العمارة والتشييد > العمارة والسينما

العمارةُ الوحشيَّة في فيلم Blade runner

ماذا كشفت لنا المدينةُ المُتَخيَّلة في فيلم Blade Runner 2049 عن الاتجاهات الحديثة في التَّنمية الحضرية؟

يبدو المشهدُ المستقبليّ للمدينة والذي تدورُ أحداثُه عام 2049 أنَّه قد استوعبَ وعجَّل من آثارِ النَّموذج الاقتصاديّ الرأسماليّ المُعاصِر.

ويكمنُ جزءٌ كبيرٌ من سوءِ الفهمِ حولَ الوحشيَّة في الكلمةِ نفسِها، إذ توجدُ كلمةُ "وحشيّ" في العديدِ منَ اللُّغات الأوروبيَّة، لكنَّ المهندسينَ المعماريِّين الأصليِّين الذينَ استخدموا هذا المصطلح وظّفوا المعنى الفرنسيّ لها، إذ تُتَرجمُ الخرسانة إلى beton brut في اللُّغة الفرنسيَّة، وتشيرُ كلمةُ brut إلى المادَّةِ الخام تحديداً، وعملَ هذا الطِّراز على تعريةِ الأشكالِ النَّاعمة للطِّراز الحديثِ المبكِّر، إذ بدأ طرازٌ معماريٌّ راديكاليّ بالظهور منذُ خمسينيات القرنِ العشرين وعدَّ هذهِ الأشكال النَّاعمة تافهةً وغريبةً وغير تقدمية كفاية ولا تناسبُ احتياجات فترة ما بعد الحرب.

ظهرت العديدُ من التَّفسيرات التي سعت لفكِّ رموزِ الفيلم البصريَّة أو مناقشةِ رسالتِه الأخلاقيَّة، وظهرت في نفسِ الوقت الانتقادات التي ركّزت تركيزاً كبيراً على طريقةِ تجسيدِ المرأة وافتقارِ الفيلم للتنوّع العرقيّ.

أمَّا من وجهةِ نظرٍ معماريِّة فيمكنُ ملاحظةُ العديد من الأمور خاصَّةً بالنِّسبةِ إلى المتحوِّلين الجدد إلى الأسلوبِ المعماريّ الوحشيّ.

كانت هذه الأبنية والتَّصميمات الوحشيَّة متعمَّدة كليَّا، إذ أوضحَ المصوِّرُ السينمائيّ للفيلم روجر ديكنز Roger Deakins في مقابلةٍ معَ مجلَّةِ Variety، أنَّ الكثيرَ من العمارةِ الوحشيَّة في لندن أصبحت المفتاحَ حقاً، كما قالَ المخرجُ دينيس فيلنوف Denis Villeneuve أنَّه يريدُ أن يشعرَ بالوحشيَّة وبتلكَ العمارةِ الخرسانيَّة القاسية التي بدأت في الخمسينات.

وتبرزُ مشكلةٌ في تطبيقِ هذا النَّمط بالذّات مع مشاهدةِ الفيلم لأنَّ فلسفتَه المركزيَّة المتجذِّرة في الاشتراكيَّة لا علاقةَ لها بالمجتمعِ المستقبليّ الذي يصوِّره الفيلم.

الواقعيَّة الرأسماليَّة والتَّصميم المستقبليّ:

لا ينبغي عليلنا أن نكونَ قساةً على منتجي الفيلم على الرُّغم مما سبق، فليسَ ذنبهم أنَّ المجتمعَ الذي نعيشُ فيه قد تخلّى كليَّاً عن أيَّةِ محاولاتٍ لتصميمِ المستقبل وخلقِ بنيةٍ حضريَّةٍ مستقبليَّةٍ تعملُ لصالحِ المواطنِ العاديّ، ولكنَّ ذلك يعيدُ إلى الأذهان مشكلةً جدّيةً أخرى تتعلَّقُ باستخدامِ العمارةِ الوحشيَّة؛ فقد اكتملت معظمُ مشاريعِها الرَّئيسة قبلَ نصفِ قرن، إذ لم تكن هذه الهندسةُ المعماريَّة مستقبليَّةً في الوقتِ الذي كتبَ فيه فيليب ك. ديك Philip K. Dick الرِّواية التي يستندُ إليها الفيلم "هل يحلمُ الرِّجال الآليُّون بخرافٍ إلكترونيَّة؟!" "Do Androids Dream of Electric Sheep؟ 1961"، ويشيرُ هذا إلى أنَّنا عالقونَ في الحاضر غير القادر على تخيُّل مستقبلٍ جريء خاصٍّ به.

يبدو مشهدُ المدينةِ المستقبليّ الذي تدورُ أحداثُه عام 2049 أنَّهُ استوعبَ وسرَّع أسوأَ آثارِ النَّموذجِ الاقتصاديّ الرَّأسماليّ المعاصِر المتأخِّر، فعندما يطيرُ بطلُ الفيلم عبرَ لوس أنجلوس بسيَّارتِه الطَّائرة يمتلئُ محيطُه بالإعلانات المُضيئة وتتلاشى الشِّعارات والرُّموز في الضَّوضاء البيضاء مبرزةً إيّاه كالمستهلكِ الفرديّ المثاليّ الوحيد.

وشكّلت مدينةُ لوس أنجلوس في الفيلم مفارقةً مهمَّة؛ فهيَ مدينةٌ ميِّتة لكنَّها تنبضُ بالحياة، قذرةٌ ولكنَّها غارقةٌ في المطر، مكتظَّةٌ لكنَّ الناسَ يهجرونها.

وقد استُخدمت لوس أنجلوس كموقعِ تصويرٍ للعديدِ من الأفلام، وكانت هندستُها المعماريَّة الفريدة مصدرَ إلهامٍ لصنَّاعِ الفيلم وموضوعَ دراسةٍ لمؤرّخي الفن.

لا تختلفُ مدينةُ لوس أنجلوس في Blade Runner كثيراً عنها في فيلم Chinatown، إذ يدركُ كلا الفيلمين أنَّ لوس أنجلوس تتركّزُ حولَ الفراغ، وبالمقارنةِ بينَ Deckard وهوَ يتنقلُ في طريقهِ بينَ النَّاس والحيوانات في شوارعِ لوس أنجلوس حولَ نادي Taffy Lewis مع الحشدِ الذي يحيطُ فجأةً بـ Jack Nicholson في نهايةِ فيلم Chinatown يجعلُ كلُّ مشهدٍ المساحةَ الحضريَّةَ المزدحمة تبدو فارغةً على نحوٍ غريب بفضلِ الحركةِ البطيئة في Blade Runner  والتَّصوير الجوّي في Chinatown.

يدركُ كلا الفيلمين الطَّبيعةَ القوطيَّة المشؤومة لمباني المدينة، والذي كانَ يمثِّلُ طرازَ التَّجديد الإسباني في فيلم Chinatown وأصبح فنوناً جميلةً في فيلم Blade Runner.

خُلقَ هذا الواقعُ السريالي افتراضيَّاَ لعامِ 2049، ولا تقتصرُ القصَّةُ على لوس أنجلوس ولكن تمتدُّ مع تقدِّم أحداثِ الفيلم لتشملَ شمال المدينة، وتفتقرُ هذه المواقعُ البعيدة للهويَّة والمعالمِ الاستدلالية، ولا يوجدُ اختلافٌ كبيرٌ داخلَ المشاهدِ نفسِها، وبما أنّ Blade Runner كانَ مليئاً بتضاد الضَّوء والظِّل، ظهرَ عام 2049 كلوحةٍ أحاديَّةِ اللَّون؛ فالأراضي الزِّراعيَّة رماديَّةُ اللَّون ولاس فيغاس برتقاليَّة وليالي الشَّاطئ سوداء، فيبدو الأمر كأنَّ اللونَ يمثّلُ العمارة.

فهل شاهدتَ هذا الفيلم عزيزي القارئ؟ وما رأيكَ بعمارتِه؟ وهل تعتقدُ أنّ عمارتنا في المستقبل ستكونُ مشابهةً لعمارةِ هذا الفيلم؟

المصادر: 

هنا

هنا