الطب > مقالات طبية

الأعضاءُ الأثريَّةُ؛ حقيقةٌ أم وهمٌ؟

يخضعُ العديدُ من الناسِ لإجراءاتِ استئصالِ الزائدةِ الدوديَّةِ الملتهبةِ أو اللوزاتِ، أو التخلُّصِ من أضراسِ العقل؛ فلماذا نمتلكُ هذه الأعضاءَ إذا كنا نستطيعُ التخلصَ منها بهذه السهولةِ ودون أيّةِ عواقبَ؟

تشرحُ نظريةُ "الأعضاءِ الأثريَّةِ Vestigial Organs" سببَ وجودِ الأعضاءِ التي تبدو غيرَ مفيدة؛ إذ تُعَدُّ هذه الأعضاءُ بقايا تطوريَّةً امتلكت وظيفةً ضروريَّةً لبقاءِ الكائنِ على قيدِ الحياةِ في الماضي ضمنَ ظروفٍ معينةٍ؛ ولكن مع كلٍّ مِن مرورِ الوقتِ وتغيُّرِ البيئاتِ فقدت هذه الأعضاءُ دورها.  

واكتشفَ الباحثون عددًا من هذه الأعضاءِ الأثريَّةِ لدى كثيرٍ من المخلوقاتٍ وليس لدى البشر فقط، فوجدوا -مثلاً- بقايا عظامِ طرفٍ خلفيٍّ (أو ساق) لدى أنواعٍ من الأفاعي، مدفونةٍ ضمنَ العضلاتِ قربَ القسمِ النهائيِّ من الذيل؛ فشكَّلَ هذا الاكتشافُ دليلًا على أنَّ هذه الأفاعي تطوَّرت من أحدِ أنواعِ الزواحف التي امتلكت أطرافًا صغيرةً نسبيًّا، وبعد أجيالٍ من التكاثرِ وصلت إلى شكلها الحاليّ. 

كما أُدرِجت لائحةٌ بهذه الأعضاءِ لدى البشر، والتي قد تتضمنُ أضراسَ العقلِ والزائدةَ الدوديَّةَ وعظمَ العُصعصِ واللوزات.

فإذا بحثنا عن أسبابِ استئصالنا أضراسَ العقلِ؛ لوجدنا أنها تتنوَّعُ من تخريبها لاصطفافِ الأسنان؛ إلى كونها -في بعض الأحيان- مُسبِّبٌ لحدوثِ التهاباتِ اللثة؛ لكنَّ وجودَها يعودُ إلى حاجةِ أجدادنا إليها نتيجةَ حِميتهم الغذائيَّة المعتمدة على الطعامِ القاسي كأوراقِ الشجرِ والجذورِ واللحوم.

وأمَّا اليومَ؛ فمع وجودِ الطرائقِ الحديثةِ لطهي الغذاءِ وتطويرِ أدواتِ الأكلِ، وتزامُنًا مع صغرِ حجمِ الفكِّ عبر المسيرِ التطوريِّ للنوعِ البشري؛ فقدَت هذه الأضراسُ دورَهَا؛ بل وأصبحت -في معظم الحالات- مصدرًا للمشكلات والإزعاج؛ إذ قدَّرتِ الرابطةُ الأمريكيَّةُ لجرَّاحي الوجهِ والفكَّين أنَّه لا بدَّ من إزالةِ أضراسِ العقل في قرابة 85% من الحالات.

وكذلك يشيعُ استئصالُ اللوّزات؛ فاللوزاتُ هي نسيجٌ لمفاويٌّ يحتجزُ البكتيريا والفيروساتِ التي تدخلُ الجسمَ عبر الحلق، ويستجيبُ بإنتاجِ بروتينات تُسمَّى "أضداد Antibodies" لمكافحتها؛ لكنَّ هذه اللوزاتِ قد تلتهبُ وتصبح مصدرًا للعدوى؛ فينصحُ الطبيبُ – أحيانًا وليس دائمًا - بإزالتها.

ولا يؤدِّي استئصالُ اللوزاتِ إلى نقصٍ في مناعةِ الجسمِ ضدَّ العدوى؛ لأنَّ العديدَ من الأنسجةِ الأُخرى قادرةٌ على إنتاجِ هذه الأضدادِ إنتاجًا كافيًا؛ أي لا تُحدِثُ إزالتُها أيَّ تأثيرٍ سلبيّ.

ولعلَّ وجودَ الزائدةِ الدوديَّة على لائحةِ الأعضاءِ الأثريَّة هو أحدُ أكثرِ الجوانبِ المثيرةِ للجدل؛ فمن جهةٍ وُجِدَ أنَّها كانت أكبرَ نسبيًّا في الحجمِ لدى أجدادِنا لدورِها في هضمِ الأعشابِ القاسيةِ التي كان يُعتمدُ عليها سابقًا بوصفها مصدرًا للغذاء، ثم أخذَ يتقلَّصُ حجمُها بعد تغيُّرِ الحميةِ الغذائيَّةِ لأطعمةٍ أسهلَ هضمًا حتى فقدت وظيفتَها مع الزمن، ويعتقدُ بعضُ العلماءِ بأنَّها في النهايةِ ستختفي من الجسم.

ومن جهةٍ أُخرى؛ أظهرت بعضُ الدراساتِ الحديثةِ أنَّها تؤدِّي دورًا في الجهازِ المناعيِّ؛ نظرًا إلى احتوائِها على خلايا لمفاويةٍ تُساعدُ الجسمَ في مقاومةِ العدوى.

كما صرَّحَ باحثو المركزِ الطبيِّ التابعِ لجامعةِ ديوك، أنَّ للزائدة الدوديَّةِ وظيفةً رئيسيَّةً في الجهازِ الهضميِّ؛ وذلك في إنتاجِ ميكروبات مفيدةٍ للأمعاء وتخزينها.

وهذا ما جعلَ تصنيفها ضمنَ الأعضاءِ الأثريِّة مثيرًا للشكوك؛ مع أنَّ إزالتِها في الحالاتِ المرضيَّةِ لا تبدو أنَّها تُعيقُ الجسدَ عن العملِ عملًا طبيعيًّا.

وبِناءً على ما تقدَّمَ من معلوماتٍ؛ فلا بدَّ لنا من التساؤلِ فيما إذا كان لهذه الأعضاءِ وظائفُ أخرى غيرُ مكتشفَةٍ بعدُ، أم أنَّنا سنفقدها تدريجيًّا عبر السنين..

المصادر:

(1) هنا

(2) هنا

(3) هنا

(4) هنا