الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة

الفلسفة موضوعها والهدف منها

"الفلسفةُ من أكثر اهتماماتِ الإنسان سموّاً، وأكثرها تفاهةً في الوقت نفسه، إنها تعمل في الزوايا المظلمة الدقيقة، وتفتح أوسع الآفاق.

إنها لا تُطعمُ خبزاً مثلما يُقال، لكنها تستطيعُ أن تَهِبَ روحنا الشجاعة، ولا يمكن لأيٍّ منا أن يتعايش معها دون أن يرى تلك الأضواء المُبهِرة التي تنثرها على وجهات النظر العالمية"

- هذا ما ذكره وليم جيمس عن الفلسفة، في كتابه "عن البراغماتية"

تختلفُ الآراءُ عن هدفِ الفلسفةِ وموضوعها، ولا توجد إلى الآن إجابة متفقٌ عليها عالمياً، فهناك أولئك الذين ينظرون إليها على أنها نتاج التأمل في العصور، وفي الوجود بجملته، هي أمُّ العلوم، وهي حجر الزاوية الأساس للمعرفة الإنسانية كلها، وهناك من لا يعدّها علماً، ولا يراها إلا ارتباكاً لفظيّاً، وعرضاً من أعراض عدم النضج الفكري.

ما الذي يُشكل موضوع الفلسفة، وما هو دورها وهدفها؟

غالباً ما يُستدل على مواضيع التخصصات الأخرى -كالفيزياء والرياضيات والأنثروبولوجي- من خلال نوع الأسئلة الخاصة بكل تخصص، والتي تكون واضحة بالنسبة لنا، لكي نعلم إلى أين نتوجه تماماً لمعرفة الإجابة، وفق منهجيّة واضحةٍ ومترابطةٍ، فمثلاً سؤال "كيف من الممكن لنا حساب المسافة التي ستقطعها الطائرة خلال زمنٍ وسرعة محددين"، هو سؤالٌ واضح، ونستطيعُ معرفةَ جوابِه بالعودة إلى قوانين الفيزياء الكلاسيكية التي دائماً ما تثبت صحتها ضمن إطارها الخاص، وبإمْكاننا بكل بساطة التأكد من صحة الجواب.

لكنّ السؤالَ عن معنى الحياةِ مثلاً، أو معنى أن تكون إنساناً، وما هي الحقيقة، جميعها أسئلة لا نستطيع الإجابة عليها بالطريقة المشابهة، وليس هناك مرجعٌ نستطيع العودة إليه للبحث عن الإجابة، ولا نستطيع اختبار صحة الجواب بدرجة مشابهة، بالإضافة إلى ذلك نجد الكثيرَ من الأشخاص (عامةً، وعلماء)؛ يتساءلون عن جدوى هذه الأسئلة!

حسناً، يبدو أن الأمر هُنا لا ينطبق على الفلسفةِ كتخصص!

وعلينا التعرف على الفلسفة أكثر لنفهم الأمر على نحوٍ  أفضل...

لنبدأ أولاً بمعناها "الفلسفة"

يعودُ جذر كلمة “Philosophy” إلى الكلمتين الإغريقيتين (حُبّ – Philo)

و (حكمة – Sophia)، وتُعبّر كلتاهما -من ناحيةِ الاختصاصِ والتوقعات الشخصية- عن الفلسفة من ناحية الرغبة في التفكير والوجود والتصرّف والرؤية بطرقٍ أفضل للوصول إلى حقيقة الأشياء.

وقد روى المؤرخ اليوناني هيرودوت أن كريسيس قال لسولون: "لقد سمعتُ أنك جُبْتَ كثيراً من البلدان متفلسفاً" أي مُتطلباً للمعرفة، فمنشأ الكلمة يُشْعرُ بالاعتراف بالجهل، والتوق إلى المعرفة.

ويصفها قاموس اكسفورد بأنها "استخدام المنطق والجدل في السعي خلف الحقيقة ومعرفة الواقع، خاصَّةً طبيعةَ الأشياء ومسبباتها، والمبادئ التي تحكم الوجود والكون المادي، وإدراك الظواهر الفيزيائية والتصرفات البشرية"

وإن أردنا العودة إلى موضوع الفلسفة، فإن "موضوع العلم" كتركيب يعني الأساس الذي يُبنى عليه العلم، ويقوم عليه كلامه.

إذاً ما هو الأساس الذي تقوم عليه الفلسفة؟

وفقاً لما عرفناها سابقاً فإنها تقوم على المنطق والجدل والنقد سعياً وراء معرفة الأشياء، إنها تقوم على التفكير المنطقي والمجرد، فما الفلسفة سوى فعل فكري، يستخدمها العوام والخواص؛ كلٌ وفقَ إدراكِه ووعيه وعلى نحوٍ متفاوتٍ، ولعلّ هذا الفعل الفكريّ هو ما رفع الإنسان عن مستوى الحيوان، فالحيوان يرى ويسمع ويتذكر، ولكنه لا يستخدم هذه القوى إلا في حاجاته الوقتية؛ أما الإنسان فيرى ظواهر الكون على اختلاف أنواعها فيتصورها ويكوِّن فيها رأياً، ثم يجتهدُ في تعرّف عللها وعلاقة حقائق الكون بظواهره؛ وهذا طريقُ فهم الشيء فهماً واضحاً، فإن فعلَ هذا قلنا: إنه يتفلسف، ولا نعني في هذه الكلمة إلا أنه يفكر في شيءٍ خاص -ذاتاً كان أو معنى-، وبعبارة أخرى؛ فعل الفلسفة هو البحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة الأشياء ببعضها

مع التنويه إلى أنّ كلمة "فيلسوف" لا تُطلق على كُلِّ من تفلسف كفعلٍ فكري، فلا نسمي من أصلحَ باباً في منزله نجاراً، أو من أصلح عطلاً بسيطاً في سيارته ميكانيكيًّا؛ بل تُطلق كلمة الفيلسوف على من ينظر إلى الشيء فيتأمله ويفحصه أو يشك فيه، ومن أكسبته المثابرة على التفكير المنطقي والمنهجي براعةً ومرونةً في عقله.

يقول أرسطو: "إن الدهشة أول باعث على الفلسفة"، ووفقاً لهذا يمكننا أن نرى في الفلسفة ذلك الفعلَ الفكريَّ الذي يضبط هذه الدهشة ويوجهها لنصلَ بعد ذلك إلى إدراك واقع هذا الشيء المُدهش وكُنهه وجوانبه ومُحدثاته.

دعونا نأتي بعد هذا إلى السؤال الآتي:

هل الفلسفة عاجزةٌ عن إيجاد أجوبة عن الأسئلة التي يطرحها موضوعها، وهل ماتت الفلسفة حقاً كما ذكرَ الفيزيائي ستيفن هوكنغ؟

ليست مهمة الفلسفة الرئيسة الإجابة على الأسئلة التي تطرحها؛ بل مهمتها تهذيب الفكر وتوجيهه نحو الطريق السليم والمؤدي إلى الإجابة المنشودة، فما المنهج العلمي إلا نتاج التفكير الفلسفي والنقدي، والشكّ في طبيعةِ الموجودات وحقيقتها...

تعطينا الفلسفة مساراً نمضي عليه، ويعرض لنا العلم وقائع الأمور من منظورنا، وفي هذه النقطة تحديداً يحدثُ التكامل ما بين العلم والفلسفة، ويصبح منظورنا أوسع وأدق مما كان سابقاً، ليقدم لنا فهماً وإدراكاً أعلى.

وفي النهاية مثلما أوضح بيرتراند راسل أنّ شأن العلم أن يعرف حقائق أكثر، بينما ينصبّ عمل الفلسفة على تأسيس المفاهيم المشروعة، والقوانين التي يمكن رؤية العلم من خلالها، وبدلاً من علمٍ يطوق الفلسفة، تستطيعُ الفلسفة أن تساعد في وضع البيانات الأساس، والنظريّات العلمية في سياقٍ أوسع، إنّ العلم مشروع إنساني جداً قبل كل شيء، وإن كل محاولة لجعل النظريات تتوافق مع الطبيعة، فإن طبيعة الإنسان هي التي يجب علينا أن نتعامل معها أولاً، ولكي نعرف ما الذي ننظر إليه علينا أن نكون واعين للعدسات التي ننظر من خلالها، أي كيف نرى العالم، نحن نعرف مثلاً أن منظور قوانين نيوتن للكون مع تركيزه على المادة، لم يعد متعاوناً مع الواقع الغريب المتدفّق الذي تفترضه فيزياء الكم، وإنّ الفلسفة مُجهزة جداً للنظر إلى هذه الشكوك بسبب تركيزها على الموضوعية والوعي بحد ذاته.

إذاً فالفلسفة مطلبٌ إنساني؛ بل هي حاجةٌ فكرية محضة تميزنا نحن البشر، وتساعدنا على إدراك الكون وفهم قوانينه، وتوجيه معارفنا لما هو هادفٌ وإنساني حقاً على نحوٍ يُساعد على نمائنا وتطوير أنفسنا وفهم ذواتنا على نطاقٍ أوسع وأعمق.

المصادر:

The Purpose of Philosophy –  Princeton University Press .1

2. إضاءات فلسفية – توم باتلر باودون – ترجمة متيم الضايع – إصدار دار الحوار- اللاذقية 2018

3. مبادئ الفلسفة – أ.س.رابوبرت – ترجمة أحمد أمين – مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 2012