الحب والشعر تجربةً فريدةً وتستحق الدراسة، ولكن هل انتهت القصة هنا؟ وهل تكشّفت التجربة كاملةً بما وصلَ إلينا من شعرها؟

إنَّ النصوص السابقة تؤسس لفهم تجربة الركونية العاشقة فهمًا أفضل، ولذلك سيحاول الجزء الثاني من هذا المقال أن يضيء أكثر على تنافس كلٍّ من أبي جعفر وعثمان في حبها، ليبدأ بعرض تجليات تجربة الركونية العاشقة في شعرها، وسيكمل الجزء الثالث والأخير تركيب قصتها لنعرف معًا جميع جوانبها التي وصلت إلينا، وما آلت إليه هذه القصة في نهايتها.

الهوامش:

*الكُتَندي: محمد بن عبد الرحمن، كان شاعرًا وكاتبًا وأديبًا ذا معرفة باللغة العربية، سكن غرناطة، وصاحب أبا جعفر ابن سعيد. (المُغرب في حلى المغرب، ج2، ص264).

المصادر:

[1] الغرناطي، أحمد بن إبراهيم، صلة الصلة (ملحق بكتاب الصلة لابن بشكوال)، تحقيق: شريف أبو العلا العدوي، مصر، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، (2008م)، ط1، ج3، ص459.

[2] ابن الخطيب، لسان الدين محمد، الإحاطة في أخبار غرناطة، مراجعة وتقديم وتحقيق: بوزياني الدراجي، الجزائر، الجزائر، دار الأمل، (2009م)، ط1، ج2، صص 60- 67.

[3] ابن دحية، عمر بن حسن، المطرب من أشعار أهل المغرب، تحقيق: إبراهيم الأبياري، حامد عبد المجيد، أحمد أحمد بدوي، راجعه: طه حسين، لبنان، بيروت، دار العلم للجميع، (د.ت)، ص 10.

[4] ابن الأبّار، المقتضب من تحفة القادم، تحقيق: إبراهيم الأبياري، مصر، القاهرة - لبنان، بيروت، دار الكتاب المصري - دار الكتاب اللبناني، (1989م)، ط3، ص219.

[5] المقري التلمساني، أحمد بن محمد، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، حققه: إحسان عباس، لبنان، بيروت، دار صادر، (1968م)، ج3، ص 218/ ج4، صص 171-178.

[6] ابن سعيد، علي بن موسى وآخرون، المُغرب في حُلى المَغرب، حققه وعلق عليه: شوقي ضيف، مصر، القاهرة، دار المعارف،(د.ت)  ط4، ج2، صص 103، 104، 138، 164-168، 264.

[7] ابن سعيد، علي بن موسى، رايات المبرّزين وغايات المميّزين، حققه وعلق عليه: محمد رضوان الداية، سورية، دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، (1987)، ط1، صص 157، 158، 161-163.

[8] الحموي، ياقوت، معجم الأدباء؛ إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، حققه: إحسان عباس، لبنان، بيروت، دار الغرب الإسلامي، (1993)، ط1، ج3، صص 1182-1186.

[9] الحموي، ياقوت، معجم البلدان، لبنان، بيروت، دار صادر، (1977)، ج3، ص 63.

[10] ابن فارس، أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط: عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (1979م)، ط2.

[11] ابن منظور الإفريقي المصري، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، لبنان، بيروت، دار صادر، (د.ت)، ط2.

[12] بالنثيا، آنجل جنثالث، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة: حسين مؤنس، مصر، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، (د.ت)، صص 40- 49، 242- 248.

[13] مكي، الطاهر أحمد، دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة، مصر، القاهرة، دار المعارف، (1987)، ط3، صص 78- 96.

[14] شافع، راوية عبد الحميد، المرأة في المجتمع الأندلسي؛ من الفتح الإسلامي إلى سقوط قرطبة، مصر، القاهرة، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، (2006)، ط1.