الطب > مقالات طبية

قاتلة مُتسلسِلة تعيشُ في عظامنا

تعيش صمصوم في منزلها بين جدران الطابق الأرضي، إنَّه مكانٌ مُغلَق ومُوحِشٌ بالنسبة إليها، وطالَما تمنَّت الخروجَ منه، لكنَّ الأبواب مُوصَدةٌ بإحكام، وسبلُ الخروج تكادُ تكون معدومة؛ فما مِن منفذ!

استيقظَت صمصوم ذاتَ يومٍ على صوتِ زلزالٍ شديدٍ أصاب المبنى، فقفزَت فَرِحةً، إنَّه النورُ الذي طالما حلمت برؤيته، "سوفُ  أخرج من هنا أخيرًا"؛ قالت لنفسها، وأخذت تتجوَّلُ في الأزقَّة الضيقة، ولكنّها سرعان ما انتبهت أنَّ بعض هذه الأزقّة أضيق ممّا تَصوَّرت، وبسبب حجمِها الزائد كانت تعلَقُ فيها وتَقفُ ويُحبَسُ الهواءُ ويتوقّف تدفق الطعام إلى تلك الأزقة، ثمَّ تقتل جميعَ مَن فيها، فمن هي صمصوم  القاتلة؟ وهل تستطيع قتلنا شخصيًّا؟ وكيف تستطيعُ الوصول إلينا؟

لنتكلَّم عن منزلِ صمصوم الأرضيّ، إنّه في الحقيقةِ عظمُنا الفخذي! وذلك الزلزال الذي حدَث ما هو إلّا تعرُّضُ فَخِذنا للكسر!

راحَت تتجوَّل -عندما خرجت من منزلها العظمي- في الأزقة الضيقة وهي الأوعية الصغيرة في رئتَينا؛ مانعةً وصولِ الدفق الدموي إليهما، ولربَّما استطاعَت الوصول إلى أوعية جملتنا العصبية أيضًا، فمن يدري ماذا تستطيعُ أن تفعل؟!

سوف نتحدَّثُ عن الأعراض التي يمكن أن تسببها هذه القاتلة؛ ولكن علينا قبل ذلك أن نفهمَ طبيعتها:

يوجد داخل العظام الطويلة في الجسم -كعظم الفخذ وعظم العضد- مركزٌ مُجوَّفٌ، هذا هو المنزل الدائم لقاتلتنا ولندعوها (الخلية الشحميَّة)، إذ تعيشُ هناك إلى جوارِ ساكنٍ آخرٍ يُدعَى (نقيَّ العظم)، فهو المسؤولُ عن تركيب خلايا الدم البيض والحمر والصفيحات.

تستطيعُ بخروجِها من العظم -وذلك عند تعرّضه للكسر- أن تنطلقَ مع الدم وتسبب انسداداً بأوعية الرئتين والجملة العصبيّة، وهنا ندعُوها (بالصُّمَّة الشحمية)، فيُصابُ المريض الذي ظنَّ أنَّه تعرَّضَ لكسرٍ بسيط  بعد 12-36 ساعة بضيقٍ تنفُّس، ونَفْث دمويّ (أي سعال مع خروج دم)، وأعراضٍ عصبية كالاختلاجات (الاختلاجُ هو فقدانٌ للوعي مع حركاتٍ تشنُّجية لاإرادية، ويحدث نتيجةَ فرط فعالية النقل العصبي في الدماغ)، و الاضطرابات السلوكيّة أو الإدراكيّة، ومن الممكن أن يُطوِّرَ نقصَ أكسجةٍ شديدٍ يؤدّي إلى الموت!! ولكنَّ احتمالَ حدوث هذا أقلُّ من 10% عند المعالجةِ الداعمة في حال اكتشاف الأعراض، ولحسنِ الحظ؛ تبيَّن أنَّ الأعراضَ العصبية قابلة للتراجع في بعض الحالات.

هل يعني هذا كلّه أنَّ كسورَ العظام الطويلة قاتلةٌ دائمًا؟ وما هي عواملُ الخطر التي تساعدُ في تطوّرِ أعراض الصمّة الشحمية؟

في دراسةٍ أُجريَت على 100 مريضٍ بكسورٍ عظمية معزولة؛ طوَّرَ 24 منهم نقصَ أكسجةٍ شديد!

و قد تبيّن أنّ تطوُّر الأعراض أوضح في كسور عظم الفخذ، وإضافةً إلى ذلك؛ فهو مرتبطٌ بزيادةِ شدة الإصابة وتعدُّدِ المناطقِ التشريحية المُصابَة بالكسور؛ كما في الحوادث.

إذاً؛ علينا بالحذر الشديد عند التعرُّضِ لحادث كسر مهما كان بسيطًا، ثمَّ اتّباعُ الإجراءاتِ الوقائية قبل خروج هذه القاتلة، وأهمُّ هذه الإجراءات هي إصلاحُ الكسر في أسرع وقتٍ ممكن، وفضلًا عن ذلك؛ فقد بيَّنت التجارب أنَّ استعمال الـ (الميثيل بردنيزولون) يؤدّي دورًا في الوقاية من تطور أعراض الصمّة.

لا داعيَ للقلق! ولكن؛ يكفي أن نعلَمَ بوجود هذه القاتلة وتذكّروا جيّدًا ما يمكنها أن تفعل، و عليكم الحذر عندَ التعرض للكسور؛ خاصَّةً الفَخِذيَّةَ منها.

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا