البيولوجيا والتطوّر > علم الأعصاب

لماذا نتمتَّع بالدماغ الأكبر حجمًا؟ أدمغة مُعقَّدة لعالم أكثر تعقيدًا

لطالما كان الدماغ محورَ العمليات التي تُميُّزنا كبشر -مثل التفكير وحلِّ المشكلات وصناعة التطور الحضاري والارتقاء به- عن بقية الممالك الحيوانية، ويُؤثِّر تركيب الدماغ في أدائه المعرفي بسبب العلاقات بين الوظائف والتنظيم المكاني والتطور الحجمي المتمايز للمناطق القشرية.

وتتفاوت أدمغة الناس اعتمادًا على خلفية كلِّ شخص وخبرته، فعلى سبيل المثال تُنشِّط الأصابع منطقةً مُحدَّدةً من القشرة الحسية لدى كلِّ الناس؛ ولكنَّ هذه المنطقة أكبرَ لدى أولئك الذين يستخدمون أصابعهم أكثر مثل العازفين على الآلات الوترية أو الذين يقرؤون بطريقة بريل.

لهذا فقد راود عدَّةُ باحئين سؤالًا عن أهمية حجم الدماغ؛ فعملوا على البحث عن سبب مُحتَمل لهذا الحجم، وبعد عدة دراسات في هذا السياق افترض بعضهم أنَّ جيناتنا هي من يجب أن نعوّل عليها المسؤولية، وبالتحديد عائلة من الجينات لها دورٌ في بناء مادة الدماغ وهي التي أعطت هذه الزيادة في الحجم داخل القحف ECV. وتوصَّل الباحثون في أثناء دراستهم إلى أنَّ هذه العائلة من الجينات فعَّالةٌ فقط لدينا نحن البشر، وأنها لم تكن موجودة لدى إنسان الغاب أو قِرَدة الماكاك (نوع من القِرَدة الآسيوية)، في المقابل هي موجودة لدى الغوريلا أو الشمبانزي -وهما من رتبة الرئيسات التي نشترك معها في معظم جيناتنا- لكنها غير فعَّالة.

والعائلة الجينية التي هي قيد الاهتمام هي عائلة NOTCH2 وخصوصًا جين NOTCH2NL؛ وهو جين يعمل على تأخير تمايز الخلايا الجذعية القشرية إلى عصبونات؛ ما يُؤدي إلى تشكُّل عصبونات أكثر. وظهر أنَّ التعبير الجيني عن هذه العائلة موجود في الخلايا الجذعية العصبية لقشرة المخ؛ وذلك لأنه مرتبط على نحو وطيد بالتحكم بتمايز الخلايا الجذعية القشرية نحو توليد الأعصاب أو المزيد من الخلايا الجذعية. واستنادًا إلى عدَّة تجارب أُجريت على أجنَّة فئران، إضافة إلى تجارب مخبرية على خلايا عديدة القدرات؛ فقد اكتُشفت هذه الميزة الفريدة لهذه الجينات.

نقلًا عن أحد أعضاء الفريق القائم بالبحث (بيير فاندرهيجن Pierre Vanderhaeghen) عالم البيولوجيا التطورية من جامعة بروكسل الحرة ULB في بلجيكا: "من خلية جذعية واحدة يُمكن إنتاج إما خليتين سليفتين للخلية الجذعية وإما عصبونين وإما خلية سليفة وعصبون، وإنَّ عمَلَ NOTCH2NL هو تعديل التوجه تعديلًا طفيفًا تجاه تشكيل السلائف؛ ما يُؤدي لاحقًا إلى استمرار تشكيل عصبونات جديدة. إنه تأثير مُبكِّر بسيط ذو نتائج لاحقة ضخمة، كما يحدث مع التطور غالبًا".

وأضاف: "إحدى مهام الباحثين أمثالنا هي إيجاد المسؤول عن زيادة حجم الدماغ، وخصوصًا قشرة المخ في أثناء تطور البشر. وبالنظر إلى هذا التطور السريع نسبيًّا لدماغ الإنسان؛ فإنه لشيء رائع أن تكون هذه الجينات قد ساعدت في رسم شكل دماغنا على نحو نوعي".

وقد لوحِظ هذا الجين بسبب تطبيق فريقٍ بحثيٍّ طريقةً جديدةً لتحليل الـ RNA المُشارك في عملية الترميز والتعبير الجيني؛ الأمر الذي ساعدهم في التعرُّف إلى الجينات على نحو أكثر في القشرة المخية والتوصل إلى هذا الجين الخاصِّ بنا كبشر.

أما فيما يخصُّ فريقًا بحثيًّا آخر؛ فقد كانت الطريق الأفضل لهم للوصول إلى الجين هي بواسطة دراسة الجينات المُعبَّر عنها في نمو المخ لدى البشر وقردة الماكاك، وكان أهمُّ مفاتيح الاختلاف عن الدراسة السابقة هو أنهم وجدوا غيابَ هذا الجين عند القرود.

لاحظ هؤلاء الباحثون تمايُزًا عصبيًّا أسرع عند حذف هذا الجين من الخلايا الجذعية البشرية في المختبر، ولكن في الجانب الآخر كان هناك استهلاك أكبر لهذه الخلايا؛ ما يُؤدي إلى صِغَر رقعة النسيج القشري، ثم إنهم توصَّلوا أول مرة إلى تحديد موقع NOTCH2NL على الجينوم على نحو دقيق في موقع 1q21.1 والتغيرات في هذا الموقع -المرتبط بالعديد من الاضطرابات العصبية  مثل *ADHD- التي لها علاقة بكبر حجم الدماغ وصغره.

مع ذلك؛ لا يزال من المُبكِّر إسدالُ الستار على السؤال عن أدمغتنا الكبيرة، فنحن لا نعلم الكثير عن آلية عمل هذا الجين، ويرغب الباحثون في هاتَين الدراستَين في الاطِّلاع على عدد أكبر من المرضى والنماذج المخبرية مدَّة أطول؛ بغرض دراسة العملية عن كثب وعلى نحو أفضل.

ولكن الأمر الذي جعل هذه الدراسة ذاتَ أهمية هو أنَّ السبيل الإشاري NOTCH واحدٌ من أقدم السُبُل التطورية التي نعرفها، وهو موجود لدى جميع الحيوانات تقريبًا. وحتى الآن فقد طورنا نحن البشر بشكل أو بآخر الـ NOTCH2NL من أجل تحفيز مادتنا الرمادية؛ إذ إنَّ هذا السبيل ضروري لتكاثر الخلايا الدبقية تكاثُرًا شعاعيًّا وتحديد عدد العصبونات في قشرة دماغ الثدييات.

ويفيد التحليل الوظيفي في أنَّ الآليلات المختلفة لجِين NOTCH2NL تمتلك قدرة على زيادة التأشير الخلوي المسؤول عما سبق عن طريق التفاعل المباشر مع مستقبلات NOTCH؛ وهي البروتينات العابرة للغشاء المسؤولة عن نقل الإشارة الخلوية وإحداث التغييرات داخلها.

وكما قال دايفيد هوسلر David Haussler أحد الباحثين المشاركين في الدراسة الثانية: "أصبحت أدمغتنا أكبر بـ 3 مرات بسبب توسُّع الباحات الوظيفية في قشرة المخ، وهذه هي الركيزة الأساسية لكوننا بشرًا".

وأردف: "حقًّا لا أستطيع التفكير بسؤالٍ علميٍّ أكثر تشويقًا من اكتشاف رموز شيفرة تغير الجينات الغامضة -التي جعلتنا على ما نحن عليه- وفكّها".

حاشية: ADHD: Attention Deficit Hyperactivity Disorder:

اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أو قصور الانتباه وفرط الحركة؛ وهو اضطراب نفسي من نوع تأخر النمو العصبي، والذي يبدأ في مرحلة الطفولة عند الإنسان ويسبب هذا الاضطراب نمطًا من التصرفات تجعل الطفل غير قادر على اتباع الأوامر أو على السيطرة على تصرفاته، فضلًا عن معاناته صعوبةً بالغةً في الانتباه للقوانين؛ وبذلك هو في حالة إلهاء دائم بالأشياء الصغيرة. ويُواجه المصابون بهذه الحالة صعوبةً في الاندماج في صفوف المدارس والتعلُّم من مُدرِّسيهم، ولا يتقيدون بقوانين الفصل؛ ما يُؤدي إلى تدهور الأداء المدرسي لدى هؤلاء الأطفال بسبب عدم قدرتهم على التركيز؛ لهذا يعتقد أغلبيةُ الناس أنهم مشاغبون بطبيعتهم.

المصادر:

هنا 

هنا

هنا

/S0160289611000249'>هنا" target="_blank" rel="noopener noreferrer">هنا 

هنا