الكيمياء والصيدلة > رحلة اكتشاف دواء

الصدفة عاملٌ رئيسٌ في اكتشاف الأدوية وتطويرها

يفيضُ تاريخُ الاكتشاف الدوائي بالعديد من الأمثلة عن مواد دوائية اكتُشِفَ تأثيرها العلاجي بالصدفة أو في أثناء دراسة تأثيرها لأجل استطبابٍ علاجيٍّ محدد مختلفٍ تمامًا عن الاستطباب الذي تُستخدَمُ لأجلهِ حاليًّا. ولكنه من غيرِ العادل أن تُعزى هذه الاكتشافات إلى الصدفة البحتة؛ فالبحث العلمي المُكثَّف وملاحظةُ التفاصيل الصغيرة هو ما يؤدي في النهاية إلى الاكتشاف المتكامل.

ومن أهمِّ الأمثلة عن هذهِ الأدوية:

البنسلين بوصفه أوّل صادّ حيوي:

اكتُشِفَ البنسلين على يد العالم الأسكتلندي ألكسندر فليمينغ عام 1928، وقد كان فليمينغ عضوًا في فريق بحثي يدرسُ الأنفلونزا وجراثيمَ المكوّرات العنقودية في وقتٍ كانت العدوى الجرثومية تَفتكُ بالعالَم دون وجود علاج. وبعد عودته من إجازةٍ مع عائلته؛ لاحظَ فليمينغ أنه تركَ غطاءَ أحدِ المزارع الجرثومية مفتوحًا ممَّا أدَّى إلى تلوّثِ المزرعة بالفطور، ولكنَّه إضافة إلى ذلك؛ لاحظ أنَّ هذه الفطور قد قَتَلت ما حولها من الجراثيم التي كانت أصلًا تنمو على المزرعة قبل الإجازة، في حين بقيت الجراثيم البعيدة عن هذه الفطور دون أن تتأثر. لذلك؛ عزلَ فليمينغ السلالةَ الفطرية ودرسها؛ إذ أدرك أنها قادرة على إنتاج مادة كيميائية قاتلة للجراثيم أُطلِقَ عليها اسم البنسِلين نسبةً إلى الفطر Penicillium notatum. وقد كان لهذا الاكتشاف الأثرُ الكبير في حياة العديد من الناس، ونال فليمينغ إثره جائزة نوبل للطب عام 1945 بالمشاركة مع عالِمين من جامعة أوكسفورد إذ تمكنوا من إنتاج البنسلين وتنقِيته ليكون جاهزًا للطرح في السوق الدوائية.

فياغرا بوصفه أول دواء مُطوَّر لتدبير ضعف الانتصاب:

صُنِع هذا الدواء أوَّلَ مرة من قبل الشركة العالمية فايزر في أواخر القرن العشرين؛ إذ لاحظ الباحثون أنَّ الدواءَ لم يعطِ النتائجَ المرجوَّةَ منه في علاج الخناق الصدري. وإضافةً إلى ذلك؛ اشتكى بعض المرضى الرجال أن الدواء قد سبَّبَ لهم انتصابًا غير مرغوب في القضيب. لذا؛ استغَلَّت الشركة المصنعة هذا الأثر الجانبي وعملت على ترخيص الدواء لعلاج مشكلات الانتصاب وتدبيرها. وبالفعل؛ حصل الفياغرا على ترخيص منظمة الغذاء والدواء الأمريكية عام 1998، ليكون أول دواء مُسوَّق لهذا الاستطباب.

الوارفارين للوقاية من أمراض الدم الخثارية والتجلُّطات الدماغية:

اصطُنِعَ الوارفارين في البداية كسُمٍّ للجرذان من قبل الكيميائي كارل بول لينك؛ الذي كان يعمل لدى منظمة ويسكينسون للأبحاث العلمية عام 1948، وقد اعتُقِد عن هذا السم أنَّه كان سامًّا أيضًا للإنسان نظرًا إلى ما يسببه من نزيف دموي عند الحيوانات. وفي عام 1951؛ حاول أحد الجنود في الجيش الأمريكي الانتحار باستخدام الوارفارين، لكنَّ محاولته باءت بالفشل وتعافى الجندي سريعًا، ونتيجة لذلك؛ تكثفت الدراسات السريرية عن الوارفارين، وترخَّصَ استعماله العلاجي بوصفه عاملًا وقائيًّا من تخثر الدم والإصابة بالجلطات.

الأسبارتام: المُحلِّي الصّنعي الواسعُ الاستخدام:

اكتشف الأسبارتام عام 1965 على يد الكيميائي جيم شلاتير الذي كان يعمل لدى شركة G.D Searle على اصطناع أدوية جديدة لعلاج القرحة الهضمية، وفي أثناء الاصطناع الكيميائي لهذه الأدوية؛ أُنتِجَ مُركَّبٌ مَرحلي هو الأسبارتام، وانسكب القليل من هذا المركب على يد جيم بمحضِ الصدفة، وفي اليوم نفسه؛ وفي أثناء إحضار قصاصة من الورق؛ لعقَ جيم إصبعه فلاحظ الطعم الحلو، وأدَّت هذه المصادفة إلى اكتشاف الأسبارتام واستخدامه لاحقًا على نطاق واسع كمُحلٍّ في كثيرٍ من المستحضرات الدوائية والغذائية.

قد يكون تاريخ الاكتشاف الدوائي والكيميائي حافلًا بالمصادفات، لكنَّ هذه الاكتشافات لم تكن لتحصل لولا أنها توبِعت بمستوىً احترافيّ عالٍ من دقّة الملاحظة والعمل البحثي المكثف.

المصادر:

1- هنا

2- هنا;