العمارة والتشييد > الترميم وإعادة التأهيل

إعادة تأهيل كنيسة سانت باراسكيفا

تُعَدُّ مدينةُ نيسبار Nessebar التَّاريخيَّة الواقعة في بلغاريا والمُدرجة ضمن قائمةِ اليونِسكو للتُّراث العالميّ مثالًا فريدًا من نوعه عن مختلفِ أنشطةِ الإنسان عبر التاريخ، إذ تعكسُ شوارعُها المرصوفة بالحصى وكنائسُها التي تعودُ إلى القرونِ الوسطى ومنازلُها الخشبيَّة من القرنِ التَّاسع عشر الماضي التاريخ المتقلب والمتغيّر للمدينة؛ فكنائسُها التي تُعَدُّ من أجملِ كنائس المنطقة من أفضلِ الأمثلة التي توضِّحُ التَّقاطعَ بين العمارةِ الكنسيَّة الأرثوذوكسيَّة والسلوفاكيَّة واليونانيَّة. ومدينة نيسبار Nessebar من أقدم المدن في أوروبا وتشكِّلُ موطنًا للعديدِ من الآثار الملموسة لمُختلف الحضارات التي استوطنتها (كالتراقيين والإغريق والرومان والسلافيين والبيزنطيين والبلغار) والتي تظهرُ بروحٍ واحدةٍ متجانسةٍ ضمنَ المدينة التي حافظت عليها في بنيةٍ حضريَّةٍ حيَّة حتَّى وقتنا الحالي.

 

 

كنيسةُ سانت باراسكيفا St. Paraskeva إحدى أهمّ هذه الآثار الحيَّة ضمن المدينة والتي بُنيَت في القرنِ الثَّالث عَشَر، إذ تُعبِّر عن المبادئ الجماليَّة للمباني المُقدسَّة في العصور الوسطى في بلغاريا؛ فهي واحدةٌ من أفضلِ الكنائس المُقبَّبَة ذات الصَّحن الكنسيّ الواحد والسقف الجملونيّ، وتكشفُ الأفكارَ الرَّئيسة لتكوينِ واجهاتِ هذا النَّوع من الكنائس الغنيَّة بالزَّخارف مع العناصر التَّزيينيَّة ودوائر السِّيراميك المُزجَّج وقطع الطُّوب الصَّغيرة.

كما تُمثِّلُ الكنيسة دليلًا تاريخيًا قيِّمًا للتطوُّرِ الشَّامل للهندسةِ المعماريَّة الأرثودوكسيَّة الشرقيَّة مقارنةً مع ازدهارِ العمارةِ القوطيَّة في الغرب في الفترةِ ذاتِها، وعلى الرُّغم من تدميرِ مايقارب الثُّلث من بناءِ الكنيسة الأصليّ في فترةٍ امتدَّت سبعة قرون إضافةً إلى العديد من عمليَّات التَّرميم والتدخُّلات الأُخرى المختلفة ضمنها لكنَّها حافظت على مضمونِها الأصليّ على نحوٍ جيِّد نسبيًا.

وتعكسُ الكنيسةُ البنيةَ الحضريَّة لمدينةِ نيسبار Nessebar التي قد تغيَّرت جذريًا منذُ العصورِ الوسطى حتَّى يومنا الحالي، فقد بُنيَت الكنيسة لتكونَ نقطةَ اتِّصالٍ حضريٍّ هامّ ضمنَ المدينة ولكنَّ أهميَّتها تضاءلت لاحقًا، ممَّا أدَّى لطرحِ فكرةِ التَّرميم وإعادةِ إحياءِ هذهِ الأهميَّة التَّاريخيَّة لها.

 

فكرةُ التَّرميم:

مشروعُ ترميمِ كنيسةِ سانت باراسكيفا St. Paraskeva وإنعاشِها اجتماعيًا كانَ نتيجةً لمسابقةٍ معماريَّةٍ نظَّمتها اللَّجنة الوطنيَّة البلغاريَّة للمجلسِ الدوليّ للثَّقافة والمتاحف مع بلديَّة نسيبارNessebar والمتحف المحليّ، فالتغيُّر التَّدريجيّ في منسوبِ الشَّارع حولَ الكنيسة إضافةً لفقدانِها جزءًا كبيرًا من ارتفاعِها الأصليّ وحجمِها الصَّغير نسبيًا كوَّنَ اعتقادات خاطئة بأن الكنيسة بُنيَت في فترةٍ لاحقةٍ من تاريخِها الحقيقيّ.

ولأنَّ الكنيسة تملكُ صفاتَ العنصرِ الحضريّ وهيكليَّته الرَّئيسة فالتدخُّل المُعاصِر لمبنى الكنيسة سيعيدُ لها دورَها الرَّئيس كنقطةٍ علَّامةٍ في المدينة، إضافةً إلى برنامجِ أنشطةِ الكنيسة الذي سيساعدُ على استعادةِ أهميَّةِ الكنيسة الوظيفيَّة ضمنَ المدينة.

 

قُسِّمَ المشروع إلى ثلاثِ مراحل رئيسة:

1_ الصِّيانة والتَّرميم:

تتَّبِعُ التدخُّلات في المَعلَمْ المبادئ المُعاصِرة للحفاظِ على الآثار وإعادةِ إحيائِها، إذ نلاحظُ المادَّة الأصليَّة للمكان إضافةً لإمكانيَّةِ تمييزِ المراحل المُختلفة التي مرَّت بها، وتجري عمليَّةُ التَّرميم بطريقةٍ دقيقةٍ وحذِرةٍ جدًا للمحافظة على العناصرِ الرَّئيسة في المبنى إضافةً إلى التدخُّلات المتناسقة معها والتي طرأت على المبنى على امتدادِ تاريخِه، كما تُستَخدَمُ التِّقنيَّات والوسائل الحديثة المُعاصِرة لإعادةِ خلقِ الملامحِ المكانيَّة للكنيسة واستعادةِ العناصر التي لا يوجدُ جدالٌ حولَ صحَّةِ معلوماتِها  وتجنُّب أيَّة عمليَّة ترميم تُستعاد فيها عناصر تعتمد على الحدسِ والافتراض.

 

 

أُدخِلت ألواحٌ من المعدن الصُّلب المُثَقَّب لإظهارِ الهيكلِ الأصليّ للمبنى، بألوانٍ تنسجمُ معَ ألوانِ الكنيسةِ جيِّدًا ولكن يمكنُ تمييزُها بسهولةٍ عن مادَّةِ البناء الأصليّة، كما أُعيدَ تشكيلُ الواجهةِ بالتقنيَّة الأصليَّة التي بُنيَت وفقها وهي الـ”opus mixtum”  -تقنيَّةُ بناءٍ رومانيَّة الأصل- والمؤلَّفة من تناوبِ قطعِ الطُّوب والحجارة بأحجامٍ مُختلفة معَ إضافةِ ألواحِ المعدن الصُّلب المُثَقَّبْ في هذه الكنيسة.

 

 

 

وأُضيءَ الفراغُ الدَّاخليّ لسقف المبنى على نحوٍ متدرِّج على امتدادِ السَّقفِ الطُّولي، فاستردَّ المبنى حجمه ونسبه الأساسيَّة والإحساس بالرَّهبة المقدَّسة للمكان.

أمَّا ارتباطُ المواد الجديدة المُضافة إلى الهيكل الأساسيّ للكنيسة بالمواد الأصليّة فقد دُرِسَ ليكونَ بالحدِّ الأدنى، إذ تتَّبعُ التدخُّلات التَّرميميَّة في الكنيسة مبدأ الـreversible أي يُمكنُ إعادةُ فكِّها لإعادةِ المبنى إلى حالتِه السَّابقة للتَّرميم دونَ أن يحدثَ تأثير على البنية الأصليَّة له، فالمادَّةُ الأصليَّةُ محميَّةٌ من أيِّ ضررٍ قد يصيبُها، وتوجدُ سيناريوهات عديدة للإضاءة الفنيَّة الخارجيَّة اعتماداً على الأنشطةِ التي ستُقامُ ضمنَ المبنى.

 

 

2- الوظيفة الجديدة:

استمرَّ المبنى بوظيفتهِ الجديدة بعدَ ترميمهِ وحافظَ على أهميَّتِه التَّاريخيَّة بجعلِ الكنيسة مركزًا ثقافيًا إعلاميًا إلى جانبِ وظائف متنوِّعة كالمعارض والحفلات الموسيقيَّة والعروض بتقنيَّة ثلاثيَّة الأبعاد والأفلام الوثائقيَّة والفنيَّة والرُّسوم المتحرِّكة المُتعلِّقة جميعها بالتطوُّر التَّاريخي والثقافي للمدينة وآثارِها.

 

 

3_ التدخُّل الحضريّ:

كنيسةُ سانت باراسكيفا St. Paraskeva مُتاخِمةٌ لكنيسةٍ أخرى تعود للفترةِ الزَّمنيَّةِ ذاتِها، وتقعان في ساحةٍ عامَّة ذات ارتباط بصريّ مُباشر بينهما وبواجهاتٍ مُزخرفةٍ متماثلة، ويُقدِّمُ الفراغُ المشتركُ بينهما تجسيدًا للوحدةِ الجماليَّة والوظيفيَّة والدلاليَّة لكلا الكنيستين إضافةً إلى أهميَّةِ مظهرِهما المُشترك بتماثلِ تصميمِهما العمرانيّ والإضاءة الفنيَّة وعناصر الفرش العمراني والأرصفة، معَ إمكانيَّةِ نقلِ جزءٍ من الوظائفِ الثَّقافيَّة الدَّاخليَّة خارجَ الكنيسة إلى السَّاحة، والتي ستحوِّلُها إلى منتدىً ثقافيٍّ تفاعليٍّ كمكانٍ غير رسميّ للاجتماعات والمحادثات والتَّرفيه والعلاقات الثقافيَّة.

فما رأيكم بطريقةِ البناء التي استخدمها المعماريّ للحفاظِ على المكان وإعادتِه إلى الحياةِ من جديد؟ وهل وُفِّقَ بالتَّعامل مع هذهِ الآثار القيِّمة؟

 

المصادر:

1 - هنا

2 - هنا