الطب > ‏معلومة سريعة‬

الجثث في التشريح

استمع على ساوندكلاود 🎧

جثةٌ! كلمةٌ ستجذبُ انتباهَك على الرغم من استخداماتِها المُختلفةِ في المِجالات المتنوعة، فنحن نَسمعها في أوساطِ الأخبارِ، ويستخدِمُها هؤلاء الذين يعملونَ في علومِ التّشريحِ، لكنّها -بكلّ تأكيدٍ- تشدُّ اهتمامَ طُلابِ الطّبّ على الفور، وتجلبُ معها صورةَ شخصٍ ساكنٍ مستلقٍ على طاولةٍ معدنيّةٍ باردةٍ محرّكةً بذلك مشاعرَهم خاصَّةً حين يعلمونَ بأنّهم سيلتقونَ بجثّةٍ بعدَ وقتٍ قليلٍ.

مشاعرُ متضاربةٌ حولَ الجثّةِ المُستلقيةِ أمامَهم تراودُ جميعَ طلّابِ الطّبّ البشريّ عندَ جلسةِ التّشريح الأولى؛ فغالبيّة الطّلّابِ -حتى الذين فقدوا أحدَ أقربائهم- لم يكونوا بهذا القربِ من الجثة، وهم الذين سَيُمْضُوْنَ الأسابيعَ القادمةَ في شقِّ الجلدِ، وفصلِ النّسيجِ الدّهنيّ، وتمييزِ العضلاتِ، والشرايينِ، والأوعيةِ المُختلفةِ، لِسَبْرِ عالمِ التّشريح بكلِّ تفاصيله.

بدايةً يمكنُ القولُ: إنّ الفائدةَ التّعليمية الأولى للتشريحِ تأتي من الخبرةِ العمليّة المكتسبة، وقد يجادلُ البعض بأنّ مناقشةَ الجهازِ الحركيّ للإنسانِ والعضلاتِ المُختلفةِ نَظريّاً شيءٌ يَختلفُ تماماً عن رؤيةِ الجهازِ العضليّ لجثثٍ حقيقيّةٍ، وهذا بدورِه يخلقُ بيئةَ تَعلُّمٍ تسمحُ للطلابِ بفهمِ الصّورةِ الواسعةِ والتفاصيلَ الدّقيقةَ على حدٍّ سواء؛ فكتبُ التّشريحِ الجامعيّة تصفُ الحالةَ الطّبيعيّةَ "المُعتدلةَ"، ولكن في النهايةِ نحنُ جميعاً مختلفون؛ أيْ بكلماتٍ أخرى؛ لا يوجدُ شخصان متماثلان تماماً، ومن هنا تنبعُ الميّزةُ الإيجابيّةُ الأخرى في التّشريح، ألا وهي رؤيةُ هذه الاختلافاتِ وتتبُّعها، فهذا لا يقتصرُ على الحالاتِ الفيزيولوجية، بل أيضاً على رؤيةِ آثارِ الأمراضِ على الأفرادِ خصوصاً، فعندَ تشريحِ الجثّةِ يعثرُ الطّلابُ على العَمليّات المَرضيّة التي حدثتْ في الجسمِ، كَتَشَكِّلِ الأورامِ، وتضخّمِ الأعضاءِ الداخليّة كالكبدِ أو الطّحالِ أو رؤيةِ آثارٍ لعمليّاتٍ جراحيّةٍ قديمة، ويمكنُ لهذا الأمرِ أن يَفتحَ آفاقاً جديدةً للطلابِ لمعرفةِ آثارِ الأمراضِ داخلَ جسمِ الإنسانِ؛ لإضافةِ صورةٍ عمليّةٍ للمعلومةِ النّظريةِ تبقى محفورةً في ذهنِ الطّالبِ داعمةً بذلك معلوماتِ الكتاب الجامعيّ.

ولكنّ الاستخدامَ الضّروريّ للجثثِ لفهمِ التّشريحِ هو موضعُ التساؤل؛ فإنّ أهمَّ الحججِ المُعارضةِ لاستخدامِ الجثثِ يمكنُ استتباعها من فكرةِ التّطورِ التّقنيّ الذي نشهدَه على نحوٍ مستمرٍّ؛ ففي وقتِنا الحاليّ يَدْخلُ العالمُ متضمناً علمَ التّشريحِ حقبةً جديدةً وهي حقبةُ الطّباعةِ ثلاثيّة الأبعادِ (3D)؛ فمثلما تُطبعُ الطّابعةُ البسيطةُ بطباعةِ ورقةِ A4 ملوّنة، تستطيعُ طابعاتُ ال3D طباعةَ نماذجَ حقيقيّةٍ مصنوعةٍ من الرّاتِنْج، واللدائن الحراريّة، والبوليمرات الضّوئيّة، أو غيرها من الموادِّ، أي إنّه يمكننا الآنَ إنتاجُ نماذجَ إلكترونيّةٍ عن طريقِ الحاسوبِ قابلةٍ للتعديلِ، تُطْبَعُ كالأشياءِ الملموسةِ يمكنُ لطلابِ الطّبّ فحصُها مباشرةً، وربّما حتى تَشريحها. وكذلك فقابليّةَ تعديلِ هذه النّماذجِ تسمحُ لنا بالحصولِ على أعضاءٍ ملائمةٍ لِصورةٍ مرضيّةٍ معيّنةٍ؛ ممّا يؤدّي إلى مجالٍ أوسعَ في فهمِ التّشريحِ المرضيّ، فتخيّل معنا نموذجاً لكليةٍ بشريةٍ مطبوعةٍ بتقنية ال 3D قابلةٍ للتشريحِ، ألا يوفّرُ هذا تشريحَ جثّةٍ لفهمِ بُنيةِ الكليةِ شكلاً وتَوَضّعاً!؟

لا شكّ أنّ طرقَ الطّباعةِ تَختلفُ حسبَ الموادِّ المُستخدمة والدّقةِ المَطلوبةِ والتكلفة والسرعة، وأكثر من ذلك؛ يمكننا باستخدامِ الموادّ والألوانِ المُختلفة بناءُ نماذجَ معقدةٍ مع مكوِّناتِها الصّلبةِ والليّنةِ، والملوّنةِ والشّفافةِ، لكن لا يجبُ أن ننسى أنّه يمكنُ لهذه الطّابعاتِ أن تكلّفَ مئاتِ الآلافِ من الدّولاراتِ! كما أنّ موضوعَ دقّةِ الطّابعةِ يَظَلُّ مصدَرَ قلقٍ؛ فالحصولُ على أفضلِ دقّةٍ يَعني الحصولَ على الطّابعاتِ ذاتِ التّكلفةِ العاليةِ؛ لكن نتيجةً للتطوير المُستمرِّ في هذا المجالِ تَنْخفضُ الآنَ أسعارُ الطّابعاتِ تَدريجيّاً بفضلِ إدخال طابعاتِ سطحِ المَكتبِ ثلاثيّةِ الأبعادِ وموادِّ طباعةٍ مبتكرةٍ (مثل الزجاجات البلاستيكية المُعاد تدويرها).

بالإضافةِ لذلك، يشدِّدُ بعضُ علماءِ التّشريحِ على أنّ طرقَ إعادةِ البناءِ والتّصويرِ الحديثة بتقنيّةِ 3D تُعطي تفاصيلَ لبِنى الجسمِ الدّاخليّة بدقّةٍ يمكنُ اعتبارُها متفوّقةً على تلك التي تُرَى خلالَ جلسةِ التّشريح، دونَ أن ننسى أن التّخليَ عن التشريحِ لصالحِ التّجربةِ العمليّة يسمحُ للطلابِ باختبارِ وفاةِ المريضِ في بيئةٍ أكثرَ طبيعيّةً ممّا يمنعُ فقدانَ الحساسيّة تجاهَ الموت.

والآن ما رأيك عزيزي القارئ؟ هل علينا التّخلي عن تشريحِ الجثثِ الحقيقيّة والتّوجه نحوَ الطّباعة ثلاثية الأبعاد؟ أم هل ستقتصرُ الطّباعة ثلاثيّة الأبعادِ على كونِها أداةً لتَعزيزِ ما هو موجودٌ أصلاً من الطرق الحاليّة فقط ؟

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا