علم النفس > المنوعات وعلم النفس الحديث

أنت تملك مرايا في دماغك، لكن ما هي وما عملها؟

لماذا عندما نشاهدُ مبارياتِ الفريق الذي نشجعُه؛ نجدُ أنفسَنا في أعلى درجاتِ الحماسِ والقلبُ ينبضُ بقوةٍ وكأننا نحن مَن يلعبُ في المباراة، وخاصَّةً فى الدقائقِ الأخيرةِ للمباراة؟

كمْ مرَّةً شمَّت والدتُك طعاماً غيرَ مألوفٍ أمامك ثمَّ اشمأَزَّت من رائحتِه؛ فوجدتَ نفسَك مشمئِزّاً أيضاً، بل وتحرَّكت عضلاتُ معدتك وكأنَّكَ أدخلت هذا الطعام إليها؟!

وكم تثاءَبتَ مرّةً بمجرَّدِ أنْ يتثاءَبَ الجالسُ أمامَك؟

عقودٌ مضت والعلماءُ يحتارون أثناء دراسةِ السلوكِ البشري؛ فهل نحنُ - البشرَ - نقلدُ الآخرين حتى في شعورِهم؟ إذ عندما ترى زميلك وقد وُخِزَت ذراعُه بإبرةٍ حادّةٍ تشعرُ فجأةً بانقباضٍ في عضلاتِ ذراعِك أيضاً حتّى كأنَّ الإبرةَ قد وَخَزت ذراعك!

لهذا كلّه ظلَّ كثيرٌ من العلماءِ يتساءلون كيفَ يُمكِن أن تدفعنا ملاحظةُ الآخرين إلى الاستجابةِ بردودِ فعلٍ مطابقةٍ تماماً لردودِ فعلهم! وكيف نفهمُ بهذهِ السرعة وفطريّاً أفكارَهم ومشاعرَهم، بل ونقلّدُهم فيها أيضاً!

وجدَ العلماءُ الإجابةَ فى خلايا دماغِنا، وتحديداً فى خلايا عصبيةٍ سُمّيت بخلايا المرآة، ويرجِعُ الفضلُ في اكتشاف تلك الخلايا وتحديدها إلى عالمِ الأعصابِ "جياكومو ريزولاتى" وفريقه في جامعة بارما فى أوائل التسعينيَّاتِ، إذ ذكرَ "أنَّ هذه الخلايا ستمكِّنُنا من فهمِ كيفَ ولماذا نقرأُ أفكارَ الآخرين ونشعرُ بالتعاطفِ معَهم".

إذاً ما هي هذه الخلايا؟

- سهَّلَ اكتشافُ هذه الخلايا العصبية تفسيرَ كيفيّة قراءةِ عقولِ الآخرين والتعاطفِ معهم دون أيِّ جهدٍ؛ حتَّى أنَّنا نشعرُ بما يفعلونه هم! إذ تضعُنا الخلايا المرآةُ لاإراديّاً في مواضعِ الآخرين فنلمسُ أحاسيسَهم ومشاعرَهم بجسدنا. ولنوضِح ذلكَ أكثر؛ عندما يعيشُ صديقُكَ المقرَّبُ موقفاً سبَّبَ له الألمَ والضيقَ النفسيّ فسوف تجدُ نفسَك قد تعاطفتَ معَه أيضاً لدرجةِ أنَّك تشعرُ بضيقٍ وألمٍ مماثلَين لما يعايشه صديقُك، وذلك نتيجةً لتنشيطِ الخلايا الخاصَّةِ بالانفعالاتِ في الدماغ، وبناءً على ذلك فقد اتَّضحَ أنَّنا عندما نتعاطفُ مع ألمِ شخصٍ ما فإنَّنا نشعرُ بدرجةٍ ما بالألمِ أيضاً!

تمتازُ تلكَ الخلايا بأنَّها الخلايا الدماغية الوحيدة التي تنشّطُ بالطريقةِ ذاتها سواءٌ بالرؤيةِ أو بالفعلِ، فمثلاً إذا رأيتَ شخصاً ما يبتسمُ أمامك فسوف تنشَطُ داخلَ مُخّكَ هذه الخلايا مثيرةً نشاطاً عصبيّاً في الدماغ، الأمرُ الذي يظهرُ فى معايشةِ سعادةٍ مماثلةٍ للفعلِ أمامك؛ وبكلماتٍ أبسط؛ أنتَ تبتسمُ تلقائياً بمجرَّدِ رؤيتكَ شخصاً ما يبتسمُ أمامك، ودونَ أن تبذلَ أدنى مجهودٍ، لأنَّ شفتَيك تتحرَّكُ استجابةً لتحفيزِ الخلايا المرآة في دماغك!

وتساعدُنا هذه الخلايا العصبية على فهمِ ما ينوي الآخرون فعلَه أيضاً، فهذه الخلايا تنشَطُ برؤيتنا الآخرين يؤدّونَ فعلاً أو سلوكاً؛ ممَّا يساعدُنا على توقُّعِ ما وراء هذا الفعل أو السلوك، وكذلك التنبُّؤُ بالخطوةِ التاليةِ له، وهذا ما دفع الباحثين - حقيقةً - للتحقُّق من أنَّ الخلايا المرآة تستجيب بالقوَّةِ نفسها للسلوكياتِ والمشاعر أو النوايا وراء السلوكيات.

وفي هذا السياق يتساءلُ عالمُ الأعصاب "ماركو لاكوبني" (إذا ما كانتِ الخلايا المرآة تستطيعُ أن تخبرَنا عن الفرقِ بين أن تلتقطَ فنجانَ الشاي لتأخذَ رشفةً منه أو لتنظّفَ الطاولةَ التى يُركَنُ عليها هذا الفنجان)؛  فمِن خلال تجربتِه التي نشرَتها مجلةُ (PLOS Biology)؛ استخدمَ الباحثون الأشعةَ المغناطيسية لتصوير الإشاراتِ العصبيةِ لـ 23 مشاركاً وهم يشاهدون ثلاثة فيديوهات: الفيديو الأوَّل يعرضُ يداً تلتقطُ فنجانَ الشاي فقط إلى جانب طبقِ بسكويت موضوعٍ بجوارِه (إشارةً الى أنَّ التقاطَ فنجان الشاي كان بهدفِ أخذِ رشفةٍ منه). وفي الفيديو الثاني تظهرُ الطاولةُ مزدحمةً بفُتاتٍ من البسكويت المتناثرِ عليها (وبذلك يُستنتَجُ أنَّ اليدَ تلتقطُ فنجانَ الشاي لتنظفَ الطاولة). وفي الفيديو الثالث نجدُ الفنجانَ موضوعاً على الطاولة فقط، وهنا وجدَ الباحثون أنَّ الخلايا المرآةَ - الموجودةَ في القشرةِ الدماغيةِ في الباحةِ أمام الحركيةِ ومناطقَ أُخرى من الدماغ - قد تفاعلَتْ بقوَّةٍ مع السلوكياتِ الأخرى المتضمّنةِ في سلوكِ التقاطِ فنجان الشاي أكثرَ من الفيديو الأخير الخالي من أيِّ سلوكٍ مُضمَّنٍ مع فنجانِ الشاي، وتشيرُ هذه التجربةُ بقوَّةٍ إلى أنَّ هذه الخلايا العصبية مهمّةٌ فى فهمِ نوايا الآخرين مثلما هي مهمَّةٌ فى تفهُّمِ سلوكهم.

- خلايا عصبيةٌ هي مرآةٌ عاكسةٌ لما يفعله الآخرون ويشعرون به:

بعد الآنَ؛ لم نَعُد بحاجةٍ لفهمِ ما يفعله الآخرون لأجل استيعابِ مشاعرهم لأنَّنا - ببساطةٍ - أصبحنا نفهمُ شعورَهم.

ما تزالُ الأبحاثُ مستمرةً لمعرفةِ المزيد عن تلك الخلايا، وما اكتُشِفَ إلى الآنَ قد وضَّحَ لنا بأنَّ تلك الخلايا هي المفتاحُ الوحيدً لفهم كيفية عيشِ البشر وازدهارهم فى عالم اجتماعيٍّ معقَّدٍ؛ كما يقولُ دكتور "فيتوري جالايس" من فريق دكتور ريزولاتي بجامعةِ بارما.

وبهذهِ المعلوماتِ التي توصَّلَ إليها العلماءُ؛ يمكنُ أن نقلِّلَ من الإحراجِ الذي يتعرَّضُ له أولئك الذين لا يتحكمون فى دموعهم أثناء مشاهدةِ مقطعٍ حزينٍ من برنامج تليفزيوني أو فيلم أو حتى إعلان عندما يعلمون أنَّ هذه الدموعَ الخارجةَ عن سيطرتِهم ما هي إلّا انعكاسُ الخلايا المرآة لِما يشاهدونه!

مصادر المقال

IPlotnik، R.، & Kouyoumdjian، H. (2013). Introduction to psychology. Cengage Learning.

هنا