الفنون البصرية > فن وتراث

تاريخ المهرج بين الضحك والرعب

إذا كنتَ تسيرُ وحدَكَ ليلاً ورأيتَ مهرِّجاً بوجهٍ أبيضَ وشعرٍ أحمرَ وعينين لامعتين وكان يُمسِكُ بيدهِ بالوناً أحمرَ، استدرْ ولا تلتفت وراءَك، بل اركضْ بالاتجاهِ المعاكِسِ مباشرةً نحو المهرِّجِ الآخرِ ذي الوجه الأبيضِ والعينين اللامعتين والشعرِ الأحمرِ مع حرفِ M أصفرَ مضيءٍ خلفَهُ، لتستمتعَ بوجبةٍ سريعةٍ وتتجنب أن يكون لك مصيرُ الوجبةِ ذاتُه، ففي تلك المسافةِ بين المهرِّجَين؛ المخيف والضاحكِ؛ يقبَعُ تاريخُ المهرِّج.

في البداية؛ استُخدِمَت كلمةُ Clown - أي المهرِّج بالإنكليزيَّة - ضمنَ مسرحيةِ شكسبير (هاملت) لوصفِ حفَّارِ القبورِ، وحملت آنذاك معنى "غبي" أو "أخرق" وهو الوصف الدقيقُ لتلك الشخصية، لكنَّها لم تُستَخدَم بمعناها الحالي إلَّا بعد مرورِ مئةِ عامٍ على الرغم من وجودِ المهرِّجين أزمنةً طويلةً قبل ذلك.

ففي مصرَ القديمة وقبل خمسةِ آلافِ عامٍ؛ احتفظت العائلة المالكة بأقزام أفارقةٍ سمُّوا بالـ Dangas  بغرضِ تسليةِ الفرعونِ وهم يرتدونَ زيًَّا مصنوعًا من جلدِ الفهدِ وأقنعةً غريبةً لتقليدِ الآلهةِ المصريَّةِ القديمةِ، وقد وُجِدت مظاهرُ مشابهةٌ في كلٍّ من الصينِ واليونان.

أمَّا في روما القديمة فقد تعدَّدت أنواعُ المهرِّجين؛ وكان أكثرُهم رواجًا سانيو Sannio والذين لم يرتدوا أيَّ أقنعةٍ خلافًا للبقيّة، في حينِ ظهرَ نوعُ الستيوبيداس Stupidas عادةً برأسٍ أصلعَ أو قُبَّعة مدبَّبةٍ مرتدينَ أزياءً ملوَّنةً، واشتهروا بالتقليدِ السَّاخِرِ للممثلين التقليديين واعتادوا كذلك على استغلال أحدثِ الفضائحِ مادَّةً للسُّخريةِ تمامًا كما في عصرنا الحالي. وتميَّز النوعُ الأدنى من المهرِّجين سكورا Scurra بالقدرةِ البدنيَّةِ الغريبة، بالإضافة إلى الموريوس Morios؛ وهي الأصل لكلمة moron والتي تعني أحمق بالإنكليزية، وعُرِفَ كذلك المتخلِّفون العقليون بالسالتي Sulti والفالوي Falui؛ إذ اعتادتِ العائلات الغنية الاحتفاظَ بهم بغرض التسلية.

وبالعودة إلى القرن الثامن في الشرق؛ انتشرت ظاهرة التهريجِ بشدَّةٍ ومنهم بهلول مهرِّجُ الخليفةِ هارون الرَّشيد. ومع حلول القرنِ الرَّابعِ عشر؛ هيمنَ الكوميدي المحترف بدلَ البُلهَاء في العديدِ من المنازلِ المَلكيَّةِ والذي تميَّزَ عمَّن سبقوه بتقديمِ الكوميديا عند الطلبِ فقط. ووجِدَ معظمُ الكوميديين المعروفين في تركيا ولا سيَّما في عام 1440 إذ تحوَّلوا مع الوقت إلى أبطالٍ شعبيين.

وعلى الرغم من أنَّ حريّة التعبير بأنواعها كلِّها؛ وخصوصاً المطبوعة منها؛ كانت نادرة للغاية آنذاك؛ فقد تمتَّع الكوميديون بقوةٍ ونفوذٍ بسببِ قُربهم من الملك، ممَّا أتاحَ لهم التعبير عن رأيهم بحرية، ومنهم ويليام سمرز William Sommers الذي حَظِيَ بمحبّةِ العامة والملك على حدٍّ سواء؛ إذ حافظ على حياته وتجاوز عُمرَ ملكِهِ هنري الثامن الذي قطعَ العديدَ من الرؤوسِ إبّانَ فترة حكمه.

William Sommers

وفي عام 1728؛ تُوفيَ آخرُ الكوميديين الموظفين توظيفًا خاصًّا لتنتهيَ بذلك هذه المرحلة من تاريخ المهرجين.

أمَّا على مستوى أوروبا بشكل عام فقد استمرَّ نفوذُ الكوميديين وقتًا أطولَ خصوصاً في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وظهر مسرحُ الارتجال الإيطاليّ في بريطانيا بصحبةِ الهارليكنز Harlequins  والبانشينيلو Punchinello، وتطوَّرَ الهارليكن أثناء انتشاره ليمثِّلهُ بهلوانيٌّ مخادعٌ يرتدي قناع دومينو أسود ويمسكُ مضربًا يُرهِبُ به ضحاياه، واستفاد المهرِّجُ الموهوبُ جوزيف غريمالدي Joseph Grimaldi من الهارليكن في بناءِ شخصيّته كأوَّلِ مهرِّجِ سيركٍ وأول من يستخدمُ مكياج المهرج وما زالَ يكنَّى للمهرجين ب joes إكراماً له، في حينِ تحوَّل البانشينيلو إلى البَنش punch ليكونَ أوَّلَ عرض دُمى في بريطانيا مشكِّلاً بدايةَ ظهورِ المهرِّجِ كشخصيَّة مخيفةٍ؛ إذ يتضمَّنُ العرضُ ضربَ زوجته وقتلَ ابنه بطريقةٍ مضحِكةٍ؛ ولكنْ مروِّعة.

Joseph Grimaldi

وسَبَقَ ذلك افتتاحُ Amphitheater أوَّلِ سيركٍ في عام 1768 من قبل فيليب أستلي Philip Astley، وترجعُ كلمةُ سيرك إلى اللغة اللاتينية؛ إذ تعني الحلقةَ، وقد استُخدِمَت فكرةٌ مشابهةٌ سابقًا في روما لتقديمِ عروضٍ مسليَّةٍ يؤديها مصارعون بدلاً من المهرجين.

أعقَبَ ذلك اختراعُ السينما، فأُتيحت للمهرجين فرصٌ أكثرُ مما تخيَّلوا؛ إذ توفَّرت قبل الحرب العالمية الثانية العديدُ من فرصِ العملِ في السيرك وقَدَّمتِ السينما عددًا منهم من خلالِ الأفلام، وكانَ أشهرُهم تشارلي تشابلين Charlie Chaplin.

و بعد الحربِ العالميةِ الثانية؛ عانت شركاتُ السيرك الكبيرةُ صعوباتٍ جمَّةً، ممّا دفع المهرجين إلى البحث عن فرصِ عملٍ بعيدًا عنها من خلالِ الاحتفالاتِ أو أعيادِ الميلادِ، في حين عملَ المحظوظُ منهم في التلفاز أو السينما.

و لم يختفِ شبح المهرِّجِ المخيفِ تمامًا وبقيَ حاضراً في المسرحيات الإيطالية والفرنسية، إضافة إلى رواياتِ تشارلز ديكنز Charles dickens وسلسة القصص المصورة باتمان Batman التي قدَّمت شخصيةَ Joker، ليعودَ للظهورِ بقوّةٍ في نهايةِ السبعينات وبدايةِ الثمانينات عندما ركَّزت التغطيةُ الإعلاميّةُ على القاتل المتسلسل جون وين غايسي John Wayne Gacy؛ الذي تنكَّر أحياناً بزيِّ المهرِّج أثناء ارتكابِ جرائمه، وبالتالي حطَّم صورةَ المهرِّجِ السعيدِ التي نشرَها Ronald McDonald في سلسلةِ مطاعمِه بين خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

وقد تنامَت شعبية المهرج المخيف بالتزامنِ مع صدورِ روايةِ IT للكاتب الأمريكي ستيفين كينغ Stephan King، والتي حُوِّلَت فيما بعد إلى فيلمٍ تلفزيوني دخلَ البيوت وروَّج صورةَ المهرِّجِ المخيفِ الذي يؤذي الأطفال. كذلك استمرَّ تأثيرُ هذا الفيلم حتى عام 2013؛ إذ دبَّ الرعبُ في نفوسِ سكانِ مدينةِ نورثامبتن Northampton في بريطانيا بسببِ شخصٍ كان يتجوَّلُ في المدينةِ مرتدياً قناع بيني وايز Pennywise؛ الشخصيةِ الرئيسيةِ في رواية IT صارخًا باقتباساتٍ من الفيلم، ليتّضحَ لاحقًا أنَّه كان مجرَّدَ شابٍّ عشرينيّ مثيرٍ للمتاعب. وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً؛ انتشرت حالةٌ من الهلَع في شهر آب (أغسطس) من عام 2016 بسبب انتشارِ مهرِّجين مخيفين لكنْ مزيَّفين في أنحاء البلاد، تلتها إعادةُ إصدارِ الفيلم المذكور IT والذي حصد 1230000 $ في نهاية أسبوع افتتاحه مُؤكِّدًا التاريخَ الكبيرَ والأثرَ الثابتِ في نفوس الأجيال جميعِها على الرغم من وجود المهرِّج زمنًا طويلًا جدًّا.

المصادر:

هنا

هنا