منوعات علمية > منوعات

5/12/2019 في يوم التطوع العالمي؛ أتستحق المبادة كل هذا العناء!

أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم التطوع الدولي ليكون في 5 كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، ويُنظَرُ إليه بوصفه فرصةً فريدة للمتطوعين والمنظمات للاحتفال بجهودهم، وتشاركِ قيمهم، وتعزيز عملهم ضمن مجتمعاتهم المحلية والمنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة والسلطات الحكومية والقطاع الخاص.

هذا وقد كثرت مؤخّرًا المنظماتُ غير الربحية والمؤسسات غير الحكومية التي تدعو إلى المبادرة والتطوع بأشكالهما كافة لكونهما مثالًا يُحتذى به في العطاء الإنساني، ولكن؛ ما الفائدة المرجوة التي قد يجنيها الفرد عندما يضحي بوقته وخبراته دونَ أي مقابل مادي؟

التسلسل الزمني للعمل التطوعي:

ظهر مفهوم التطوع في أوائل القرن العشرين ردًّا على الدمار الذي تسببت به الحرب العالمية الأولى، فظهرت المعسكرات التطوعية بوصفها بدائلَ سلميةً للحرب، وتعدُّ "الخدمة المدنية الدولية" التي تأسست عام 1934م واحدةً من أقدم المنظمات التطوعية، التي هدفت إلى إعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب.

وما لبث مفهوم التطوع أن توسَّع في بداية الستينيَّات فشمل تقديم المساعدات التنموية، وفي هذه المرحلة أعرب العديد من الشباب عن رغبتهم في الإسهام الإيجابي، إلَّا أنَّ المنظمات ترددت في إشراكهم في تلك الجهود التنموية؛ ليتبيَّنَ لاحقًا وجودُ آثار إيجابية عديدة لتلك المشاركة في نجاح العمليات التنموية، إضافة إلى أنَّ المتطوعين أقلُّ كلفة من الخبراء التنمويين وأكثر استعدادًا للعمل بالمناطق الريفية.

أنشأت الأمم المتحدة عام 1971م برنامج الأمم المتحدة التطوعي United Nations Volunteer (UNV) program  الهادفَ إلى نقل المتطوعين المؤهّلين إلى مناطق مختلفة من العالم والمشاركة في مشروعات الأمم المتحدة. وأُسِّست العديد من المنظمات والمؤسسات التطوعية كمنظمة أطباء بلا حدود عام 1971م ومنظمة "الموئِل من أجل الإنسانية" عام 1976م على يد دول متعددة (الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، المملكة المتحدة، فرنسا، اليابان، الدول الإسكندنافية)، ووصلَ عدد تلك المنظمات التطوعية عام 1981م إلى 125 منظمة، وبلغ عدد المتطوعين في عام 1982 قرابة 55 ألف متطوع عالمي.

أطلقت الأمم المتحدة في العام 2001 "السنة الدولية للتطوع" التي سلطت الضوء على مشكلات الفقر وإعادة البناء بعد الكوارث وتسهيل الاندماج الاجتماعي، وأسهم التطور التقني بعد ذلك في تسهيل العمل التطوعي وظهور عددٍ من الحملات التطوعية عبر الإنترنت لا تقتضي مغادرة المتطوعين بلادهم.

فوائد العمل التطوعي:

يُسهم العمل التطوعي في الحد من نسب البطالة، ومع أنَّه عملٌ مجانيٌّ؛ لكنّه يتيح للعديد من المتطوعين الشباب تطبيقَ تعليمهم ومهاراتهم بالأنشطة والحملات التطوعية التي يشاركون فيها، وهو ما يزيد من خبراتهم وقدراتهم.

يؤدّي التطوُّع دورًا إيجابيًّا في تمكين المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسَين، ومع أنَّ مشاركة الإناث في بدايات العمل التطوعي كانت منخفضةً - فبرنامج الأمم المتحدة التطوعي على سبيل المثال ضم في صفوفه 17% من الإناث فقط عام 1976م- إلَّا أنَّها أخذت في الازدياد المتسارع، وفي العام 1985م تجاوزت نسبة المتطوعات الإناث في هيئة السلام نسبةَ المتطوعين الذكور أوَّل مرةٍ في تاريخها.

ومن فوائد العمل التطوعي؛ المُستقاةِ من تقرير " كيف تجري الحياة" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ ما يأتي:

"يقدم التطوع إسهامًا مهمًّا وغير مرئيّ ينعكس على رفاه الإنسان؛ إسهامًا يزيد من إنتاج السلع والخدمات التي لا تسجّلها الإحصاءات الاقتصادية التقليدية، ويعزّز متانة رأس المال الاجتماعي بتعزيز التعاون والثقة.

ليس من المستغرب أنَّه كلَّما ازداد امتلاكُ الناس للمعارف والثروات والخبرات ازدادت احتمالية تقديمهم شيئًا منها للآخرين؛ إذ تميل معدلات التطوع لأنْ تكونَ أعلى بين صفوف الميسورين مادياً، وبين الذين وصلوا إلى مستويات أعلى من التعليم، وأولئك الذين لديهم وظائف (بالنسبة إلى العاطلين عن العمل). ومع ذلك؛ فإنَّ الناس الذين يخصصون بعض وقتهم لخدمة مجتمعاتهم المحلية يحصلون على شيء ما في المقابل، كاكتساب مزيدٍ من المعارف والمهارات والإحساس بمزيدٍ من الرضا عن حياتهم كليًّا، فحلقة التطوع الفاضلة تؤدي إلى فوز الجميع وتحقيق مكاسبَ تعزز الرفاه الاجتماعي".

 الأسباب التي تَحول دون التطوع:

يُعتقد أنَّ السببَ الأكثر شيوعًا لعدم التطوع هو عدم وجود وقت فراغ كافٍ وعدم مرونة الجداول الزمنية للأعمال التطوعية، ولكن؛ هل امتلاك بعض الفئات الاجتماعية وقتَ فراغٍ كافٍ يسهم في زيادة نسبة تطوعهم؟ الإجابة ليست بالإيجاب دائمًا، فالمتقاعدون (الذين يُفترَض امتلاكُهم وقتًا كافيًا) لا يتطوعون بمعدلات أعلى من الموظفين كما هو متوقع، والفئة العمرية بين 35 إلى 44 عاماً تُقدِم على التطوع بمعدلات أعلى قليلًا من فئة المتقاعدين.

وفي ظل ضبابية التصور السابق، لدينا بحثٌ بعنوان "دراسة الفوائد المرتبطة بالعمل التطوعي" تناولَ دراسةَ مقاطعةِ سانتا كلارا استنادًا إلى إحصاء أُجرِيَ على العاملين الحاليين والمتقاعدين بتلك المقاطعة الأمريكية؛ توصّلَ إلى ما يُسمَّى "معيار الكسل التطوعي" والذي ينص على أنه مَن لم يسبق له التطوع قبل التقاعد فإنَّ احتمالية تطوعه بعد التقاعد (33%) وهي أقلُّ من نسبة نظرائهم ممن تطوعوا في أثناء عملهم (75%).

ومن الحلول المقترحة في البحث لزيادة نسبة التطوع جعلُه أيسرَ منالًا وأكثرَ تلقائية؛ إذ لوحظ أنه في حال رغب الآباء العاملون في التطوع؛ فمن المرجح أن يؤدّوا ذلك في مدارس أبنائهم وهو مكانٌ يترددون إليه باستمرار، ثم إنَّ أرباب العمل يمكنهم تشجيع التطوع في مكان العمل نفسه أو في موقع قريب، ويمكن للمنظمات أن تكونَ أكثر مرونة في الطريقة التي تدير بها العمل التطوعي، متضمّنةً السماحَ للمتطوعين بتنفيذ أعمالهم في المنزل أو في خلال ساعات المساء أو عُطَل نهاية الأسبوع.

ومن الأسباب الشائعة الأخرى لعدم تطوع بعض الناس هو جهلهم بمكانٍ مناسبٍ ليتطوَّعوا فيه، أو كون الأعمال التطوعية بالنسبة إلى بعضهم الآخر ليست ذات مغزى أو غير هادفة. ثمَّ إنَّ دوافع التطوع تختلف حسب العمر؛ إذ يُفضِّلُ المتطوعون الأصغر سنًّا التطوعَ في مجالاتٍ تفيدهم في المستقبل (كزيادة مهاراتهم ومعارفهم وإغناء سيرهم الذاتية). أمَّا المتطوعون الأكبر سنًّا فيميلون لتأدية الأعمال البنَّاءة. وعليه؛ يستحسن أن تحرص المنظمات التطوعية على الملاءمةِ بين مهارات المتطوعين وخبراتهم والأدوار المتاحة لهم.

ويُعدُّ ضعف حس المبادرة لدى البعض سببًا لعدم تطوعهم، فواحدٌ من بين كل 4 أشخاص يقول أنَّ مردُّ عدم تطوعه يرجع إلى عدم طلب ذلك منه صراحة، وبيَّن البحث أيضًا أنَّ المنظمات الأكثر نجاحًا باستقطاب المتطوعين إليها لديها عاملٌ بوظيفة "منسق المتطوعين" مدفوع الأجر. وهو الشخص المسؤول عن توجيه الدعوات التطوعية والإشراف المباشر على المتطوعين في أثناء عمليتي التسجيل والتدريب، ثمَّ التواصل المستمر معهم في أثناء فترة تطوعهم. ويرغب المتطوعون بالمقابل في الشعور بأنَّهم مشمولون ضمن أهدافِ المنظَّمة، وأنَّ عملَهم (حتى وإن كان دون أجر) مهمٌّ ويحظى بالتقدير والاحترام.

ومع ذلك؛ علينا التذكير بأنَّ العمل التطوعي لا ينحصر ضمن المنظمات والمؤسسات فحسب، فالجميع مدعوون إلى التطوع وإطلاق المبادرات وإنجاز أعمالٍ بنّاءة.

وباتّباع المُحددات السابقة يمكن الوصول إلى مجتمع "مؤمنٍ بالتطوع"؛ والجميع مدعوون فيه إلى التطوع بدءًا بسن الدراسة واستمرارًا فيه طوال العمر.

إذا قررتَ التطوع لأيّ مجال، ستدرك بتجربتك الأولى أنَّ مفهومَ التطوع أكبر من مجرد ملء وقت فراغك أو اكتساب معارف وخبرات جديدة تدعم بها سيرتك الذاتية، فالغاية هنا هي تقديم العطاء عندما لا يُطلَب منك ذلك، الأمر الذي يعود عليك بأشياءَ لم تكن تتوقعها، وغالبًا ما يؤدّي التطوع إلى تغيُّر نظرتك إلى ذاتك وتقديرك لها.

ولا تنسَ؛ عزيزي القارئ؛ أن تشاركنا بتجربتك التطوعية الأكثر تميُّزًا، وفي حال لم يسبق لك المشاركة بواحدة منها فنرجو أن تخبرنا عن الأسباب التي حالت دون ذلك.

المصادر 

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا