الطب > مقالات طبية

"لين درويش"؛ طبيبةٌ مبِدعةٌ بين عوالم الطب والموسيقا

ربَّما لم تكُنْ جميعُ العصورِ عادلةً مع المرأةِ، ولكنّها استطاعَتْ بعزيمتِها وإرادتِها الحُرَّةِ أن تُحقِّقَ ذاتَها، وتُخضِعَ ما يبدو مستحيلاً لطموحِها، إذْ ما انفكَّتْ تَخوضُ مجالاتِ الحياةِ المُختلفةِ إلى جانبِ كَونِها أمّاً ومربّيةَ أجيال. وحين نتحدَّثُ عن واحدةٍ من أَسمى المِهَنِ وأصعبِها؛ أَلا وهي الطِبّ؛ فقد استطاعتِ المرأةُ أن تُنافسَ فيه بشرفٍ وتُثبِتَ جَدارَتَها. وإن كنّا قد ناقَشنا في مقالٍ سابقٍ واقعَ المرأةِ الطّبيبةِ فنحنُ اليومَ نتظرَّقُ إلى مثالٍ حَيٍّ عن قدرةِ المرأةِ على الإبداعِ والتّفوقِ في آنٍ واحد، فالطّبيبةُ المُبدِعةُ "لين درويش" قد منحَتِ "الباحثون السوريّون" من وقتِها مشكورةً، لِكي تُطلِعَنا على تَجْرِبتِها في الطّبّ والغناء؛ ولِتكونَ مثالاً مُشجِّعَاً لجميعِ الفتياتِ اللّواتي قد تُساورُهُنّ الشّكوكُ في مرحلةٍ ما حولَ قُدراتِهنّ ومدى اتّساعِ الآفاقِ أمامَهنّ. تابعوا معنا الحوارَ الذي أَجرَتْهُ زميلتي الباحثةُ السّوريّةُ الطّبيبةُ "ماري قلاويز" مع الطّبيبةِ "لين درويش":

-بدايةً؛ نودُّ أن تُعَرَّفينا عنْ نَفسِكِ؟

-أنا "لين درويش" عمري 27 سنةً، طالبةُ دراساتٍ عُليا للسّنةِ الثّالثةِ على التّوالي في مَشفى تشرين الجامعي في مدينةِ اللاذقية، وتَخَصّصُي هو "طبّ الأورام"، ولَدَيّ اهتمامٌ كبيرٌ بالموسيقا.

-دكتورة لين؛ هلّا أَخبرتِنْا عن أهمِّ الصُّعوباتِ الّتي واجَهتك منذُ بدايةِ اختصاصكِ في المَشفى؟

-إنّ التّحدي الأصعب يَتمثّلُ في الانتقالِ من مرحلةِ الدّراسةِ النّظريّةِ إلى التّطبيقِ العَمليّ، والّذي يَترتّبُ عليه مَسؤوليّاتٌ جَمّة، فإنّ مِحوَرَ عَمَلِنا هو الإنسانُ وحياتُه؛ إذ يَتَطلّبُ ذلك من الطّبيبِ الدّقةَ في استجوابِ مرضاهُ واختيارِ القراراتِ المُناسبةِ تِجاهَهم، الأمر الذي يشكّل ضغطاً نفسياً على الطبيب في بداية اختصاصه.

-هل كان توجُّهُك للطبّ نتيجةَ الرّغبة به، أم بدافعٍ من المحيط، أم لمجرّد حصولك على العلامات المؤهِّلة لدخول الطب؟

-طالَما كانَ الطبّ رغبتي وحلمي، وفي الواقع لم ألقَ التّشجيعَ الكبيرَ من والديَّ على اختيار الطب، وذلك نظراً لتخوُّفِهم من طولِ طريقه وصعوبتِها، لكنَّني قرَّرتُ أن أتمسَّكَ برغبتي هذه، وأن أتحدّى نفسي بدخولي إلى كلية الطب.

-"طبُّ الأورام"! يحيط بهذا الاسمِ هالَةُ استفهام، فما الدّافعُ نحوَ اختياركِ اختصاصَ علم الأورام؟

-إنَّ علمَ الأورام علمٌ متجدّدٌ ومُنفتِحُ الآفاقِ، إذ إنَّ العديدَ من الدراساتِ والأبحاثِ العلمية في مجال الأورام تُنجَزُ باستمرارٍ ممّا يُساهِمُ في تطوُّرِه، فضلاً عن أنَّه يشملُ العديدَ من الفروع التي يمثِّلُ كلٌّ منها عالماً بحدِّ ذاته؛ كالأورامِ الدّموية، وأورام الثدي، وأورام الكولون.

-نودُّ منك أن تخبرينا عن مدى صعوبةِ اختصاصِ الأورام في بلدنا عموماً وبالنسبةِ إليكِ على نحوٍ خاص.

-إنّ أهمَّ الصعوباتِ التي نتعرَّضُ لها في مركزِ الأورامِ في مدينةِ اللّاذقية هي عدَمُ توفُّر الوسائلِ الاستقصائيةِ الشاملة، فقد يتطلَّب الأمرُ من المريضِ - للحصول على التشخيص أو المتابعة الفعاّلة - أن يتوجّهَ إلى العاصمةِ حيث تتوفَّرُ الأجهزةُ الشاملةُ ممَّا يَعني هدراً لوقت المريضِ وطاقتِه الجسديّةِ والماديّةِ، إضافةً إلى الفجوةِ الكبيرةِ بين دراستنا النظرية وواقعِ طبِّ الأورام في بلدنا؛ إذ إنَّ العديدَ من الأدويةِ الحديثةِ قد لا تتوفَّرُ، وإذا ما توفّرت فقد تكونُ مُكلِفةً جداً للمريض.

-لكونِك أنثى؛ فهل سبّب لكِ ذلك أيّةَ صعوباتٍ إضافيةٍ في مجالِ عملكِ؟

-في الحقيقةِ؛ لم أشعُرْ أنَّ هنالك فرقٌ بين طبيبٍ أو طبيبة قطّ، وخلافاً لذلك؛ فإنَّ المناخَ العامَّ ضمنَ المشفى تسودُهُ الأُلفة، ولا بدّ لي هنا من أن أذكَرَ عَلَماً من أعلامِ "طبّ الأورام"؛ أستاذَنا الطبيبَ "ميخائيل جرجس" الذي يُعاملُ طلَّابَه على أنَّهم أبناؤه تماماً.

وأمّا كصعوباتٍ استثنائيّةٍ تخصُّ الإناثَ الطبيبات فهنالك ثغرةٌ واحدةٌ  في "عَقد الدوام" ضمن المشفى، وتتمثَّلُ في أنَّ الطبيبةَ لا تُمنَحُ إجازةَ أمومةٍ في حالِ ولادتِها، الأمرُ الذي قد يشكِّلُ عائقاً أمامها ما لم تَجِدْ بعضَ المساعدةِ من رؤساءِ الأقسام.

-هل سبق لكِ وأنْ تعرّضتِ لمواقفَ صدرَت عن المرضى جعلتْكِ تشعرين بأنّ ثقتَهم بزميلك الطبيب أكبرُ من ثقتِهم بكِ كأنثى طبيبة؟

-في الواقع لم أتعرَّضْ لذلك قطُّ، بل على العكس من ذلك؛ فإنَّ المرضى عادةً ما يثقون بي كطبيبةٍ نظراً لقدرتي على التّواصلِ معهم على نحوٍ جيّدٍ، وعادةً ما يكوِّنُ المرضى الانطباعَ عن طبيبِهم وفقاً للانطباعِ الذي يرسلُه هو ويوحي به؛ أي إنَّ ثقتي بنفسي كطبيبةٍ تنعكسُ دوماً على المرضى، وتُشعِرُهم تلقائيّاً بالثقة.

-والآن؛ وبعد اطّلاعنا على جانب الطبيبة؛ دعينا ننتقل إلى الطبيبةِ المغنيّةِ، فماذا يَسعُكِ أن تخبرينا عن فنّك؟

-يمثِّلُ الفنُّ جزءاً من حياتي اليوميّة، فكثيراً ما ألجأُ إلى الغناء سواءٌ أكانَ ذلك في حالات الفرح أم الحزن أو حتَّى في لحظاتِ الغضب، وعلى الرّغم من الفكرةِ السائدةِ في مجتمعِنا عن انعزالِ الطبيب والتخمينِ بأنَّ اهتمامَه بمجالاتٍ خارجَ الطبّ قد لا يكون أمراً صائباً؛ ولكنَّ هذه الفكرةَ مغلوطةٌ تماماً؛ فالطبيبُ على وجه التحديدِ من أكثرِ الفئاتِ التي تحتاجُ إلى مساحةٍ يفرّغُ بها ضغطَ العملِ اليوميّ إمّا عن طريقِ موهبةٍ ما أو رياضةٍ على سبيل المثال وإمّا عن طريقِ نشاطاتٍ أُخرَى.

-منذ متى بدأتِ بالغناء؟

-لقد بدأتُ بالغناءِ من عمر التِّسع سنواتٍ؛ إذ شاركتُ بمسابقاتٍ على مستوى سورية وحصدتُ لقبَ رائدةٍ، وكان ذلك كلُّه بتشجيعٍ كريمٍ من والديّ.

-هل تضعين الغناءَ ضمن خُططكِ المستقبليّة؟

-بالطّبع، إذ إنَّني أدرسُ الموسيقا، ومع أنَّها ستبقى في إطارِ الهوايةِ؛ لكنَّني قد أجِدُ نفسي على المسرحِ في المستقبل.

-ما المخاوفُ التي راودتكِ تجاهَ الغناء لمّا كانَ عملُك في المقامِ الأوَّلِ هو الطبّ؟ وما نظرةُ المجتمعِ إلى ذلك؟

-بِوصفي مُغنيّةً؛ فذاكَ قد يؤثِّرُ على النظرةِ العامة للمجتمعِ إلى مدى جدارتي كطبيبةٍ، لكنَّ هذا لم يمنعْني من متابعة الغِناء، بل على العكسِ من ذلك؛ فقد أقمتُ حفلاً غنائيّاً ودعوْتُ إليه زملائي، وقد مَثَّلَ حضورُ الأستاذ "ميخائيل" مَدعاةً للفخر والسعادةِ لي، إضافةً إلى أنَّ انفتاحَ بيئتِنا الاجتماعيّةِ قد سهّلَ الأمرَ عليَّ كثيراً، ويبقى الأساسُ الأهمُّ دوماً في نظري هو الحصولُ على دَعمِ العائلةِ والمحيطِ المُقرَّب.

-لقد لاحظنا اهتمامَكِ بالنَّشاطِ التطوُّعي أيضاً، فهلّا حدَّثتِنا عن تجربتِك في هذا المجال؟

-لقد عملتُ سابِقاً مع جمعيَّةٍ تُعنَى بالتوحُّدِ، وكان سياقُ عملي التطوعيّ فيها إداريّاً، إذ نُنظِّمُ الحملاتِ لدعمِ قضية التوحُّد، وقد تركَت هذه التجربةُ أثراً إيجابيَّاً كبيراً على شخصيتي، وخاصَّةً بتعلُّمِ العملِ الجماعيّ التعاونيّ وبالقدرةِ على التعبير عن الأفكارِ ضمن روح الفريق الواحد، فضلاً عن مشاركتي في حملاتٍ أجرَتها "مُنظمَّةُ الأُمَمِ المتحدة" للعنايةِ بصحةِ المُهجَّرين.

-في الختامِ؛ نشكركِ دكتورة "لين" على مشاركتِنا تجربتك، فهل هنالك ما تودّين قولَه أيضاً؟

-لقد تشرَّفتُ باختيارِ "الباحثون السوريّون" لي، وأشكركُم على هذه البَادرةِ الطيّبة.

………………………………………………………………………………………………………….

    انطلاقاً من تجربةِ "لين" ومن تجارِبنا الشخصيّةِ أيضاً كطبيباتٍ ومتطوِّعاتٍ في مبادرةِ "الباحثون السوريّون"؛ نستطيعُ القولَ أنَّ واقعَ المرأة في أيّامنا هذه يسيرُ إلى الأفضل على نحوٍ ملحوظٍ ، وممّا لا شكَّ فيه أنَّ اجتهادَها في عملِها سيؤتِي ثمارَه، وأنّ كونَها طبيبةً فهذا لا يعني تقييدَ مساحتِها الشخصيّة أبداً، بل على العكس من ذلك؛ قد يُشكِّلُ دافعاً لصقلِ جوانبَ خفيّةٍ في عالَمها. وفي الختام؛ لابدّ من التأكيدِ على أهميّة توفُّرِ عُنصرِ الشَّغَفِ في كلّ مجالٍ قد نخوضُ غمارَه، فإنّ اختيارَنا لما نحبُّ أن نفعلَ ومضيَّنا في سبيلِه كفيلانِ بإيصالنا إلى مبتغانا دوماً أيّاً تَكُنِ العوائق والصعوبات.