المعلوماتية > عام

على العكسِ ممّا تتوقّعون؛ الإنسانُ أسرعُ من الآلة!

"إنَّ المعرفةَ الأساسيَّة الّتي يعدُّها النَّاسُ أمرًا مُسلَّمًا به تمنُحنَا مِيزةَ التَّعلّمِ الذّاتيّ"؛ هذا ما جاءَ في الورقةِ البحثيَّةِ الّتي نشرتها شركةُ "DeepMind Technologies" مطلعَ العامِ 2013، وقالت أيضًا أنَّ أيَّةَ شبكةٍ عصبيَّةٍ تستطيعُ لعبَ ألعابِ الفيديو القديمة عنْ طريقِ النَّظرِ إلى الشَّاشةِ فقط، سواءٌ أكانَتْ هذهِ الشَّبكةُ العصبيَّةُ لبشريِّ أو لآلة.

وعلى الرّغمِ منْ جمالِ فكرةِ إمكانّيةِ لعبِ ألعابِ الفيديو من قبلِ الآلات؛ لكنَّها تُسلِّطُ الضوءَ على إحدى أكبرِ المشكلاتِ الّتي تواجهُها طريقةُ التَّعلُّمِ العميق Deep learning؛ وهيَ أنَّ الآلةَ تستغرقُ وقتًا طويلًا في التَّعلُّم مقارنةً معَ البشر.

 

ولكنْ؛ لماذَا يتعلَّمُ البشرُ كيفيَّةَ لعبِ هذهِ الألعابِ في وقتٍ قصيرٍ مع خبرةٍ قليلةٍ نسبيًّا؟

تمكَّنَ "راتشيت دوبيه Rachit Dubey" وزملاؤُه من جامعةِ كاليفورنيا في أواخرِ عامِ 2017 منَ الإجابةِ عنْ هذا السُّؤال؛ إذْ دَرسُوا طريقةَ تفاعلِ البشرِ مع ألعابِ الفيديو لتحديدِ نوعيَّةِ المعرفةِ الّتي يعتمدُ البشرُ عليها كيْ يفهموا طريقةَ اللَّعبِ على نحوٍ سريعٍ وفعَّال.

واتَّضحَ أنَّ البشرَ يستعملونَ قاعدةً منَ المُسلَّماتِ والبديهيَّاتِ والمعارفِ الأساسيَّة الّتي تُمكِّنهم من تحقيقِ نتائجَ فعَّالة في وقتٍ قصيرٍ وجَهدٍ ضئيل، وأمّا فيما يخصُّ الألعابِ الّتي لا تعتمدُ هذهِ الأساسيَّات فإنَّ الشَّخصَ يواجهُ مشكلاتٍ في تخطِّيها.

ولإثباتِ وجهةِ نظره؛ جرَّبَ "راتشيت" لعبةَ العفريتِ والأميرة Montezuma’s Revenge - لعبةٌ أُصدرَت عامَ 1984 على جهازِ Atari 8-bit computer - على أربعينَ شخصًا، ووَجدَ أنَّ الشَّخصَ الواحدَ يستطيعُ إنهاءَ اللُّعبةِ في دقيقةٍ واحدةٍ بمساعدةِ قرابة 3000 إجراءٍ عن طريقِ لوحةِ المفاتيح.

وهذَا الأمرُ ليسَ بالمُفاجِئ؛ وذلكَ لأنَّ المرءَ يستطيعُ تخمينَ هدف اللُّعبةِ بسهولةٍ (إيصالُ العفريتِ إلى الأميرةِ عن طريقِ القفزِ عنِ الأحجارِ وتفادِي العقباتِ منْ ألسنةِ النَّار والوحوش).

ومنْ جهةٍ أُخرى؛ تُعَدُّ اللُّعبةُ صعبةً جدًا بالنِّسبة إلى الآلة، وتكادُ تكونُ مستحيلَةَ التَّحقيق؛ وذلكَ لأنَّ خوارزمياتِ التَّعلمِ العميق الّتي تستخدمُها الآلةُ لا تستطيعُ حلَّ اللُّعبة، فهيَ لا تمتلُك مرجعًا لمتابعةِ عمليَّةِ الحلّ؛ إذْ إنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ للانتقالِ إلى مرحلةٍ أُخرى هيَ إتمامُ المرحلةِ السَّابقة.

والجديرُ بالذِّكرِ هنا؛ أنَّ أفضلَ أداءٍ لآلة كانَ باستخدامِ خوارزميَّة تَعلّمٍ مبنيَّةٍ على الفُضول، واستغرقت هذهِ العمليَّةُ أكثرَ من أربعةِ ملايين إجراءًا و37 ساعةَ لعبٍ متواصل.

ما الّذي يجعلُ الإنسانَ متفوِّقًا على الآلةِ في هذهِ اللُّعبة؟

اتَّضحَ أنَّ الإنسانَ لا يُقدِمُ على اللَّعبِ دونَ وجودِ قاعدةِ الأساسيَّاتِ الّتي ذكرناها آنفًا، إذْ إنّه بمجرَّدِ نظرهِ إلى الشَّاشة يُحلِّلُ تلقائيَّا كيفَيّةَ اللّعب، ويعرفُ أنَّ العفريتَ يجبُ أنْ يتفادى النَّارَ والوحوشَ وكلَّ العقباتِ الَّتي تظهرُ أمامَه، وجاءَ هذا التحليلُ منَ المعرفةِ التّلقائيّةِ السَّابقةِ لديه بأنَّ النَّار تحرق، وأنَّ الوحوشَ تفترس، وأنَّ السُّقوطَ في الحفراتِ يؤدِّي إلى الموت. ويؤدّي كلٌّ من التّحليلِ والاستنتاجِ إلى تراكمِ الخبراتِ والمُسلَّماتِ في هذهِ القَاعدة، وفي المُقابِل؛ فالآلاتُ لا تعرفُ أيّةَ مُسلّمات؛ لذلكَ يجب عليها التَّجريبَ كيْ تعرِفَ وتتعلَّمَ ماذا سيحدثُ إذا لمسَ العفريتُ النَّار مثلًا.

وبعد التَّأكُّدِ من الطَّريقةِ الّتي يتَّبعُهَا البشرُ في تحليلِ الألعاب؛ عدّلَ "راتشيت"على اللُّعبة، واستبدلَ السَّلالِمَ بألسنةِ نارٍ، والعملات النّقديَّة بالوحوش، وأعادَ طرحَ اللُّعبةِ علَى الأشخاصِ نفسهِم دونَ أنْ يُعلِمَهم بالتَّغييرات، ثمَّ قاسَ المدَّةَ الّتي استغرقوهَا في إنهاءِ اللّعبة، وقدْ كانتِ النَّتائجٌ مثيرةً للدَّهشة؛ إذْ استغرقوا أكثرَ من 20 دقيقةٍ لإنهاءِ اللُّعبة، وهذا يُرينَا أنَّ إزالَةَ المعارفِ السَّابقةِ أو تشويهَها يُؤدِّي إلى تدهورٍ جذريٍّ في سرعةِ إنهاء اللُّعبة، في حينِ أنَّ إزالةَ المعارفِ السَّابقةِ للآلة لنْ يؤثِّرَ على  سرعةِ تعلُّمِها.

ويقولُ علماءُ النَّفسِ أنَّ الأطفالَ في عمرِ الشَّهرين يبدؤونَ بتكوينِ فكرةٍ مبدئيَّةٍ عن الأشياء، ولكنَّهم لا يستطيعونَ التَّعرُّفَ على فئاتِ هذهِ الأشياءِ إلَّا في عمرِ الأربعةِ أشهر، أمَّا في عمرِ 18-24 شهرٍ يبدؤون بالتَّعرُّف إلى الكائناتِ الفرديَّةِ وربطِها بخصائصِ الأشياء؛ أي إنَّ المعارفَ الأساسيَّةَ الّتي يتلقَّاها الطَّفلُ في صِغرِه هيَ الرَّكيزةُ الأساسيَّةُ للتعلُّم الذّاتيّ عندَ الإنسان.

وبهذا؛ إذا تمكَّنَ العُلماءُ من إيجادِ طريقةٍ تُمكِّنُنا من تعليمِ الآلاتِ على نحوٍ شبيهٍ بتعليمِ البشر؛ أي بأسلوبٍ تراكميٍّ*، ستُصبحُ الآلةُ قادرةً على اللَّحاقِ بالبشرِ أو ربّما قادرةً على التَّفوِّق عليهم، ولكنْ مَتى؟؟!

*مثال عن الأسلوبِ التّراكمي: عند إنشاءِ برنامجٍ لحسابِ جدولِ الضَّرب تكتسبُ الآلةُ مهارةَ الحسابِ التَّلقائِي له، وعندَ الحاجةِ لحسابِ ناتجِ ضربِ أيِّ عددَين مرّةً أخرى نكونُ قد علّمنا الآلةَ مسبقًا ولسنَا بحاجةٍ إلى تعليمِها ثانيةً.

ملاحظة: يمكنكمُ الاطّلاعُ على اللّعبةِ التي عدّلها "راتشيت" وتجريبُها بأنفسكم.

رابط اللعبة:هنا

المصادر:

هنا

هنا