الرياضيات > الرياضيات

كيف حصلت الحيوانات على بقعها وخطوطها تبعاً للرّياضيات.

تأمّل ذيلَ الطّاووسِ البديع، والبقعَ الشّبيهةَ بالعينِ على أجنحةِ الفراشات، وطرقَ الحرباءِ المُتطوّرَةَ في التّخفّي، ستلاحظُ أنَّ الطّبيعةَ تقدِّمُ لك طَبَقاً من التّعقيدِ الجميلِ، والجديدُ أنَّ عُلماءَ الأحياءِ عَرَفوا الأسبابَ الّتي تجعلُ بعضَ الحيواناتِ تمتلكُ هكذا أنماطٌ. على سبيلِ المثالِ، رُبَّما طوَّرت هذه الحيواناتُ والحشراتُ أنماطَ جلدها لأسبابٍ تكاثريّةٍ أو كإشاراتٍ تحذيريّةٍ أو حتّى للحماية، بكلِّ الأحوال، مازلنا نجهلُ الوقتَ والطَّريقةَ الّتي تطوَّرت بها هذه الأنماطُ.

وعلى الرَّغمِ من افتقارنا للبصيرةِ التَّجريبيّةِ، إلّا أنَّ علماءَ الرّياضيات بدؤوا يعملون على معادلاتِ تشكيل هذه الأنماط الرّياضيّةِ  منذ عام 1952، عندما نشرَ العالمُ "آلان تورنج" ورقتَه البحثيّةَ حولَ التَّطوّرِ، تحتَ عنوان "أساسيّاتِ التّشكُّلِ" والّتي اقترحَ فيها نظريَّتَه الّتي تنُصُّ: " يمكن أن تظهرَ الأنماطُ تلقائيًّا من حركةِ البروتينِ الطَّبيعيِّ بشكلٍ عشوائيٍّ داخلَ الأنسجةِ وتفاعلِهِ مع الخلايا والبروتيناتِ الأخرى"، هذه النَّظريَّةُ غريبةٌ بشكلٍّ لا يُصدَّقُ، ولا يمكننا سوى أن نقفَ مذهولينَ من الطَّريقةِ الَّتي جعلت تورنج يكتشُفها.

تعتمدُ الأنماطُ وفقًا لتورنج على شيئَين: "العواملُ المتفاعلة وانتشارُ العواملِ"، وما يقصده بالعواملِ المتفاعلةِ هو عدمُ قدرةِ كلِّ عاملٍ على خلقِ نمطٍ وحيدٍ، أمّا انتشارُ العواملِ فهو نمطٌ معروفٌ جدًّا فإذا وضَعت الحليبَ في الماءِ (ولم تحرّكه) سينتشرُ في جميعِ أنحاءِ الكأس، ولن ينتهي بك الأمرُ بكأسٍ مبقَّعةٍ ببعض الحليب، أو بكوبٍ مُخطَّطٍ بالحليب، بل سيكونُ لديكَ كوبُ ماءٍ ذو لونٍ حليبيٍّ.

لكنَّ عبقريَّةََ تورنج أبصرَت أبعدَ من ذلك، فقد أثبتَ أنَّهُ بإمكانكَ دفعُ النِّظامِ لتشكيلِ البُقعِ والخطوطِ إذا ما جمَعتَ هذَينِ العنصرَين بالطَّريقةِ الصَّحيحةِ.

كانت تلكَ الفكرةُ سابقةً لعصرِها لدرجةِ أنَّنا مازلنا نعملُ على كشفِ تعقيدها منذُ 65 سنة.

الضَّوءُ والظُّلمة

للأسفِ يرفضُ علمُ الأحياء أن يكونَ بهذه البساطةِ.

فالانتشارُ يفترضُ أنَّ العواملَ الّتي تخلقُ الأنماط، -على سبيل المثالِ، المواد الكيميائيّة والبروتينات والخلايا-، "غبيّة" وتتحرك في الفراغِ بعشوائيّة.

لكن في عامِ 2014 أظهرَت تجاربُ  شيجبيرو كوندو أنَّ الخلايا على وجهِ الخصوصِ أكثرَ مَكراً ممّا  نعتقد.

يعملُ مختبر كوندو على فهمِ الخطوطِ البيضاءِ والسَّوداءِ لِـ "سمكة الزَّرد" وهو نَوعٌ من أسماكِ المياهِ العذبةِ الاستوائيّةِ والّتي يعودُ أصلُها لمناطقِ الهيمالايا.

اكتشفَ المُختَبر أنَّ أنماطَ حراشفِ أسماكِ الزَّرد مصنوعةٌ من نوعٍ ضوئيٍّ من الخلايا يُدعى (xanthophore أي حاملةُ الأصفر) ومن نوعٍ داكنٍ أو معتمٍ من الخلايا يُدعى (melanophore  أي الخلايا الميلانيّة) تتفاعلُ مع بعضها. وخصوصاً الخلايا المُضيئة والّتي تنشرُ مايشبه المِحلاق أي الـ tendrils _وهو يُشبه الجزءَ اللّولبيَّ من النّباتِ_ والّذي تستعملُه لتستكشفَ بيئتها.

وبشكلٍ مفاجئٍ، اكتشف فريقُ كوندو أنَّ آليَّةَ مطاردةٍ تتحرَّضُ عندما تلمسُ الخلايا الضّوئيّةُ الخلايا المُعتمةَ، فتتحرَّكُ الخلايا الضَّوئيّةُ ببطءٍ باتِّجاهِ الخلايا المُعتمة، بينما تهربُ الخلايا المُعتمةُ بسرعةٍ ممّا يؤدّي إلى تشكُّلِ التّعقيدِ في المادةِ لأنَّ الملاحَقَةَ لا تحدثُ حولَ خطٍّ مستقيمٍ. فالخلايا تتحرَّكُ بزوايا حولَ بعضِها البعض ممّا يُشكِّلُ مُطاردةً مُتصاعدَةً.

وسَّعَ المخُتبرُ عملَهُ مع نظريةِ تورنج ليتوافَقَ مع معرفتهِ الجديدةِ بهذهِ الخلايا المُتلاحقة.

أولاً، قام بتمثيلِ نموذجٍ رياضيٍّ دقيقٍ بشكلٍ كبيرٍ كمجموعةٍ منَ الخلايا الفرديّةِ المنفَصِلَةِ لكن منَ الصَّعبِ العملُ معه. لذلكَ قامَ بتبسيطِ النَّموذَجِ بافتراضِ أنَّ هناكَ عددٌ كبيرٌ من الخلايا.

قد تبدو إضافةُ المزيدِ من الخلايا سبباً في تعقيدِ النِّظامِ، لكن بزيادةِ عددِ الخلايا تستطيعُ أن تتوقَّفَ عن القلقِ حولَ كلِّ عنصرٍ مفرداً والنَّظرُ ببساطةٍ لخصائِصِ جميعِ القِطَعِ.

وللتَّكلُّمِ عن ذلكَ بمصطلحاتٍ حقيقيّةٍ، افرض أنكَ تنظرُ إلى سورِ الصّينِ العظيم، فليسَ عليكَ القلقُ حولَ شقٍ وحيدٍ بينما تَنظرُ إلى البنيةِ الكاملةِ للسّور.

فبالرغم من فقدانِ المختبرِ بعضَ الدّقةِ في تحديدِ مكانِ الخليّةِ المُفردَةِ، سمحَ لهم التَّبسيطُ باستخدامِ مجموعةٍ كاملةٍ من التِّقنيّاتِ الأُخرى والّتي فكَّرَ فيها علماءُ الرّياضياتِ منذ 60 سنةً مضت، لذلكَ أصبح المُختَبَرُ قادراً على تحديدِ الشُّروطِ الّتي تُنتِجُ بها الخلايا الأنماطَ، والظُّروفِ الّتي تكوَّنت تحتها الأنماط.

وبشكلٍ لا يُصدَّقُ، فإنَّ التَّعقيدَ الإضافيَّ سمحَ لعامِلِي المُختبَرَ توسيعَ فهرسِ الأنماطِ المتوفِّرَة، ولن يضطرَ النِّظامُ لتطويرِ أنماطٍ ثابتةٍ من البُقعِ والخطوط.

ويمكنُ أن تُنتِجَ هذه الخلايا المتلاحقةُ أنماطًا سُداسيَّةً دوّارةً، أو البقع الّتي تتحرَّكُ جيئةً وذهاباً حولَ بعضِها، والأكثرُ تعقيداً ربما هي الخطوطُ الّتي تتأرجحُ جيئةً وذهاباً.

كلُّ هذا التّعقيدِ يوجدُ في وصفِ تلاحقِ هذه الخلايا مع بعضِها البعض: فإذا غيَّرت الوصفَ يمكنكَ تغييرُ النَّمط. ممّا يؤكُِّد وبشكلٍ حاسمٍ افتراضاتِ تجربةِ كوندو، والّتي لم يقمْ بها على النَّوعِ العاديِّ والبرِّيِّ من سمكةِ الزَّرد وحسب، بل امتدَّت التّجربةُ لتشملَ الأسماكَ المُصابةَ بطفراتٍ جعلت خطوطها مُنكسِرَةً وبقعها مُتدخلةً أو الّتي لاتحتوي على أيّةِ أنماطٍ.

فقد اكتشفَ أنَّ الأسماكَ المُصابةَ بالطَّفَراتِ أو ذاتِ الأنماطِ المختلفةِ نشأت من تقنيّاتِ (استراتيجيَّاتِ) تتبُّعٍ مختلفةٍ بينَ الخلايا الدَّاكنةِ والفاتحةِ أو (الضّوئيّةِ والمعتمةِ)، واستنتجَ أنَّ النِّطاقَ الصَّغيرَ لنمطِ الخلايا يمكنُ أن يتحكَّمَ بالأنماطِ على مستوى الأنسجةِ في الجلد، ويبدو أنَّ الرّياضياتِ أتت لتأكيدِ هذه الفكرةِ، على الرَّغمِ من أنَّنا نحتاجُ إلى مزيدٍ من العملِ لضمانِ المقارنةِ الكاملةِ بينَ النَّظريّةِ والتّجربةِ.

وبالرَّغمِ من ذلكَ مازال العلماءُ يعتقدونَ أنَّ التَّفاعلَ بين الخلايا أكثرُ تعقيداً ممَّا نعرفُ حاليًّا، وقد نستغرقُ أكثرَ من 65 سنةٍ أخرى حتّى نضعَ دبوسًا آخرَ في تشكُّلِ أنماطِ الزَّردِ، ولكن في هذه الأثناءِ كونوا على ثقةٍ من قدرةِ الرّياضياتِ على تأمينِ مجهرٍ جديدٍ لدراسةِ المشاكلِ البيولوجيّةِ وراءَ خبراتِ البيولوجيّينَ التّجريبيّةِ الحاليّةِ.

المصدر:

هنا