منوعات علمية > العلم الزائف

عالم ما وراء الطبيعة!!

استمع على ساوندكلاود 🎧

اصطلاحاتٌ عدة: خارجَ الطبيعة، فوقَ الطبيعة، خارقٌ.... تُستعمَلُ للدلالةِ على النوعِ ذاتِه منَ المعتقداتِ، والمصطلحُ الأعمُّ الذي يحتويها جميعَها هو: ما وراءَ الطبيعة.

فما مكانُ تلكَ المعتقداتِ التي يؤمنُ معظمُنا بحتميّتها في حياتنا؟ وما مدى صحتِها؟ وما سببُها؟

أحاديثُ كثيرةٌ وكثيرةٌ تدورُ حولَها؛ فماذا قالتِ الدّراساتُ؟

لقد رُجِّحَت هذه المعتقداتُ في علم المنطق لِأحدِ سببَين:

إمّا ‏التنبؤُ المنحازُ للسببِ، وإمّا الاتجاهُ لاختيارِ المعلوماتِ الملائمةِ للمُعتقَدِ. ( إذ يميلُ المؤمنون إلى اختبارِ عددٍ أقلَّ من الفرضيات؛ ويُفضِّلون المعلوماتِ المؤكَّدة)

ويفِّسرُ المؤمنونُ بعالمِ الخوارقِ - وفقاً للأبحاث - تزامنَ حدثَينِ متتالَينِ بأنّه دليلٌ يُفضي إلى علاقةٍ سببيةٍ ما، ويؤمنون بأنَّ الوقائعَ - إن وُجدَت أسبابُها - تقويّ الاعتقادَ السائدَ لديهم أكثرَ من الوقائع مجهولةِ الأسباب، ووفقاً لذلك فإن أصحابَ هذه الأفكارِ يُبدُون ميلاً إلى المعلوماتِ المتوفّرةِ أيّاً كانت.

وكذلك؛ فقد لوحظ وجودُ كلٍّ من المعتقدات الخارقة والانحياز الموجّه والأوهام السببية معاً عندَ وجودِ وقائعَ غامضةٍ أو غيرِ مشروطةٍ، وأمَّا في الوقائع المشروطة وذاتِ الروابط السببية المُعرَّفة فلم تتأثرْ قدرةُ المشاركين على تحديد أسبابِ درجةِ إيمانهم بالمعتقدات الخارقة.

وعلى الرغم من وفرةِ المعرفة العلمية والجهودِ المبذولةِ لتطوير المجتمعات؛ ما تزالُ المعتقَداتُ الخارقةُ شائعةً؛ فمثلاً: يؤمنُ الأمريكيون بوجودِ البيوتِ المسكونة بالأشباحِ، ويعتقدُ قرابةُ 27% من المدنيين البريطانيين بالتواصلِ الذهنيِّ مع الأموات، وفي عام 2010 طالَبَ 40% من الأوربيين باعتمادِ الخرافاتِ بتفويضٍ أوروبيّ، ولا يزالُ السببُ غيرَ معروفٍ لماذا يحتفظُ كثيرُ من الأفراد بمعتقدات خارقةٍ للطبيعة في حينِ يُشكّكُ البعضُ الآخر بها!

وقد انتُقِدَت هذه الادِّعاءاتُ على أساسٍ منهجي، وولّدتِ الاختباراتُ التجريبيةُ نتائجَ متغايرةٍ أو مثيرةٍ للجدل، فمثلاً؛ وُجِدَ أنَّ اتباعَ حلقاتٍ دراسيةٍ في طرائقِ البحث أو علم الإحصاء لا يؤثّرُ - بحدّ ذاته - في تأييدِ الاعتقادات والأفكارِ الخارقة.

كذلك وُجِدَ ارتباطٌ بين مُعتقداتِ ما وراء الطبيعة وقِدَم معرفةِ الشخص بالمُعتقَد، ممَّا يؤدي لتخمينِ وجودِ ارتباطٍ ما بين سلوكيات المؤمنين بالخوارق وطريقةِ تفسيرهم للوقائع، وأنَّ المُعتقدَات هي نتيجةُ التفكيرِ المنحاز، وتتعلّقُ في بعض الأحيان بِسِماتِ الشخصية؛ مثل افتراضِ العالِمَين إيكبلاد وتشابمان أنّ إحدَى صفات الشخصية الفصامية هي تفسيرُ السِّماتِ الشخصية بكونها من وراء الطبيعة (التّفكير الخيالي).

ووفقاً لرأي كلٍّ من الباحثَين إكبلاد  Eckblad" وشابمان &Chapman فالمعتقداتُ هي شكلٌ سببيٌّ لافتراضٍ باطلٍ حولَ المُسبِّبات.

وحسبَ الأبحاث؛ ينتجُ عن الانحياز لمعرفةِ الصُّدَفِ اعتقاداتٍ غيرَ منطقيةٍ، وخاصة فيما يخصُّ العلمَ والطبَّ الزائفَين؛ وهذا ما يُعرَفُ بالوهم السببي أو وهم الأسباب، وتزدادُ هذه الأوهام عند تفسيرِ الأفرادِ الغموضَ الموجود في الأحداث الحاصلة بعلاقةٍ سببيةٍ ما، فمثلاً؛ لا يوجَدُ أيُّ دليلٍ بأنَّ ارتداءَ قلادةٍ سحريةٍ يُلبِّي الأمنياتِ كالفوز في مباراةٍ، ولكنَّ الأفراد يميلون لاستنتاجِ الأحداث الغامضة من اللعبِ الجيدِ للَّاعبين عند ارتداءِ التعويذةِ بدليلٍ يُؤكِّدُ على علاقةِ التأثير.

وقد تناوَلَتِ الدراساتُ العديدَ من الطرائق في خضّمِ استكشاف عالم هذه المعتقدات، ومنها تجارُبُ أحداثِ الصُّدَفِ لأجل دراسة الأوهام السببية، وقد كان بعضُ هذه الصدف مشروطاً وبعضُها الآخرُ غيرَ مشروطٍ، فضلاً عن الاستبياناتِ التي تناولَت جانبَ الحُكمِ على الأحداث والموقف تجاه العلم،  مع مراعاة صياغة الأسئلة والجمل في الاستبيان بأن تكون خالية من التعقيدِ وصِيَغِ الانحياز.

واستُخدِمَ مقياسُ المعتقداتِ الراجع أيضاً: Scale Revised Paranormal Belief R-PB لِتحديدِ المُعتقَدات الَّتي يؤمنُ بها الأشخاص، وقد شملت ثمانيَ نَوَاحٍ: الدينَ، والظواهرَ النفسية، والسحرَ، والخرافاتِ التقليدية، وعالَمَ الأرواح، والحيواناتِ الغريبة، والاستبصارَ، والزَّوارَ الغرباء؛ علماً أنّه لم يُوضَعْ مَصدرُ معرفةِ المُعتقَدِ كجزءٍ يُعتَدُّ به ضمنَ هذا المقياس؛ إذ إنّ ذلك يختلفُ بين الأفراد وحسبَ بيئةِ كلِّ شخصٍ وعُمرِ المُعتقَدِ في تفكيره، فكلما كان المعتقد قديماً توطَّدَ عند الأفراد، وزاد تأثيرُه على سلوكهم، وانحازوا أكثرَ لمعرفةِ ما يتعلقُ بالأسبابِ؛ وذلك عند الأفراد الذين أبدوا معتقدات لاعقلانية.

وإضافةً إلى ذلك وُجِدَ تأثيرُ الاختلافاتِ الشخصيةِ على مقدارِ تطوُّرِ الوَهم السببي؛ فالأشخاصُ المصابين بالاكتئاب أقلُّ مَيلاً لعرضِ الأوهام في مَهامِّ أحداثِ الصُّدَف.

ولم تترافقِ الرَّغبةُ في الحكم على الأحداث مع الموقف الإيجابي تجاه العلم، وإنّما ترافقَتْ مع ملاحظاتٍ أدقَّ للأسبابِ، والاتّجاهِ نحو الشكِّ التَّعميمي؛ حتَّى بوجودِ دليلٍ متوفَّرٍ يدعمُ العلاقةَ السببية، وقد أدرجْنا الموقفَ من مقياسِ العلم لأنَّنا افترضْنا أنَّ الأشخاصَ الذين لديهم موقفٌ سلبيٌّ تجاه العلم سيكونون أكثرَ عرضة للاعتقاد بالخوارقِ والوقوعِ فريسةً للأوهام السببية أيضاً.

وعموماً قد يكونُ الانحيازُ نحوَ الروابط السببية غير الموجودةِ ونحو المعلوماتِ المتوفرة غير مقبولاً عند أيِّ كائنٍ، والَّتي تتطور وتتبلور حسب الظروف المتوفرة وفق الانتقاء الطبيعي خلال تطور التاريخ، فقد كان الانحيازُ نحو الحدَثِ العشوائيِّ المُرافِقِ لأحداثِ العلاقةِ السببيَّةِ المؤثِّرةِ أو الوهم السببي، وهذا له دورٌ أساسٌ في تثبيت السلوك.

وفضلاً عن ذلك فإنَّ وصفَ الأحداث العشوائية بالسببية الفعلية هو أقل ضرراً مقارنةً بنتائجِ تركِ العلاقة السببية الحقيقة، فعدم الأخذ بالوجهِ المُسالِم للثعبان قد يؤدي إلى هروبٌ غيرِ مُبرَّرٍ وضياعِ الطاقةِ، وأمَّا القيامُ بالعكسِ فيؤدّي إلى الموت.

وفي أيامنا هذه؛ انخفضَتْ أو ربَّما عُكِسَتْ ميزةُ الاستنتاج السببي المنحاز، فالقراراتُ المُهمَّةُ كتحديد العلاج يجب أن تخضعَ لدليلٍ علمي، وهذه الإنجازاتُ ساعدَتْنا في اتّخاذِ قراراتٍ أسرعَ في الحاضر، وكانت أدواتٍ قيّمةً في الماضي وأحياناً مؤذية بوصفها كانت - ربّما-  تُفضي إلى ممارساتٍ خطيرةٍ كتناولِ العلاجِ العقيم عوضاً عن الفعّال.

وبعد ذلك، فأولئك الذين لديهم مَيلٌ ملحوظٌ إلى إنتاجِ أوهامٍ سببيةٍ قد يكونون أَميَلَ إلى سردِ وقوع أحداثٍ عشوائيةٍ مُعيَّنةٍ من حياتهم لأسبابٍ زائفةٍ ليسَ في المختبر فحسب ، بل في سياقاتٍ تتعلَّقُ بالخوارقِ (على سبيل المثال؛ قراءةُ أبراجٍ في صحيفة).

ستتبلوَرُ هذه الصفاتُ في نهاية المطافِ كمُعتقَداتٍ خوارقَ يمكنُ قياسُها في استبيانٍ، ومن ناحيةٍ أخرى فقد تتولّدُ نتائجُ خطيرةٌ بسببِ تفضيلِ بعضِ الباحثين بقاءَ بعضِ الاعتقادات على حالتها الطبيعية دون تبلْوُرِها وتطوُّرِها، ولا يمكن تجنُّبُها بمنهجيات التعلم المتطور، ولكن يجبُ أن يكونَ هناك توازنٌ بينَ التعليمَينِ السريع والحَذِرِ في اتّخاذِ الحُكمِ وفقَ علاقاتٍ سببيّةٍ،

وخلاصةُ القولِ هي أنَّ المعتقداتِ تترافقُ مع التعرُّضِ الموجَّهِ للمعلومات المتوفِّرةِ ممَّا يدعمُ الأوهامَ السببيَّةَ، فالمؤمنون بعالمِ ما وراءَ الطبيعةِ يُحبذّونَ الأحداثَ المعروفةَ الأسبابِ لزيادةِ الأوهامِ السببية الموافِقةِ لقناعاتِهم الذاتية.

المصدر:

هنا