علم النفس > القاعدة المعرفية

الدّراسة و قنبلة الذَّكاء؛ تحت المجهر!

لا يوجد -إلى الآن- تعريف موحَّد ومتفق عليه للذّكاء من النَّاحية النّفسيّة؛إذ تختلف التَّعابير الّتي تصف الذكاء، فمنها من يصف الذَّكاء على أنَّه القدرة على اكتساب المعرفة وتطبيقها والتعلم من التجارب والأحداث السابقة، وآخرون يصفونه بالقدرة على التّكيف مع البيئةِ من خلال التَّفاعل معها والشّعور بتأثيراتها، إضافةً إلى البعض الّذين يعدّون الذَّكاء على أنَّه القدرة على حلّ المشكلات حلًّا هادفَا وبأسرع وقتٍ ممكنٍ وبأقلّ تكلفة.

ولقد بحث العلماء بحثًا دؤوبًا عن مصدر الذَّكاء أكثر من قرنين؛ وهو القدرة المعرفيَّة العامّة، والتي تُقاس في كثير من الأحيان على هيئةِ معدّل الذّكاء IQ .

ماذا يُقصَد بمعدَّل الذّكاء أو حاصل الذكاء (intelligence quotient IQ)؟

في الواقع؛ معدَّل الذكاء هو نتيجةٌ مشتقَّةٌ من مجموعةِ اختباراتٍ معياريَّة  مطوَّرة من قبل علماءِ النَّفس، والتي تُستخدَم لقياس قدراتِ الشَّخص المعرفيَّة (الذكاء) بالنّسبة إلى فئته العمرية من خلال المقارنة مع الأقران، ويتراوح معدَّل الذكاء الطّبيعي عند 95% من الأشخاص بين 70-130.

ولكن مع ظهور تكنولوجيا التَّصوير بالرّنين المغناطيسيّ (MRI)؛ تمكَّن الباحثون الذين يركّزون -على نحوٍ أساسي- على المادّة الرماديَّة عند رسم خريطةٍ لأجزاءِ الدماغ، والّتي يبدو أنها تؤدّي دورًا في الذكاء؛ ولكن لم يُخبِرنا  التّركيز على المادّة الرماديّة بالقصَّة الكاملة؛ ففي السَّنوات الماضية -ومع ظهور اختلافاتٍ جديدةٍ في التَّصوير بالرّنين المغناطيسيّ في المادّة البيضاء للدّماغ، وباستخدام تِقنيَّةٍ يُطلَق عليها "التصوير الموسع للانتشارDiffusion Tensor Imaging"؛ الّتي تَستخدم مغناطيس الماسحة الضوئيَّة لتتبّع حركة جزيئات الماء في الدماغ- طوَّر العلماء طرائق لرسم خريطةِ المحاور العصبيَّة بالتَّفصيل؛ إذ بينما يتحرَّك الماء داخل معظم نسيج الدماغ عشوائيًّا؛ فإنَّه يتدفَّق على طول الأليافِ العصبيَّة المعزولة مثل التَّيار عبر سلك.

في هذه الدّراسة؛ استُخدمَت قوَّة إشارة الانتشار لقياس مدى تنظيم ألياف المادَّة البيضاء، ويُذكر أنّ إشارة الانتشار الأقوى قد تؤشِّر إلى المزيد من الألياف أو الأغماد العازلة الأكثر سمكًا كـ "المايلين".

وبالمجمل؛  كشفت طرائق التّصوير الحديثة عن وجود علاقةٍ قويّةٍ بين قوَّة هذه الإشارة - ما يشير إليه الباحثون بـ "سلامة" المادة البيضاء - والأداء في اختبار الذَّكاء القياسيّ IQ،  وبدأت الصورة تتكون بعمقٍ ووضوحٍ أكبر مؤخّرًا، وقد بات باحثون من معهد مونتريال لطب الأعصاب Montreal Neurological Institute اليومَ -بعد دراساتٍ معمَّقة لمناطق مختلفة من الدماغ- قادرين على تحويلِ التَّركيز إلى تلك المناطق ودراسةِ العلاقات فيما بينها؛إذ  لخّصت الدّراسة أنَّه قد تكونُ الأعصاب وطريقة نقل المعلومات في الدماغ ذات أهميَّة حاسمة في نسبة الذَّكاء IQ .

ويجدرُ بنا الإشارةُ إلى أنَّ العديد من النتائج تُبيّن أنَّ ال " DTI "هي واحدةٌ من أكثر تدابير التَّصوير بالرّنين المغناطيسيّ حساسيَّة للوظيفة المعرفية في الوقت الحاليّ.

وربما تتساءل الآن فيما إذا كان الذَّكاء يتعلَّق بطرائق النَّقل في الدماغ وحجم المادة البيضاء والرمادية فحسب؛ ولكنَّك بالتّاكيد سمعتَ في مرحلةٍ ما  بأنَّنا نُولَد بنسبة ذكاء وقدرات معرفيَّة موروثة من الأهل، حسنا؛ ما هي علاقةُ الذَّكاء بالجينات ؟!

ناقش العلماء بتعمّق -على مرّ عقودٍ من الزَّمن- كيف يُمكن أن يعزى التّنوع في الذّكاء الفردي إلى الجينات، وقد أشارت نتائجُ دراساتٍ أُجريَت على التوائم المتماثلة -في معهد كوينزلاند للأبحاث الطّبية في أستراليا  Queensland Institute of Medical Research in Australia  - إلى أنَّ نسبة ما يقارب 60-80٪ من الذَّكاء ينحدر إلى الجينات وفقًا لدراساتٍ أجريت على قرابةِ 3500 شخصًا من المملكة المتّحدة والنّرويج  تتراوح أعمارهم بين ال5-90 سنة.

وفي دراسةٍ أجريَت من قبل فريق آخر من جامعة كاليفورنيا University of California بحثًا عن تفسيرٍ وراثيّ لمرض الدّماغ؛ عثر العلماء على متغيّر دقيقٍ في جينٍ يُدعى HMGA2 بين النَّاس الذين لديهم أدمغة أكبر من غيرهم،  وحصلوا على درجاتٍ أعلى في اختبارات الذَّكاء القياسية، ويعود السَّبب إلى تضاعفٍ في الحمض الأميني الـ Cytosine من الحمض النّووي، وغياب وجود الحمض الأميني Thymine في قسمٍ معيَّن من جين HMGA2؛ ما قد يؤدي إلى تمتّع الأفراد بأدمغةٍ أكبر في المتوسط. وخلُص البحث إلى أنَّ جين HMGA2 يُسهم بنسبة بسيطة في زيادة معدل الذَّكاء لدى الأفراد، ويُذكر أنَّ هذا الاكتشاف  جاء في دراسةٍ لفحوصات دماغيَّة وعيّنات من أكثر من 20 ألف شخصًا من أمريكا الشّمالية وأوروبا وأستراليا لهم أصولٌ أوروبيّة .

علاقةُ الذَّكاء بالمدرسة في مرحلتي الطفولة والمراهقة ؟

بعد أن تعرّفنا على مفهوم الذكاء وبعض التوضيحات، حان الوقت لنجيب عن  السّؤال الأهم؛ ما هو الدّور الذي تؤدّيه بيئةُ الطفل والمراهق -البيئة الدّراسية على وجه الخصوص- في زيادةِ معدَّل الذّكاء، وما تأثيراتها المستقبليَّة ؟!!

بدايةً؛ يعلمُ جميعنا أنَّ التّحصيل العلميّ يرتبط بالعديدِ من نتائج الحياة، بما في ذلك الدَّخل والمهنة والعديد من متغيّرات الصّحة والحياة، ولكنَّ ما لانعلمه هو افتراضُ العديد من الباحثين النَّفسيين أنَّ مستوى الذكاء المتأثِّر وراثيًّا يقودُ  إلى إحراز التَّحصيل العلميّ؛ في الحين الذي أظهرت به دراساتٌ حديثةٌ العلاقةَ التَّكامليَّة بين مستوى الذّكاء المتأثِّر وراثيًّا وإمكانيةِ زيادته في المدرسة بمراحلها المختلفة!

لذا؛ من الممكن أن يؤدّي الذكاء إلى اختلافاتٍ في النتائج التعليمية، أو أنَّ التعليم يُسبِّب اختلافاتٍ في الذّكاء.

1. مرحلة ما قبل المدرسة

تُظهِر العديد من النَّظريات والأدلَّة في العلوم الاجتماعيَّة أنَّ الطّفولة المبكرة قد تكون فترةً واعدةً للاستثماراتِ التَّعليميَّة الفعالة؛ إذ إنَّ المهارات الإدراكيَّة والمعرفيَّة والعاطفيَّة المبكرة حساسةٌ للمدخَلات البيئيَّة، وقد يؤدي بناءُ المهارات في وقت مبكر من الحياة إلى تأثيراتٍ دائمةٍ مستقبَلًا؛ وذلكَ لأنَّه لدى برامج التّعليم في مرحلة الطفولة المبكرة عالية الجودة القدرة على توليد فوائدَ مهمَّة في مستقبل من ناحيةِ التَّأقلم والتّكيف مع البيئة -والتي تُمثّل جوهرًا لقياس معدَّل الذّكاء السلوكيّ والمعرفيّ- تفوق التّكاليف المصروفة لذلك.

2.مرحلة المراهقة :

نُشرَ بحثٌ من قبل The National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكيَّة عن نظام إعادة التّأهيل الدّراسي المتَّبع في النرويج في مرحلة التَّعليم المتوسط، والّذي أظهر نتائجًاَ باهرةً جدًّا عبرَ الدّراسات التي أُجريت على المراهقين النرويجيين بعدَ إخضاعهم لمجموعةٍ من الاختبارات والفحوصات بعد اتّباعهم نظام الإصلاح التعليمي النرويجي بزيادة فترة التَّعليم  الإلزامي من سبعة أعوامٍ إلى تسعة في ستّينيَّات القرن الماضي، وخلُصت نتائجُ هذا البحث من خلال بيانات إحصائيَّة إلى زيادةٍ تصل إلى نحو 3.7 نقاط بمعدَّل الذّكاء في المتوسط بعد دراسةِ العلاقة بين التَّعليم ومعدَّل الذكاء، وبذلك نجدُ أنّ هذا الإصلاح أثّر في التَّعليم في مرحلةِ المُراهقةِ المتوسّطة؛ ممَّا كان له أثر كبير في درجاتِ الذَّكاء المُقاسة في سن التاسعة عشرة.

سنةٌ دراسيّةٌ واحدةٌ تفجّر قنبلة من الذّكاء ؟!

وِفقًا لمجموعةٍ من الباحثين في جامعة إدنبرة University of Edinburgh، والّتي نشرت نتائج أعمالهم الّتي استخدمت تِقنيَّة التحليل البَعدي/التَلَوي Meta-Analysis في مجلة Psychological Science؛  إذ يقول أحدهم؛ الباحث في  الطّب النفسي Stuart J. Ritchie: "تُوفِّر تحليلاتنا أقوى دليلٍ -حتَّى الآن- على أنَّ التعليم يرفع درجات اختبار الذَّكاء؛ إذ إننا نظرنا في 42 مجموعة بيانات باستخدام العديد من التَّصاميم البحثيَّة المختلفة، ووجدنا أنَّ إجمالي العام الدراسي الإضافي بهذه الطريقة أدَّى إلى تحسين درجاتِ معدل الذَّكاء لدى الأشخاص بما يتراوح بين 1 و 5 نقاط".

وقد نظر الباحثون في ثلاثة أنواع من الدّراسات شبه التجريبية من مجموعة متنوّعة من المصادر، بما في ذلك المقالات المنشورة والكتب والمقالات الأولية وأوراق العمل والرسائل العلمية والأطروحات البحثية.

يشمل النَّوع الأول من الدّراسة البياناتِ التي جُمعت من الأفراد عبر الوقت، بما في ذلك قياسات معدَّل الذكاء التي حصلوا عليها قبل وبعد الانتهاء من تعليم الأفراد، وهذا يسمح للباحثين بمراعاةِ مستوى الذّكاء المسبَق للمشاركين عند دراسة العلاقة بين سنوات الدراسة وذكاءٍ لاحق.

ويستفيدُ النوع الثاني من الدّراسة من التَّجارب الطّبيعية على شكلِ تغييراتٍ في السّياسة المتَّبعة، والتي ينجم عنها تعديلاتٍ في طول المدَّة الزمنية التي يمكث فيها الأفراد في المدرسة (سنوات الدراسة).

وأمَّا النوع الثالث من الدراسة؛ يستخدم الباحثون فيه حالات تخفيض سنّ الالتحاق بالمدارس لمقارنتهم مع أطفالٍ في العمر نفسه ولكنهم يتمتّعون بمستويات مختلفة من التّعليم بسبب تواريخ ميلادهم المحددة.

فوجد الباحثون بعد تطبيق الدّراسة على كلٍّ من الأنواع الثلاثة أنّ سنةً إضافية واحدةً كانت كفيلة بزيادة معدَّل الذكاء من  1.197 نقطة إلى 5.229 نقطة؛ أي كان متوسّط الزّيادة الحاصل يُعادل 3.394 نقطة، والمفاجئ في الأمر؛استمرار هذه الآثار لتظهر لدى أفرادٍ أكملوا اختبار معدَّل الذكاء وهم في السّبعينيات والثَّمانينات من العمر.

ولكن لاحظ الباحثون أنّ كلّ نوعٍ من أنواع الدّراسة لديه نقاط قوَّة ونقاط ضعف، وتُثير النَّتائج العديد من الأسئلة الجديدة التي سيتوجّبُ على الأبحاث المستقبلية أن تعالجها، وتبقى الخطوة الحاسمة اللاحقة هنا هي الكشفُ عن آليَّات هذه الآثار التّعليمية في الذّكاء من أجل تغيير السّياسات والممارسات التّعليمية المتَّبعة وتحسينها .

المصدر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا