التعليم واللغات > اللغويات

ما بين عنوان جذاب وعنوان خادع، كيف يحدث تأثير لغة العناوين؟

العنوان الرئيس هو مجموعة من الكلمات المصاغة بعناية تهدف إلى جذب انتباه القارئ، فتكون أحيانا بصيغ وأساليب غير متوقعة على الإطلاق، فتغريك ليس لقراءتها فقط بل ونشرها على نطاق واسع، بطريقة مذهلة كانتشار الفيروس. العنوان هو رأس القصة، إذ إنك قبل أن تصل إلى الخبر، فإن أول ما تقع عليه عينُك هو العنوان الرئيس، وقد تبدو عاجزًا أحيانا عن فهمِ المحتوى أو توقُّعِه إلا إذا ما أتممت القراءة، خصوصًا إن كان العنوان ميّالا إلى التوريةِ والإيجاز، وهذا ما قد يثير فضولك وإزعاجك أيضًا، فتشعر بالغضب من الأسئلة الاستفزازية المباشرة، وفي عناوين أخرى يكون الحال أفضل؛ إذ ستشعر بالمتعة جراء التلاعب بالألفاظ والتورية والمبالغة .

لماذا نولي الكثير من الاهتمام لعناوين الأخبار، في حين تُصاغ يوميًا ملايين العناوين؟ لا ننكر أن بعض العناوين تبقى في الذاكرة مهما مضى عليها من الزمن، وعادة ما تكون عناوينَ برع محرروها في استخدام ألفاظ ذكية لصياغتها. والعناوين الرئيسة سواء أكانت جيدة أم سيئة، لها لغة مشتركة، وابتكار المحررين للحيل اللغوية الغريبة التي تثير الفضول والصدمة وتروق الجمهور الساخر أحيانًا، له تاريخ طويل.

من الصحف الشعبية إلى الصحف الصفراء، هناك فنٌ يهتم بصياغة عناوين رئيسة جذابة، سواء أكان الخبر قصة مبهجة أم حزينة أم غريبة، فالصحف تستخدم العناوين التي تحوي عبارات تعبيرية غنية لجذب انتباهنا. بحلول نهاية القرن التاسع عشر، بدأ المحررون باللعب بلغة العناوين الرئيسة، والتحول إلى استخدام الفعل المضارع فيها، حتى للإشارة إلى الأحداث الماضية، وذلك بغرض تعزيز الأفعال وجعل الحدث يبدو أكثر إلحاحًا وقوة، فيكون التركيز على الفعل دون ذكر فاعله أو المحيطين به، والزمن المستخدم يجعله حدثًا حاليًا قائمًا الآن، كأنه مستمرٌ في لحظة قراءتك الخبر، حتى إنك تجد نفسك تتعجل في القراءة خوفًا من أن ينتهي ويفوتك!

ترتكز العناوين الرئيسة المختصرة على ثقافة القراء الجيدة وتفترض أن لدى القارئ فكرةً - ولو بسيطة – عمّا سيُذكر، لكن العناوين لا تَستخدم اللغة بالطريقة التي نتوقعها، لأن لها أشكالها الخاصة الغريبة التي تستخدمها لتكثيف جميع المعلومات اللازمة وتقديمها إلى القارئ.

غالبًا ما تُفهم العناوين الرئيسة فهمًا أفضل بمجرد قراءة القصص أو الأخبار التي تتبعها، إلا أن قدراتها الجاذبة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على القراء القادرين على توقع ما تشير إليه العناوين دون قراءة المحتوى، بل وتُطوِّر داخلهم نوعًا من المشاعر نحو قصة لم يقرؤوها حتى بعد، وبمجرد أن يصبح القراء فضوليين بما يكفي لإكمال القراءة، تكون العناوين قد أدت وظيفتها على أكمل وجه، فكيف يحدث ذلك؟

توضح (ديبورا شافر) المختصة بعلم اللغويات أن الصحافة الصفراء تزهد أحيانًا في الأخبار الحقيقية أو السمعة المحترمة، وتفضل استخدام العناوين غير الدقيقة بغرض إضفاء الإثارة على القصص، ويعني هذا استخدامَ مفردات تسترعي الانتباه وتحرّك الفضول والعاطفة لدى القارئ؛ وتقول (شافر) إنه يمكن استخدام كلمات مثل (جنس) و(فضيحة) و(غرابة) لبيع أي شيء، حتى لو كانت قصصًا غير قابلة للتصديق مثل: جرّاح سبعيني و11 ممرضة حامل!

يميل القراء إلى أخبار الصحافة الصفراء، نظرًا إلى اهتمامهم الشخصي بالقصص المثيرة والجديدة؛ إذ تتطلب منهم الأخبار في تلك الصحف أن يشعروا بالتعاطف مع الأحزان والظروف المأساوية المفترضة لمن هم في كثير من الأحيان أشخاص لا نعرف عنهم  سوى الاسم الأول أو اللقب، مثل المشاهير .قد تلاحظ أيضًا خدعةً أو عدة خدع في العناوين الرئيسة في الصحف الصفراء بأنها غالبًا ما تحتوي على اقتباسات زائفة تثيرُ العاطفة والفضول، دون أن يكون المحتوى بالضرورة متعلقًا بالعنوان العريض، ومن هنا بدأ ما يسمى «العنوان الطعم» Clickbait.

تشبه عناوينُ الطعم في شكلها العناوين الرئيسة العادية، وهي آفة دخلت الإنترنت حديثًا، ولكنها ذات فعالية مدهشة في توليد الاهتمام المُعدي بسرعة، وهو بالضبط ما تريده المنشورات الإخبارية. على الرغم من ذلك لا أحد يحب أن يقع ضحية هذه العناوين، ولسبب وجيه، فأنت بصفتك قارئًا ستشعر بالغضب من الطرائق الخمس أو الست المختلفة التي ستضطر إلى تجربتها للوصول إلى الخبر، ومن عدد النقرات الكثيرة التي لا توصلك إلى المطلوب، ولكن عدد النقرات المزعجة تلك يشكل عاملًا مهمًا لدى صناع الخبر ويساعدهم على نشره على أوسع نطاق، وبسبب ميل هذه العناوين إلى توليد نقرات على محتوى رديء الجودة أو فارغ أو مزيف، فهي تُعدُّ من الرسائل غير المرغوب فيها، ويخطط موقع (فيسبوك) لاكتشاف أنماطها المزعجة بغرض حظرها إلى الأبد. ومع ذلك يمكن أن تتخذ العناوين الطعم أشكالًا لغوية واضحة معينة يسهل تمييزها، وفور معرفة تلك الحيلة فإنها تصير غير فعالة، لذا ما تزال لغة هذه العناوين تتطور باستمرار لتجذب الانتباه والاهتمام بأساليب يصعب في الغالب اكتشافها، ولكن يبدو أن العناوين الطعم يمكن أن تكون ذات قوة فعالة لنشر الأخبار، وهي تبدو جزءًا من التطور الطبيعي للعناوين الرئيسة، فهي تحاول بناءَ علاقة مباشرة مع القارئ، وتَوقُّعَ ردة فعله ومشاعره.

إذًا ما اللغة التي تميّز العناوين الطعم عن عناوين الصحف الشعبية؟

تَستخدم لغةُ العناوين الطعم طرائقَ مختلفة لجذب الانتباه، وقد أصبحت الآن أكثر إسهابًا وأقل اختصارًا، بغرض تعزيز الناحيتين البشرية والعاطفية؛ عناوين مثل: «لن تصدق ما حدث بعد ذلك!»، «ربما لم تسمع بهذا من قبل!»، «سوف يفاجئك ما ستراه!»، تبني علاقة مباشرة بين الخبر والقارئ وتمنحه حصة شخصية في القصة.

يَستغل العنوان الطعم ما يُعرف بفجوة الفضول التي تدفع القراء إلى النقر على الرابط لمعرفة المزيد، ووفقًا لدراسة أجراها عام 2015 باحثان يدعيان (بلوم) و(هانسن)، فإن إحدى الطرائق التي تزيد الفضول لدى القارئ تتمثل في حيلة لغوية بسيطة، فعلى سبيل المثال عندما نستخدم ضميرًا ما، فإنه عادة ما يشير إلى اسمٍ ذُكِر من قبل، مثل قولنا: «قرأت ماري كتابًا، وأعجبت به»، ولكن العناوين الطعم الناجحة هي بالعكس، وذلك لعظمة تأثيرها البلاغي، فتكون بهذه الصيغة: «لقد فعلَتها، لقد قرأتْ كتابًا». إن ذكر الضمائر والمؤشرات مقدمًا هو مفهوم كتابي يشجع على الغموض، فيُكتشفُ فيما بعد ما هو مشار إليه، ما يضيف المزيد من التشويق، وواحدة من الطرائق المعتمدة للعناوين الطعم هي الإشارة إلى الكلمات بقول: «هذا»، «هذا ما تبدو عليه العنصرية»، ولا يمكننا أن نكشف الغموض الغريب لماهية الـ «هذا» وكيف سيؤثر فينا، إلا من خلال النقر على الخبر .

ما رأيناه هو أن العناوين الرئيسة، سواء أكانت تغطي الأخبار أم تتظاهر بذلك، تطورت في استخدام لغتها بإشراك القراء ولو بطرائقَ معقدة في الخبر والقصة، والعناوين الطعم - حتى إذا كانت محبِطة أحيانًا وعلى الرغم من أنها مكروهة لأنها تضيع وقت القراء – تعدُّ حلقة جديدة في تطور العناوين الرئيسة. فمن الوصف المبتور للأحداث الإخبارية، إلى الوصف الذكي المتلاعب بالألفاظ، إلى اللغة العاطفية الغنية والأكثر إثارة والتي تثير فضولنا البشري، إذًا فالعناوين الرئيسة بعيدة كل البعد عن كونها مجرد مقدمة لأخبار العالم، بل هي قصة في حد ذاتها.

المصدر: 

هنا