علم النفس > المنوعات وعلم النفس الحديث

تابع سيرك.. لسنا معنيّين بالأمر! تأثيرُ الجموع (المارة).

هل شعرت يوماً بأنّ أمراً خاطئاً يحدث أمامك، وأنك أردت أن تتدخل ولكنك لم تستطع ذلك؟ أمَنعك خوفك أم ترددك من ذلك؟ أو ربما ظننت أنّ الأمر واقعٌ لا محالة وهذا ما جعل المارة يتجاهلونه؟ ربّما تهيأ لك أنّه لو كان الأمر خطيراً لتدخل أحدهم دون شك.

لست وحدك؛ هذه ظاهرةٌ شائعةٌ تُدعى بتأثير الجموع، ويعتمد فيها الجميع على مبادرة الآخرين؛ فلا يتدخل أحدٌ في النهاية، وكلما ازداد عدد المتفرجين أو المارة تراجعت احتماليَّة مبادرة أحدهم لتقديم العون.

ويمرُّ المارّة بخمسِ مراحل قبل أن يقرّروا التدخل والمبادرة أو عدمها وهي:

1- ملاحظة الحدث أو عدم ملاحظته لأنهم في عجلةٍ من أمرهم مثلًا.

2-  تقدير خطورة الوضع، ويؤثر تجاهل الآخرين له في تقديرهم.

3-  تولّي المسؤولية أو انتظار الآخرين للمبادرة.

4-  معرفة ما ينبغي فعله أو عدم المعرفة.

5-  الانصراف أو التراجع خوفًا من الخطر الناجم؛ فقد يكون للأمر تَبِعاتٌ قانونية، أو قد يكون سبباً في الإحراج في حال رفض الآخرين عونَهم، أو اكتشافهم أنْ لا حالة طوارئ وأنّ تقديرهم كان خاطئاً.

قد تكون نتائج هذا التأثير كارثيةً كما حدث في أوائل عام 1960 عندما تعرّضت امرأةٌ تُدعى (Kitty (Genovese لاعتداءٍ أودى بحياتها على مرأىً من جيرانها الذين لم يحركوا ساكناً في سبيل نجدتها. وتحدثت الصحف كثيراً عندئذٍ منتقدةً فعلهم الشائن واصفةً إياهم بالأشرار. وعلى إثر هذه الحادثة أجرى عالما النفس (Latane) و(Darley) بحثًا لتقصّي الأسباب الكامنة وراء هذا التصرف. إذ وُضِع طلابٌ متطوعون في حجرةٍ من بين حجراتٍ متعددة وأُخبروا بوجود أشخاصٍ آخرين في الحجرات المجاورة، وأن هؤلاء الطلاب سوف يتواصلون مع هؤلاء الأشخاص عن طريق شبكة اتصالٍ داخلية. ولكن في الحقيقة لا أحد في الحجرات المجاورة! وهكذا سُجّلتْ أصواتٌ لِمتعاونين في البحث ثم أُعيدَ تشغيلها لتعرض أصوات صراخٍ كما لو أن أحد الأشخاص يتعرض لنوبة اختناق، فكانت نسبة الذين هرعوا لمساعدته من الغرفة المجاورة تقارب 85% عندما كان المتطوع وحيداً. ثم انخفضت النسبة إلى 31% عندما أصبح عددهم أربعة. فكانت النتيجة أنّه كلما زاد عدد الأشخاص الموجودين قلّ احتمال اندفاع أحدهم لتقديم العون. وقد يكون للأمر سببان: أما الأول فهو ضياع وتوزع المسؤولية بين الجموع، فكلٌّ ينتظر غيره ليتولّى مسؤولية الأمر. وأما السبب الثاني فهو رغبتنا في تتبع أفعال الغير وتقليدهم؛ فعندما لا يهم أحدهم بالتدخل فإننا نجد أنه من الملائم أو الضروري أن نفعل ذلك أيضاً.

لكنْ تبيّن لاحقاً أن جريمة الاعتداء على (Kitty Genovese) لم تحدث حقاً بهذه البشاعة؛ إذ لم يتجنب الجيران تماماً ما يحدث أمام أعينهم؛ فقد نُقل عن مساعد المدعي العام تشارلز سكولر: "وجدنا فقط ستة شهودٍ ممن رأوا ما يجري"، وليس 38 شاهداً كما شاع حينها! وذُكر أنهم في البداية كانا يتعانقان، وعندما علتْ أصواتهما ظنّ الجميع أنه خلافُ عشاقٍ بسيط، وأن أحد الشهود اتصل طالباً العون.

والآن بعد أن فنّدنا الحادثة بحد ذاتها سنعود لبحث (Latane) و(Darley):

يقيّم عادةً علماءُ النفس جودةَ الدراسة التجريبية بتقييم صحة الأبحاث وصدقها الداخلي والخارجي وصدق البنية. ويشير الصدقُ إلى استقلالية الإجابات عن الظروف العَرَضية للبحث، ومن ثم إلى مدى صحة أداة جمع البيانات لقياس ما خُلقَتْ لقياسه؛ لأن الصدق يرتبط أساساً بقابلية تكرار التجارب والاكتشافات العلمية. وأما الثبات؛ فإنه يشير إلى الانتظام أو إلى الحدّ الذي تُفهَم فيه نتائج المقياس فهماً صحيحاً؛ أي بمدى دقّة النتائج وعلوِّ درجةِ التوافقِ في حالةِ تكرارها في وقتٍ آخر ومن قِبَل باحثٍ آخر ومن ثم قابلية تعميمها. أما صدق المحتوى أو المفهومات فيُقصد به إجرائيّتها المؤدية إلى حسن قياسها أو قياس مؤشراتها الواقعية.  

وعند تقييم دراسة (Latane) و(Darley) نجد بوصفهما لتصميم الدراسة أنهما عيّنا المشاركين عشوائياً وفق مستوىً واحدٍ لمتغيّرٍ مستقل؛ وهو عدد المارة الذين يُعتقَد بوجودهم. وفي هذا إهمالٌ للفروق الفردية كالخصائص الشخصية. وفضلاً عن ذلك حاولوا الحفاظ على ثبات العوامل الأخرى التي قد تتدخل في النتائج؛ فسجّلوا صوتَ المتعاونين معهم ليحدّوا من تدخّل عواملَ أخرى كتغيّر نبرة الصوت، ما قد ينعكسُ على سرعةِ استجابةِ المشاركين. كما غيّروا ترتيب تشغيل الأشرطة. ولاحظ (Darley) صدمة المشاركين وغضبهم عندما عرفوا أن الأمر في الحقيقة كان خدعة؛ أي إنهم شعروا بأن نوبة الاختناق كانت حقيقية، وهذا ما يجعل الصدق الداخلي للتجربة عالياً، في حين كان الصدق الخارجي منخفضاً؛ لأنّ المشاركين سمعوا ولم يشاهدوا؛ وبهذا لا يمكنُ تطبيق النتائج على أوضاعٍ أخرى. ولم تكن الدراسة صادقةً في بِنْيتها من ناحية الحالة المدروسة؛ فجريمةُ القتل تختلف عن نوبة الاختناق.   

ثم بينتْ دراساتٌ جديدة ومراجعاتٌ أنَّ تأثير الجموع يتراجع في الوقت الذي يدرك فيه المتدخّل خطورة الوضع مقارنةً بعدم إدراكه لذلك، وفي ظروفٍ يكون فيها المجرمون حاضرين مقارنةً بغيابهم، وعندما تكون الأذيةُ جسديةً مقارنةً بغيرها من الأذيات. ويتّسق هذا النمط من النتائج مع أنموذج الإثارة التكلفة (مقدار الأذى الحاصل)؛ مقترحًا أنه كلما كان إدراك خطورة الوضع أسرع وأوضح ارتفعت مستويات الإثارة؛ ما يعني مبادرةً أكبر لتقديم العون. وحُدّدت الحالات التي ينخفض فيها تأثير الجموع بالحالات التي يكون فيها المتدخّلون رجالاً، وعندما يكون الطالب المتعاون مع الباحثين  حاضراً أكثر منه غائباً، أو حاضراّ افتراضياً، وعندما لا يكون المارّة غرباء.

وإن هناك عواملَ أخرى قد تتدخّل في تأثير الجموع إلى جانب تشتّت المسؤولية والإهمال والتجاهل الجماعيّ المتعدّد، ومنها معرفتُك بكيفية تقديم العون؛ فإن لم تكن مؤهلاً لذلك اطلبه من المختصين؛ فأن تبقى عابراً ربما خيرٌ من أن تتدخّل فتزيد الأمرَ سوءاً. ومن هذه العوامل نذكر الاختلافات الثقافية والاجتماعية؛  ففي المجتمعاتِ الفردية التي تربط أفرادها روابط اجتماعية واهية نجد أن احتمالية تقديم العون تنخفض؛ وبذلك يزداد تأثير المارة، في حين تزيد احتمالية تقديم العون في المجتمعات غير الفردية التي تسود أفرادَها الروابطُ الاجتماعية، كما تزداد في المجموعات التي يربطها عِرقٌ أو جنسٌ محدد.

وهكذا يمكن تحديد بعض الإستراتيجيات التي من شأنها تقليل تأثير المارة وزيادة احتمالية تدخل الفرد لتقديم العون؛ ومنها:

لاحظ الحدث، وكُن على درايةٍ بمحيطك، فما قد يبدأ بخلافٍ بسيطٍ قد يتصاعدُ إلى مشادّةٍ جسدية. وفسّرْ الحدثَ ببساطةٍ على أنه مشكلة، كمن ينتابه حدسٌ بأن أمراً سيئاً قد يحدث. وخُذْ على عاتقك مسؤولية ما يجري؛ فحالما تدرك وجود المشكلة لا تعوّلْ أبداً على تدخّل الآخرين، واعرفْ كيف تساعد، وإن لم تعرف اطلب العون. وأخيراً، بادر، لا تقف مكتوف اليدين؛ وتصرّف كما تحبُّ أن يُتصرَّف سواك معك إن كنتَ أو أحدُ أحبابك مكانه.

 

ويتجلّى الجانبُ المظلم لهذا التأثير في تجربةِ سجن ستانفورد التي أجراها عالم النفس فيليب جورج محاكياً فيها بيئة السجن ليثبت أثر البيئة على الفرد؛ ويقيم البرهان على أننا لم نولد أشراراً. فقسّم المتطوعين إلى سجناء وسجانين لتنقلب الأمور ويتجلى تأثير الجموع. فقد وجد أن رضى السجّانين الجيّدين وتغاضيهم عن تصرفات السجّانين غير الجيدين وانتهاكاتهم أفضى إلى إهمالٍ جماعيٍّ للوضع، ليؤمن الجميع في النهاية أن البقاء للأقوى. فوجد المشرفون على الدراسة أنفسهم داخل اللعبة؛ ما أدّى إلى إنهاء التجربة فوراً. ولم تستمرَّ التجربة أكثر من أسبوع، ووُصفَت باللاإنسانية، وتطلّب الأمر فيما بعد خضوعَ المشاركين لفحوص للتأكد من سلامتهم النفسية.

وأخيراً، أياً كانت الإستراتيجيات المتّبعة أو المُتعلَّمة فإن الأمر يظلُّ نظرياً ما لم تجربه بنفسك لمعرفة إن كنت ستتأثر بالجموع وتبقى عابراً أم أنك ستنتقل لوضع المؤثِّر والمتدخِّل. فأنا إن رأيت أحدهم يجري نحوي وخلفه عصابة تريد قتله فإني سألوذ حتماً بالفرار، وهو مجرد افتراضٍ نظري، ولكني لا أعرف فيما لو حدث الأمر حقاً ورأيت في عيني الهارب نظرة استجداء. لربما أتحول عندها إلى امرأةٍ خارقة! من يدري؟!

المصادر:

 هنا 

هنا 

هنا 

هنا 

هنا 

chrod.com/the-bystander-effect/'>هنا" target="_blank" rel="noopener noreferrer">هنا 

هنا 

هنا